مع انهيار مذكرة التفاهم، وعودة الأعمال العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وعلى الرغم من حديث الطرفين عن انفتاحهما على الدبلوماسية، فإن تمسك كلا الجانبين بموقفه وانعدام الثقة بينهما يزيد الأوضاع تعقيدا، ويثير التساؤلات بشأن مسار الصراع خلال الفترة المقبلة، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى، فهل يكون لاستمرار هذه الحرب تأثيره السلبى على الحزب الجمهورى المهدد بدفع ثمن سياسى باهظ إذا ما تحولت المواجهة مع إيران إلى نسخة جديدة من «الحروب الأبدية» التى طالما تعهد ترامب بتجنبها ؟!
فى هذا السياق، ذكرت صحيفة «الجارديان» البريطانية فى تقرير تحليلى، إنه قبل أقل من أربعة أشهر من انتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر المقبل، والتى يسعى فيها الديمقراطيون لاستعادة السيطرة على مجلسى الكونجرس، يجازف ترامب بتعريض الحزب الجمهورى لكارثة انتخابية بإعادة إشعال حرب لا تحظى بشعبية لدى الناخبين، ولا سيما بسبب تأثيرها على ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة.
ونقلت الصحيفة عن كيرت ميلز، مدير التحرير التنفيذى لمجلة «أمريكان كونسيرفاتيف»، وهى مجلة تروج لسياسة «أمريكا أولاً» التى يفضلها مؤيدو ترامب، قوله: «يبدو أن ترامب لا يكترث حقاً بانتخابات التجديد النصفى.. يبدو الأمر وكأنه ثأر شخصى مع الإيرانيين».
ويحذر خبراء، من أن التصعيد المستمر قد يؤدى حتماً إلى غزو برى للأراضى الإيرانية، وهو قرار تقول «الجارديان»، إنه قد يؤدى بدوره إلى نوع «الحروب الأبدية» طويلة الأمد التى سبق أن ندد بها ترامب، وأدان الرؤساء السابقين بسببها.
وتشير الصحيفة، إلى أن تجدد الأعمال العدائية يكمن فى جوهره السيطرة على مضيق هرمز، الممر الاستراتيجى الذى كان يمثل قناة لمرور 20% من صادرات العالم من الطاقة قبل بدء الحرب نهاية فبراير الماضى، والذى أصبح الآن أكبر ورقة مساومة تستخدمها طهران فى سعيها لمقاومة الضغوط الأمريكية لتقديم تنازلات بشأن قضايا مثل برنامجها النووى ودعم وكلائها فى المنطقة مثل حزب الله فى لبنان.
ولفتت الصحيفة، إلى أن عودة المواجهة جاءت بعد أن أطلقت إيران النار على سفن تجارية تابعة لدول خليجية بعد استخدامها - تحت حماية البحرية الأمريكية - ممرًا ملاحيًا بالقرب من سواحل سلطنة عُمان المحايدة، بدلًا من الطرق المعتادة قبالة السواحل الإيرانية، التى ترغب طهران فى السيطرة عليها وفرض رسوم «خدمة» تعتبرها واشنطن وحلفاؤها بمثابة رسوم غير قانونية.
تصاعد التوتر، أرجعه محللون إلى ضعف المفاوضات الأمريكية - الإيرانية، الذى أدى على ما يبدو إلى سوء فهم مذكرة التفاهم، التى لم تذكر أى شىء عن الممرات الملاحية.
سوء تقدير
لكن ولى نصر، وهو أستاذ فى كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، يرى أن انهيار مذكرة التفاهم كان نتيجة لسوء تقدير من جانب الولايات المتحدة وإيران، قائلا: «لا أعتقد أن هناك سوء فهم، أعتقد أن هذا بالضبط ما قصده ترامب».
واستشهد نصر بتعليقات حديثة أدلى بها نائب الرئيس الأمريكى جيه دى فانس، تشير إلى أن مذكرة التفاهم تم توقيعها لإتاحة الفرصة لتجديد احتياطيات النفط الاستراتيجية، وبالتالى إضعاف موقف إيران التفاوضى مع تخفيف الضغط مؤقتًا على تكاليف الوقود.
ويقول نصر: «كانت مذكرة التفاهم بمثابة متنفس ل ترامب لمحاولة تحقيق ما يريد، وهو السيطرة على المضيق أو انتزاعه من إيران. يحاول ترامب انتزاعه منهم قبل بدء المفاوضات، حتى لا يكونوا فى وضع يسمح لهم بمقاومة مطالبه بشأن الملف النووى أو أى أمر آخر، فى حين راهنت إيران على إمكانية استغلال فترة الستين يوماً لتحقيق بعض الانتعاش الاقتصادى عبر استيراد السلع، مع تعزيز موقفها فى الوقت نفسه. والخلاصة هى أنه ربما كان هناك خطأ فى التقدير، لكن لا يوجد أى سوء فهم».
وترى «الجارديان»، أن استعداد إيران للمقامرة قد يدفع ترامب إلى زيادة المخاطر، مما يجعل التصعيد الإضافى- بما فى ذلك الغزو البرى- أكثر احتمالاً.
ونقلت الصحيفة، عن أليكس فاتانكا، الزميل البارز فى معهد الشرق الأوسط فى واشنطن، قوله: «أصبح ترامب الآن أمام خصم مستعد لتحمل خسائر أكبر بكثير مما كان يتصور. إنهم على استعداد للمخاطرة باللعب بورقة مضيق هرمز لأنها تمنحهم السيطرة على جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية، وتجعل بعض أغنى دول الخليج رهينة لهم».
ومع استعداد إيران للرد من خلال الضربات على حلفاء الولايات المتحدة فى الخليج مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر وحتى عُمان، يحذر فاتانكا من احتمالية امتداد الصراع لمدة خمس أو عشر سنوات، مضيفا «بالنظر إلى الوضع الراهن، لا أعرف كيف سيتمكن ترامب من هزيمة النظام عسكرياً، إلا إذا كان يريد احتلال البلاد».
كوكاكولا زيرو!
فى السياق نفسه، ذكر تقرير تحليلى نشرته شبكة «سى إن إن» الأمريكية، إن ترامب يتجه نحو انتخابات التجديد النصفى وهو متورط فى حرب من اختياره من نوعية الحروب الأبدية التى لا تنتهى، فهى حرب تفتقر إلى منطق واضح، وتتغير أهدافها، بينما يتلاشى الدعم الشعبى لها، وذلك فى مواجهة خصم أكثر تماسكا وصمودًا.
وأشار التقرير، إلى أن إيران تعرضت لأكثر من 13 ألف ضربة، لكنها تمكنت من الصمود وإعادة بناء قدراتها، بينما يبدو أن الولايات المتحدة تواجه صعوبات فى تعويض مخزونها من الذخيرة أكثر من الصعوبات التى تواجهها إيران فى تعويض خسائرها فى القيادات العسكرية.
وأضاف التقرير، أن الرئيس ترامب لم يفسر قط للشعب الأمريكى لماذا تعد الحرب على إيران ضرورة وجودية، مشيرا إلى أن ترامب على ما يبدو يعتبر الحرب على إيران «حرب كوكاكولا زيرو»، حيث يعتقد أنه يستطيع أن يُفرط فى الشرب دون أن يخشى أى سعرات حرارية، أى دون تحمل أية خسائر.
وتابع أن، ترامب اتخذ قرار الحرب ببساطة، بعد أن أقنعه رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بوجود فرصة سانحة لإسقاط النظام الإيرانى، وذلك دون أن يكون لديه خطة لليوم التالى لسقوط النظام، أو الشهر التالى للضربة الأولى، أو حتى لما سيحدث بعد أسبوعين، مؤكدا أن طبيعة البداية العشوائية للحرب هى التى تفسر تخبط مسارها.
وترى «سى إن إن»، أن قدرة إيران على الصمود تقدم مثالاً جديدا على حدود القوة الأمريكية، وأن تهديدات ترامب بتنفيذ توغل برى للسيطرة على جزر رئيسية، أو بتصعيد الحملة الجوية، تصبح أكثر زيفاً مع كثرة تكرارها دون تنفيذ حيث يتبيّن أنها مجرد تهديدات جوفاء.
وأوضح التقرير، أن هناك عاملان رئيسيان يحدان من قدرة الولايات المتحدة على الحسم واستخدام القوة؛ أولهما سعر النفط، الذى يبدو أنه يتجه نحو أزمة جديدة مع انخفاض الاحتياطيات.
أما العامل الثانى، فهو التراجع الحاد فى شعبية ترامب، والذى قد لا يكون مؤثرًا بالنسبة لرئيس فى ولايته الثانية يبلغ الثمانين من العمر بقدر أهمية تسليم الاقتصاد إلى خليفته فى وضع جيد، إلا أن انتخابات التجديد النصفى قد تكون لها عواقب وخيمة على الحزب الجمهورى.
مقامرة محسوبة
من جهتها، قالت مجلة «تايم» إن من الأفضل قراءة عودة إيران إلى الصراع باعتبارها «مقامرة محسوبة»، حيث يبدو أن قادتها ينظرون إلى التآكل الاستراتيجى التدريجى باعتباره أكثر خطورة من مواجهة أخرى مع الولايات المتحدة، وربما إسرائيل.
وأوضحت المجلة الأمريكية، أن القيادة الإيرانية تخشى، قبل أى شىء، من تراجع تدريجى فى نفوذها، فبمجرد أن تتوقف عن تهديد الملاحة البحرية وتقييد شركائها الإقليميين، يصبح من الصعب استعادة تلك الأدوات. ومن هذا المنطلق، يهدف التصعيد إلى رفع تكلفة المواجهة بما يكفى لإجبار واشنطن على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أوسع.
وتضيف أن هذا الرهان يعتمد على فهم إيران الدقيق للرئيس دونالد ترامب نفسه، حيث تدرك طهران أنه يرغب فى تجنب ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الخسائر الأمريكية، وحرب أخرى مفتوحة فى الشرق الأوسط، لا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفى. ويبدو أن القادة الإيرانيين حريصون على تحدى ترامب قبل انتخابات التجديد النصفى بدلاً من انتظار عودة الحرب بعد الانتخابات.
لكن طهران، حسبما تقول «تايم»، ربما تسىء فهم ترامب. فقد دخل ولايته الثانية باستعراضٍ عدوانى للقوة الأمريكية، ويبدو أنه تعامل مع إيران بنفس الافتراض الذى اتبعه مع فنزويلا: أن القوة الساحقة قادرة على إجبار دولة يُفترض أنها أضعف على الاستسلام بسرعة. وبذلك، قلّل من شأن صمود الدولة الإيرانية.
وترى المجلة، إن عدم رغبة ترامب فى قبول حرب مفتوحة النهاية يتزامن مع نفورٍ عميق من الشعور بالإذلال، مما يخلق خطر أن يؤدى ذلك لا إلى ضبط النفس بل إلى مزيد من التصعيد.
وخلصت «تايم»، إلى أن السبيل الوحيد للخروج من هذه الحرب بالنسبة للطرفين هو إحياء مذكرة تفاهم متفق عليها بشكل متبادل تغطى المرور البحرى، وتخفيف العقوبات، والحدود النووية، وضبط النفس عسكريا، مع آليات حقيقية للتحقق من الامتثال للاتفاق بما فى ذلك قناة لحل النزاعات قبل تصعيدها.
وفيما عدا ذلك، من المرجح أن يتكرر النمط نفسه؛ ستواصل طهران تسليح نفسها ضد نزع السلاح، وستسىء واشنطن تقدير نفوذها، وسيكون وقف إطلاق النار التالى مجرد فاصل مؤقت بدلاً من أن يكون سبيلاً نحو أى خروج دائم من هذه الحرب، حسب «تايم».
معضلة حقيقية
أما موقع «يورو نيوز»، فقال فى تقرير له، إن مقتل المزيد من الجنود وعودة أسعار البنزين إلى الارتفاع، يضع الحزب الجمهورى أمام اختبار صعب قبل انتخابات التجديد النصفى المقررة فى نوفمبر المقبل. ولذلك، يعتقد العديد من المراقبين أن الرئيس ترامب لا يريد تفجير الأوضاع مجددًا، خاصة مع تهديد الحوثيين بإغلاق مضيق باب المندب، غير أن شبح العودة إلى حرب شاملة لا يزال قائمًا.
وترى منى يعقوبيان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن كلا الطرفين يراهن على التصعيد لكسر الجمود، غير أن الخطر الأكبر يكمن فى أن هذه الاستراتيجية قد تغلق أى نافذة للعودة إلى الدبلوماسية، خاصة مع تعقد المشهد وتشابك أطرافه الإقليمية.
من ناحية أخرى، يشير الدبلوماسى الأمريكى السابق آلان آير إلى أن الإدارة الأمريكية تبدو «حائرة» وتفتقر إلى استراتيجية متماسكة للخروج مما يصفه بـ «المستنقع»، فهى تعتمد على «مستشارين ذوى خبرة محدودة فى العلاقات الدولية»، مضيفا أن غياب الثقة بين واشنطن وطهران يجعل أى تسوية مرتقبة أشبه بـ «طريق صعب لكن ممكن نظريًا»، فى إشارة إلى صعوبة تجاوز حالة الجمود الحالية.
ووفقًا لكريستوفر بريبل، الباحث فى مركز ستيمسون للأبحاث المتخصص فى السياسة الخارجية الأمريكية، فإن الصراع أظهر بوضوح حدود الاعتماد على القوة الجوية وحدها، غير أنه لفت إلى أن إرسال قوات برية سيكون خيارًا غير شعبى لدى العديد من الأمريكيين وأعضاء الكونجرس، مما يضع الإدارة أمام معضلة حقيقية، إذ تبدو الخيارات كلها مسدودة أو مكلفة للغاية.
ويضيف بريبل: «يبدو أن الرئيس ترامب يمتلك بالتأكيد القدرة على مواصلة القصف، وستمتلك إيران القدرة على مواصلة إبقاء المضيق مغلقًا- أو مغلقًا بما يكفى»، وهو ما يكشف عن جمود خطير يهدد بإطالة أمد النزاع دون حسم فى الأفق.
من جهته، لفت ديفيد شينكر، المسئول السابق فى إدارة ترامب الأولى، والزميل الآن فى معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إلى أن الضربات الجديدة على البنية التحتية الإيرانية هى مجرد تكرار لهجمات الأسابيع الأولى من الحرب، والتى لم تؤدِ إلى استسلام إيران، مشيرًا إلى أن «الولايات المتحدة ضربت 13 ألف هدف فى الأسابيع الستة الأولى من الحرب، وهذا لم يدفع إيران للركوع».