لاستعادة ثقة البريطانيين .. بورنهام يخوض «المهمة المستحيلة» !

لاستعادة ثقة البريطانيين .. بورنهام يخوض «المهمة المستحيلة» !بورنهام

وسط أزمات اقتصادية وسياسية وضغوط اجتماعية وتراجع فى ثقة الشارع البريطانى فى الأداء الحكومى، يبدو أن الاستقرار السياسى فى المملكة المتحدة أصبح حلما بعيد المنال خلال السنوات الأخيرة، وسط تغير سريع للحكومات ورؤساء الوزراء فى فترة زمنية قصيرة. وفى خضم هذه الأجواء، جاء رئيس الوزراء البريطانى الجديد، آندى بورنهام، لقيادة الحكومة محملا بالوعود بإعادة الاستقرار وإنعاش الاقتصاد وتحسين الخدمات العامة، غير أن السؤال الذى يطرح نفسه: هل يكون بورنهام مجرد حلقة جديدة فى مسلسل تبدل الحكومات؟ أم ينجح فى كسر هذه الدائرة واستعادة ثقة البريطانيين، وفتح صفحة جديدة فى الحياة السياسية بالمملكة المتحدة؟

وصول بورنهام إلى رئاسة الحكومة جاء بعد استقالة كيرستارمر من قيادة حزب العمال ورئاسة الوزراء إثر ضغوط داخلية متزايدة بسبب تراجع شعبية الحكومة والانقسامات داخل الحزب. وبعد فوز بورنهام بقيادة الحزب، كلّفه الملك تشارلز الثالث بتشكيل الحكومة الجديدة، ليصبح رسميًا رئيسًا لوزراء المملكة المتحدة.

ويعد بورنهام من أبرز الوجوه السياسية فى حزب العمال البريطانى خلال العقدين الماضيين، وهو من مواليد مدينة ليفربول عام 1970، ودرس اللغة الإنجليزية فى جامعة كامبريدج، قبل أن يبدأ حياته المهنية صحفيًا ثم مستشارًا سياسيًا، لينتقل بعد ذلك إلى العمل البرلمانى.

انتُخب عضوًا فى مجلس العموم عام 2001، وسرعان ما برز اسمه داخل الحزب بفضل اهتمامه بقضايا الصحة والخدمات العامة والعدالة الاجتماعية.

وخلال حكومات حزب العمال بقيادة تونى بلير وجوردون براون، تولى عدة حقائب وزارية، من بينها وزارة الثقافة والإعلام والرياضة، ثم وزارة الصحة، التى تعد من أهم الوزارات فى بريطانيا.

عقب خسارة حزب العمال انتخابات عام 2010، كان بورنهام أحد أبرز المرشحين لقيادة الحزب، إلا أنه خسر المنافسة أمام إد ميليباند، ثم عاد وخاض السباق مجددًا عام 2015 لكنه خسر أمام جيريمى كوربن .

ورغم ابتعاده عن قيادة الحزب فى تلك المرحلة، فإنه لم يبتعد عن الحياة العامة، إذ انتُخب عام 2017 أول عمدة منتخب لمنطقة مانشستر الكبرى، وهو المنصب الذى شكّل نقطة تحول فى مسيرته السياسية، فقد نجح فى تقديم نفسه بوصفه سياسيًا قريبًا من المواطنين، ومدافعًا عن حقوق المدن الشمالية، ومطالبًا بمنح السلطات المحلية صلاحيات أوسع فى إدارة شئونها.
واكتسب بورنهام شعبية واسعة بسبب مواقفه خلال جائحة كورونا، عندما دخل فى مواجهة علنية مع حكومة بوريس جونسون مطالبًا بتقديم دعم مالى أكبر للمناطق المتضررة من الإغلاق، وهو ما عزز صورته كسياسى يدافع عن المصالح المحلية فى مواجهة الحكومة المركزية.
وفى أول خطاب له بعد دخوله مقر رئاسة الوزراء، أكد بورنهام أن بريطانيا تحتاج إلى «بداية جديدة»، وتعهد بإعادة الاستقرار السياسى، وخفض تكاليف المعيشة، وتحسين الخدمات العامة، وتقليص الفجوة الاقتصادية بين شمال البلاد وجنوبها، مشددًا على أن حكومته ستعمل وفق رؤية تمتد لعشر سنوات بدلاً من الحلول المؤقتة.
ويرى مراقبون، أن بورنهام يختلف عن كثير من رؤساء الوزراء البريطانيين فى السنوات الأخيرة، إذ يعتمد أسلوبًا أكثر قربًا من المواطنين، ويحرص على الظهور فى المناسبات المحلية والاستماع إلى شكاوى السكان بصورة مباشرة.
كما يُعرف عنه تركيزه على ما يسمى بـ «اللا مركزية»، أى منح المدن والأقاليم سلطات أوسع فى إدارة ميزانياتها وخدماتها، وهو ما طبقه خلال قيادته لمانشستر الكبرى، حيث أشرف على تطوير شبكة النقل العام، وتحسين خدمات الحافلات، وتعزيز برامج الإسكان الاجتماعى.
ويرى مؤيدوه، أن خبرته فى الإدارة المحلية تمنحه فهمًا عمليًا للمشكلات اليومية التى يواجهها المواطن البريطانى، بينما يعتبر منتقدوه أن إدارة دولة بحجم المملكة المتحدة تختلف كثيرًا عن إدارة مدينة أو إقليم، وأن نجاحه المحلى لا يضمن نجاحه فى قيادة الحكومة المركزية.
ومن أبرز الأفكار التى يطرحها بورنهام ضرورة تقليص الفجوة الاقتصادية بين العاصمة لندن والمناطق الشمالية، ويؤكد أن الاقتصاد البريطانى لن يحقق نموًا مستدامًا إذا استمرت الاستثمارات والفرص الاقتصادية متركزة فى لندن وجنوب إنجلترا، لذلك يدعو إلى زيادة الإنفاق على البنية التحتية، وتحسين وسائل النقل، وتشجيع الاستثمار الصناعى فى المدن الشمالية، بما يخلق فرص عمل جديدة ويحد من التفاوت التنموى بين الأقاليم.
ولا يعتبر وصول بورنهام إلى رئاسة الوزراء نهاية للأزمات، بل بداية لمواجهة ملفات شديدة التعقيد تراكمت خلال السنوات الماضية، فالحكومة الجديدة مطالبة بتحقيق نتائج سريعة فى وقت يعانى فيه الاقتصاد البريطانى من تباطؤ النمو، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضغوط غير مسبوقة على الخدمات العامة.
ويرى مراقبون، أن نجاح بورنهام لن يقاس بخطاباته أو شعبيته، وإنما بقدرته على تحويل الوعود إلى سياسات قابلة للتنفيذ خلال الأشهر الأولى من ولايته.
ويأتى الملف الاقتصادى فى مقدمة التحديات التى تواجه الحكومة الجديدة، إذ لا تزال الأسر البريطانية تعانى من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والإيجارات، بينما لم تستعد معدلات النمو الاقتصادى قوتها بعد سنوات من تداعيات جائحة كورونا، والحرب فى أوكرانيا، وآثار الخروج من الاتحاد الأوروبى.
وأعلن بورنهام، أن أولويته ستكون تخفيف الضغوط عن المواطنين عبر إجراءات عاجلة تستهدف خفض فواتير الطاقة، وتحسين الدخول الحقيقية، وتحفيز الاستثمار والإنتاج، مع الحفاظ على الانضباط المالى وعدم الانزلاق إلى زيادة غير محسوبة فى الاقتراض العام.
وتقوم أبرز ملامح سياسته الاقتصادية على زيادة الاستثمار فى البنية التحتية وشبكات النقل، ودعم الصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد الأخضر، وتقليص الفجوة التنموية بين شمال وجنوب إنجلترا، وتقديم دعم مباشر للأسر المتضررة من ارتفاع تكاليف المعيشة، والالتزام بقواعد الانضباط المالى مع السماح بالاقتراض لتمويل المشروعات الاستثمارية طويلة الأجل، إضافة إلى تعزيز اللا مركزية الاقتصادية ومنح المدن الكبرى سلطات مالية وإدارية أوسع.
ويرى خبراء فى الاقتصاد، أن هذه الرؤية تمثل محاولة لإعادة التوازن إلى الاقتصاد البريطانى، لكنها ستواجه اختبارًا صعبًا يتمثل فى كيفية تمويل هذه الخطط دون زيادة كبيرة فى الدين العام أو فرض ضرائب جديدة تؤثر على النشاط الاقتصادى.
وبين مواقف الترحيب الحذر والتشكيك فى قدرته على تحقيق التغيير، ركزت صحيفة «الجارديان» البريطانية على أن بورنهام يمثل فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الحكومة والمواطنين، مشيرة إلى أن برنامجه يركز على العدالة الاجتماعية واللا مركزية وإنعاش المدن الشمالية.
كما اعتبرت أن أول قراراته، ومنها تخصيص أموال لمعالجة التشرد وخفض تكاليف المعيشة، تعكس محاولة لإظهار نتائج سريعة تعيد الثقة بالحكومة.
من جانبها، ركزت صحيفة «التليجراف»، على التحديات الكبيرة التى تنتظر رئيس الوزراء، معتبرة أن نجاحه سيتوقف على سرعة تنفيذ الإصلاحات، وليس على الخطابات السياسية. وأشارت إلى أن البريطانيين أصبحوا أقل صبرًا بعد سنوات من تبدل الحكومات، وأن أى تأخر فى تحسين الأوضاع الاقتصادية قد يؤدى إلى تراجع شعبيته سريعًا.
ويرى عدد من المحللين، أن بورنهام يمتلك رصيدًا سياسيًا وشعبية يساعدانه على بدء مرحلة جديدة، لكنهم يؤكدون أن حجم التحديات أكبر من أى حكومة منفردة، مشيرين إلى أن حكومته ستواجه ثلاثة اختبارات رئيسية خلال العام الأول؛ تحقيق انفراجة ملموسة فى أزمة تكاليف المعيشة، واستعادة ثقة المواطنين فى الخدمات العامة، خاصة الصحة والإسكان، والحفاظ على وحدة حزب العمال فى مواجهة الضغوط السياسية وصعود المعارضة.

أضف تعليق

كيف تحمي مصر ثرواتها في الجنوب؟

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان