بينما تتجه دول العالم إلى تبني مبادئ الاقتصاد الدائري و الاقتصاد الأخضر ، لم تعد الحمأة الناتجة عن محطات معالجة الصرف الصحي مجرد مخلفات ينبغي التخلص منها، بل أصبحت موردًا اقتصاديًا يمكن توظيفه لإنتاج الطاقة والأسمدة وتقليل الانبعاثات الكربونية.
في الإسكندرية، حيث تعالج محطات الصرف الصحي أكثر من مليون ونصف المليون متر مكعب من المياه يوميًا، يبرز تحدٍ بيئي يتمثل في التعامل مع نحو 700 ألف طن من الحمأة سنويًا. لكن ما كان يُنظر إليه لسنوات باعتباره عبئًا بيئيًا، تحول اليوم إلى مشروع تنموي متكامل يعتمد على التكنولوجيا الحديثة والإدارة البيئية المستدامة.

في هذا الحوار، يكشف المهندس سامي قنديل، رئيس مجلس إدارة شركة الصرف الصحي بالإسكندرية ، تفاصيل خطة الشركة لتحويل الحمأة إلى مورد اقتصادي، ودورها في حماية البيئة وتحقيق مستهدفات رؤية مصر 2030.
البداية من التحدي
بدايةً... ما حجم منظومة الصرف الصحي بالإسكندرية ؟
الإسكندرية تمتلك واحدة من أكبر منظومات معالجة مياه الصرف الصحي في مصر، حيث تضم 21 محطة معالجة بطاقة تصميمية تبلغ 1.8 مليون متر مكعب يوميًا، بينما تصل الطاقة التشغيلية الفعلية إلى نحو 1.5 مليون متر مكعب يوميًا.
هذه المنظومة تخدم ملايين المواطنين، لكنها في الوقت نفسه تنتج كميات ضخمة من الحمأة، وهو ما يفرض علينا مسؤولية كبيرة في إدارتها وفق أحدث المعايير البيئية.

حوالي 700 ألف طن سنويًا... كيف يتم التعامل معها؟ هل تمثل هذه الكميات عبئًا بيئيًا؟*
بالفعل، تنتج المحطات نحو 700 ألف طن من الحمأة سنويًا، أي ما يقرب من 800 طن يوميًا.
في الماضي كان التخلص من هذه الكميات يمثل تحديًا بيئيًا واقتصاديًا، أما اليوم فقد تغيرت الفلسفة بالكامل، وأصبحنا نتعامل مع الحمأة باعتبارها موردًا يمكن الاستفادة منه ضمن منظومة الاقتصاد الأخضر.

موقع 9N... مدينة بيئية متكاملة ما الذي يميز موقع (9N)؟
موقع 9N ليس مجرد مكان لتجميع الحمأة ، بل يمثل مشروعًا بيئيًا متكاملًا.
تُنقل إليه الحمأة المجففة من محطات الشرقية وخورشيد والكيلو 21 والمحطة الألمانية وغيرها، ثم تُدار وفق منظومة بيئية حديثة.
كما يضم الموقع غابات شجرية تمتد على مساحة 46 فدانًا تعمل كمرشحات حيوية، وتساهم في تنقية الهواء وتقليل البصمة الكربونية.

لماذا هذه الأشجار تحديدًا؟
ولماذا تم اختيار الكازورينا والكافور والأكاسيا والنيم؟
لأنها من أكثر الأشجار قدرة على امتصاص الملوثات وتحسين جودة الهواء، كما أنها تتحمل الظروف البيئية المختلفة، وهو ما يجعلها عنصرًا مهمًا في الحد من آثار التغيرات المناخية.
هاضم الحمأة... مشروع يوفر الطاقة يعد مشروع هاضم الحمأة من أبرز المشروعات... ماذا حقق؟
حقق المشروع نتائج مهمة، إذ خفض استهلاك الكهرباء بنسبة 60%، كما قلل كمية الحمأة المنتجة بنسبة 30%.
وهذا يعني خفضًا مباشرًا في تكاليف التشغيل، وتقليلًا للانبعاثات الكربونية، ورفعًا لكفاءة محطات المعالجة.

مواجهة التلوث الصناعي من المنبع... ماذا عن الصرف الصناعي؟
انتهينا من حصر 9 مناطق صناعية تؤثر على منظومة الصرف الصحي والمسطحات المائية، كما أعددنا قاعدة بيانات كاملة للمنشآت الصناعية تمهيدًا لإنشاء محطات معالجة متخصصة.
الفكرة الأساسية هي منع الملوثات من الوصول إلى الشبكات العامة، وليس مجرد التعامل معها بعد حدوث المشكلة.
*مستقبل منظومة النقل
هل شهدت منظومة نقل الحمأة تطويرًا ؟*
*
بالتأكيد.قمنا بإحلال وتجديد ورفع كفاءة خمس سيارات مخصصة لنقل الحمأة، وهو ما يحد من احتمالات التلوث أثناء النقل، ويحسن كفاءة التشغيل ويرفع مستويات السلامة.
*إنجاز غير مسبوق
حصلتم على أول اعتماد من نوعه في مصر... ماذا يمثل ذلك؟*
حصلت خطة مأمونية تداول مياه الصرف الصحي وموقع 9N على اعتماد اللجنة العليا للمياه بعد مراجعتها من الشركة القابضة والجهاز التنظيمي، لتصبح الأولى على مستوى الجمهورية.
ويمثل ذلك شهادة على التزام الشركة بأعلى معايير الجودة وإدارة المخاطر.
ماذا بعد 2030؟
ما أبرز المشروعات المستقبلية؟
لدينا خطة لدخول 10 محطات جديدة الخدمة بطاقة تصميمية تبلغ 756 ألف متر مكعب يوميًا.
كما نعمل على إنشاء مصنع لإنتاج السماد العضوي من الحمأة المعالجة، وندرس إنشاء محطة للطاقة الشمسية لتوفير طاقة نظيفة، مع استمرار تحديث المعدات والبنية التحتية وتطوير إجراءات السلامة.
الخلاصة
لم تعد إدارة الحمأة مجرد نشاط خدمي داخل شركات الصرف الصحي، بل أصبحت صناعة قائمة على استثمار المخلفات وتحويلها إلى قيمة اقتصادية.
وتؤكد تجربة الإسكندرية أن الاستثمار في التكنولوجيا البيئية يمكن أن يحقق ثلاثة أهداف في وقت واحد: حماية البيئة، وخفض تكاليف التشغيل، وتعظيم الاستفادة من الموارد، وهو ما يجعلها نموذجًا قابلًا للتطبيق في مختلف المحافظات.
وهكذا حمل المشروع عدة رسائل بيئية واقتصادية واستثمارية ومناخيه والتي تتمثل في تحويل الحمأة من مخلفات إلى مورد اقتصادي.
والتوسع في الاقتصاد الأخضر والاقتصاد الدائري.
و خفض الانبعاثات الكربونية.
إنتاج سماد عضوي وطاقة نظيفة.