هناك فارق كبير بين دولة تتصرف بانفعال، ودولة تدير أزماتها بعقل هادئ، وبين قيادة تستجيب للاستفزاز بردود سريعة و متسرعة، وأخرى تدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث فى لحظات التوتر الإقليمي هو أن تُستدرج إلى معركة يختار الآخرون زمانها ومكانها وأدواتها.
هذه كانت، ولا تزال، إحدى السمات الرئيسية فى إدارة الدولة المصرية لأزمات السنوات الأخيرة، فمنذ اندلاع موجات الاضطراب فى المنطقة، اختارت القاهرة أن تجعل من الحكمة أداة للقوة، ومن ضبط النفس وسيلة لحماية الأمن القومي، لا تعبيرًا عن التردد أو الضعف، لذلك لم تنجرف إلى صراعات أراد آخرون أن يجرّوها إليها، ولم تتعامل مع كل استفزاز باعتباره دعوة إلى التصعيد، وإنما تعاملت معه باعتباره اختبارًا لقدرتها على حماية مصالحها الوطنية أولًا.
وفى هذا السياق، جاء حادث ميناء دمياط، الذي استحوذ على اهتمام الرأي العام داخل مصر وخارجها، ليس فقط بسبب طبيعته، وإنما أيضًا بسبب الطريقة التي تشكلت بها الرواية الإعلامية حوله منذ اللحظات الأولى.
هذا المقال هو الحلقة الثالثة من سلسلة «لماذا لا نروي روايتنا؟» وهي سلسلة انطلقت من سؤال بسيط، لكنه شديد الأهمية: لماذا نترك الآخرين يروون قصتنا؟ ولماذا نسمح لمنصات خارجية، مهما كانت مهنيتها أو أهدافها، بأن تصبح المصدر الأول لما يحدث داخل حدودنا، بينما تمتلك مصر من المؤسسات والخبرات والإمكانات ما يجعلها الأقدر على تقديم روايتها بنفسها؟
فى حادث دمياط، تعاملت الجهات المختصة أولًا مع الواقع الميداني، فتمت السيطرة على الحريق، وحماية الأرواح، واستمرار العمل داخل الميناء دون توقف، ثم بدأت التحقيقات الفنية والأمنية لمعرفة السبب الحقيقي، وبعد استكمال التحقيقات الأولية، أعلن مجلس الوزراء أن الحادث نتج عن «طائرة مسيرة»، مع استمرار التحقيقات لمعرفة جميع الملابسات.
لا أرى فى ذلك تناقضًا بين البيانين بقدر ما أراه اختلافًا فى طبيعة كل مرحلة، فبيان وزارة البترول كان بيانًا تشغيليًا يركز على احتواء الحادث وآثاره المباشرة، بينما جاء بيان مجلس الوزراء بعد تقدم التحقيقات الأولية ليعلن ما انتهت إليه الجهات المختصة، هذه آلية طبيعية فى إدارة الأزمات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمنشآت استراتيجية وقضايا تمس الأمن القومي.
لكن، فى المقابل، لا ينبغي أن يمنعنا ذلك من الاعتراف بوجود «درس إعلامي» بالغ الأهمية، فالبيانات الرسمية كانت دقيقة، لكنها لم تكن بالسرعة التي يفرضها عالم الإعلام الحديث، حيث تتحول الثواني إلى عنصر حاسم فى تشكيل الوعي العام، وتنتشر الروايات المختلفة عبر وكالات الأنباء ومنصات التواصل قبل أن تصل الرواية الوطنية إلى جمهورها.
فى تلك الساعات الأولى، اعتمدت وسائل إعلام دولية على تقارير شركات متخصصة فى الأمن البحري والملاحة، ونقلت عنها تقديرات بشأن طبيعة الحادث، بينما ظل الإعلام المصري ينتظر البيان الرسمي النهائي، وهنا ظهرت الفجوة، ليس لأن الدولة أخطأت فى التحقيق، ولكن لأن الآخرين سبقوا إلى رواية الحدث، وهذه ليست قضية شكلية، بل قضية ترتبط ب الأمن القومي نفسه، ف الرواية فى عصرنا لم تعد مجرد خبر، وإنما أصبحت جزءًا من إدارة الصراع، ومن يسبق إلى تقديم «روايته» يملك، بدرجة كبيرة، التأثير فى تشكيل الانطباعات الأولى، وهي الانطباعات التي يصعب تعديلها لاحقًا مهما صدرت بيانات وتصحيحات.
ولذلك فإن المطلوب ليس التسرع فى إعلان معلومات غير مؤكدة، ولا استباق نتائج التحقيقات، وإنما تطوير آليات الاتصال الحكومي بحيث تواكب سرعة العصر، وتفرق بوضوح بين ما هو مؤكد، وما يزال قيد الفحص، وما سيُعلن لاحقًا.
كان يمكن، على سبيل المثال، أن يصدر تحديث دوري يوضح أن التحقيقات تدرس جميع الاحتمالات، وأن الجهات المختصة ستعلن نتائجها فور التحقق منها، مثل هذه الرسائل تمنح الرأي العام الثقة، وتغلق الباب أمام الشائعات، وتحافظ فى الوقت نفسه على مقتضيات الأمن القومي.
ولا يقل أهمية عن ذلك الدور الذي لعبه بعض المتحدثين على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث سارع البعض إلى إطلاق أحكام قاطعة بالنفى أو الإثبات قبل صدور أي معلومات رسمية، وكأن المنافسة أصبحت على سرعة التعليق لا على دقة المعلومة.
فى الأزمات، الكلمة مسئولية.. والفرق كبير بين التحليل المهني وبين إطلاق استنتاجات لا تستند إلى معلومات موثقة، فالمبالغة فى النفى لا تخدم الحقيقة، كما أن المبالغة فى التهويل لا تخدم الوطن، والمسئولية الوطنية تقتضي انتظار ما تعلنه المؤسسات المختصة، مع ممارسة النقاش المهني الهادئ بعيدًا عن الانفعال أو الاستقطاب، وفى المقابل، فإن الدولة مطالبة أيضًا بأن تمنح الإعلام الوطني الأدوات التي تمكنه من أداء هذا الدور.
وهنا تبرز الحاجة إلى إنشاء آلية وطنية دائمة لإدارة الأزمات الإعلامية، تضم ممثلين عن الجهات المعنية وخبراء فى الاتصال والإعلام الرقمي، تكون مهمتها العمل منذ الدقيقة الأولى لأي أزمة، وإصدار تحديثات متتابعة، وتوفير المعلومات المؤكدة، والتواصل مع وسائل الإعلام المحلية والدولية بلغات متعددة.
العالم تغير ياسادة.. ولم يعد الخبر ينتظر نشرة التاسعة مساءً، ولا البيان الورقي فى اليوم التالي، الخبر اليوم يولد فى اللحظة نفسها، ويصل إلى ملايين البشر خلال دقائق، وإذا لم تملأ أنت الفراغ بالمعلومة الصحيحة، فسوف يملؤه غيرك بـ «روايته»، ولذلك فإن امتلاك الرواية الوطنية لم يعد رفاهية إعلامية، وإنما أصبح ضرورة استراتيجية.
لقد نجحت الدولة فى إدارة الجانب الميداني للأزمة بكفاءة واضحة، واستمرت حركة العمل فى ميناء دمياط بصورة طبيعية، وأكدت وزارة النقل انتظام الملاحة واستمرار استقبال السفن وتداول البضائع دون تعطيل، وهو أمر بالغ الأهمية للحفاظ على الثقة فى الموانئ المصرية وفى سلاسل الإمداد وحركة التجارة، لكن النجاح الميداني ينبغي أن يصاحبه نجاح إعلامي بالقدر نفسه.
إن الإعلام الوطني ليس مجرد ناقل للأخبار، بل هو أحد خطوط الدفاع عن الدولة، والدفاع عن الدولة لا يعني ترديد الشعارات، وإنما يعني تقديم المعلومة الصحيحة فى الوقت المناسب، وشرح السياق، ومواجهة الشائعات بالحقيقة، وإقناع الداخل والخارج بأن مصر قادرة على إدارة أزماتها باحترافية.
لقد أثبتت التجربة أن الفراغ الإعلامي لا يبقى فارغًا، وأن الرواية التي تتأخر فى الوصول تخسر كثيرًا من تأثيرها، حتى وإن كانت الأكثر دقة، ومن هنا، فإن الدرس الحقيقي من حادث دمياط لا يتعلق فقط بطبيعة الحادث أو بنتائج التحقيقات، وإنما يتعلق أيضًا بضرورة تطوير منظومة الاتصال الحكومي، وبناء «غرفة عمليات إعلامية» تعمل بالسرعة نفسها التي تعمل بها غرف العمليات الميدانية.
إن مصر أكبر من أن تنتظر الآخرين ليخبروا العالم بما يحدث على أرضها، وهي تملك من المؤسسات والخبرات والكفاءات ما يؤهلها لأن تكون المصدر الأول والأكثر مصداقية لكل ما يتعلق بشئونها، وفى عالم تتداخل فيه السياسة بالإعلام، والأمن بالمعلومة، تصبح « الرواية الوطنية» أحد أهم عناصر القوة الشاملة للدولة.
لقد كانت الرسالة الأساسية فى الحلقتين السابقتين من هذه السلسلة هي أن الأمم التي لا تكتب روايتها، يكتبها الآخرون نيابة عنها، واليوم يؤكد حادث دمياط هذه الحقيقة مرة أخرى.
ليس المطلوب أن نخفى الوقائع، ولا أن ننكر الأخطاء، ولا أن نسبق التحقيقات، وإنما أن نسبق الجميع إلى تقديم الحقيقة كما هي، بقدر ما تسمح به مقتضيات الأمن القومي، وبالسرعة التي يفرضها عصر الإعلام الرقمي، فالدولة القوية لا تخشى الحقيقة، والإعلام القوي لا ينتظر الآخرين ليخبروا شعبه بما جرى داخل وطنه.
ويبقى الدرس الأهم.. أن إدارة الأزمات لم تعد تقتصر على إطفاء الحريق أو معالجة آثار الحادث، وإنما تشمل أيضًا إدارة «الرواية» التي ستبقى فى ذاكرة الناس.. ولهذا، فإن السؤال الذي بدأنا به هذه السلسلة ما زال مطروحًا بإلحاح: لماذا لا نروي روايتنا؟، والإجابة يجب أن تكون: بل نرويها... ونرويها أولًا، وبمهنية، وبثقة، وباسم مصر.
حفظ الله الجيش .. حفظ الله الوطن