بعد تألقها في الدراما التليفزيونية خلال السنوات الأخيرة، تعود الفنانة مي عمر إلي شاشة السينما من خلال تجربة مختلفة تمزج بين الأكشن والكوميديا والمغامرة، وتجسد في فيلم "شمشون ودليلة"، الذي يشاركها بطولته النجم أحمد العوضي ، شخصية فتاة مُحتالة تخوض سلسلة من المفاجآت والمطاردات في رحلة تمتد بين مصر وإسبانيا.
وفي هذا الحوار، تحدثنا "مي" عن كواليس الفيلم، وكيفية استعدادها لتقديم مشاهد الأكشن الصعبة، وتقييمها لتجربتها مع "العوضي"، ورأيها في شخصية «دليلة»، كما تكشف تفاصيل هذه التجربة التي تصفها بأنها من أكثر أعمالها اختلافًا.
ففي البداية.. ما الذي جذبك للمشاركة في بطولة فيلم «شمشون ودليلة»؟
الفيلم شدني منذ اللحظة الأولي وقراءتي الأولي للسيناريو والصفحات الأولي من النص، فالعمل يمتلك خلطة سينمائية ساحرة تجمع بين الإثارة والتشويق والأكشن، إلي جانب الكوميديا والرحلة المليئة بالمغامرة في إطار ممتع وسريع الإيقاع لا يترك للمشاهد فرصة للشعور بالملل، كما أن الشخصية التي أقدمها داخل الأحداث تختلف تماما عن أي شخصية جسدتها من قبل طوال مسيرتي الفنية، وهذا التغيير كان يمثل بالنسبة لي تحديا فنيا وشخصيا، لأنني كنت أبحث بشغف عن عمل فني يقدمني برؤية جديدة أمام الجمهور.
حدثينا عن شخصية «دليلة» التي تقدمينها خلال الأحداث ؟
"دليلة"، تجربة جديدة ومختلفة بالنسبة لي علي كافة المستويات، فهي بالأساس تمارس "النصب" والاحتيال، ولكنها بالتأكيد ليست شخصية تقليدية أو أحادية الأبعاد كما اعتادت السينما تقديمها، بل هي نموذج معقد للغاية يمر بتحولات نفسية ودرامية كثيرة ومتلاحقة خلال تطور الأحداث، وقد حاولت قدر الإمكان الغوص في تفاصيلها ومبرراتها الإنسانية، ولذلك أرهقتني جداً نفسياً طوال فترة التصوير.
هل وجدتِ صعوبة أو رهبة في تقديم الشخصية وتجسيد تقلباتها النفسية؟
في الحقيقة، كل شخصية جديدة أقدمها علي الشاشة تمثل لي تحدياً خاصاً ورهبة مشروع جديد، لكن أكثر ما جذبني وشجعني لخوض هذه التجربة في شخصية "دليلة" هو أنها تمتلك تركيبة إنسانية معقدة ومركبة، فهي لا تتحرك بشكل عشوائي بل بدوافع مختلفة ومتضاربة أحياناً، وتخوض خلال سيناريو الفيلم مغامرات كثيرة وخطيرة تجعلها تتواجد في مواقف غير متوقعة طوال الأحداث، مما تطلب مني تركيزاً عالياً للانتقال بين مشاعرها المتناقضة.
كيف كانت كواليس التعاون الفني مع الفنان أحمد العوضي؟
سعدت جدًا وخضت تجربة رائعة بالتعاون مع الفنان أحمد العوضي، وكانت بيننا حالة عالية جدًا من التفاهم والانسجام الفني والإنساني خلال فترة التصوير، وهو الأمر الذي انعكس بوضوح شديد علي الأداء المباشر أمام الكاميرا وشعر به الجمهور عند عرض الفيلم..والحقيقة أن كواليس العمل بشكل عام كانت مليئة بالطاقة الإيجابية وروح التعاون بين جميع أفراد طاقم التصوير والمخرج، مما جعل ساعات العمل الشاقة تمر بسلاسة ومتعة.
تقدمين في «شمشون ودليلة» عددًا من مشاهد الأكشن والحركة.. كيف كان استعدادك البدني والفني لها؟
في الحقيقة، لم أحتج إلي فترة تدريب طويلة أو شاقة قبل انطلاق تصوير هذا الفيلم بالذات، والسبب في ذلك يعود إلي أنني كنت قد خضعت بالفعل لتدريبات رياضية وبدنية مكثفة علي مشاهد الأكشن القتالية أثناء تصوير فيلم سينمائي جديد انتهيت من تصويره مؤخراً، وأعتبر هذا الفيلم أيضاً بمثابة مفاجأة سينمائية وتجربة مختلفة تماماً تضاف إلي قائمة الأعمال التي أعتز بها في مشواري الفني، وهذه اللياقة والجاهزية البدنية السابقة هي ما جعلت تنفيذ مشاهد الحركة والأكشن في «شمشون ودليلة» أسهل بكثير بالنسبة لي وجعلتني أؤديها بثقة وانسيابية أعلي أمام الكاميرا.
الفيلم يمزج بين الأكشن والكوميديا.. هل كان ذلك تحديًا بالنسبة لكم؟
بالتأكيد، لأن تحقيق التوازن بين الأكشن والكوميديا ليس أمرًا سهلًا، لكننا كنا حريصين علي أن تظل الأحداث ممتعة وسريعة الإيقاع، وأن يحصل الجمهور علي جرعة متوازنة من الإثارة والضحك.
تدور الأحداث بين مصر وإسبانيا.. ماذا أضاف ذلك للفيلم؟
هذا التنوع في أماكن الأحداث منح الفيلم شكلًا بصريًا مختلفًا، وجعل المغامرة أكثر تشويقًا، كما أضفي أجواء جديدة تتناسب مع طبيعة القصة.
حدثينا عن قصة الفيلم.
تدور الأحداث حول ماسة نادرة يمتلكها رجل أعمال أجنبي يصل بها إلي مصر، لتصبح هدفا لعدة عصابات تسعي للاستيلاء عليها، وأجسد شخصية «دليلة» التي تدخل عملية السرقة بعدما تقتنع بأنها تقوم بمهمة وطنية، بينما يجسد أحمد العوضي شخصية «شمشون» الذي اضطر للعودة إلي عالم السرقة بعد اختطاف شقيقته، ومع تطور الأحداث يكتشف الاثنان وجود عصابة أجنبية تنافسهما علي الماسة، فتتغير طبيعة العلاقة بينهما ويتحدان في مواجهة الخطر خلال رحلة تمتد من مصر إلي إسبانيا.
الفيلم حقق انطلاقة قوية في شباك التذاكر.. هل كنت تتوقعين ذلك؟
الروح الحلوة التي كانت تسود كواليس التصوير، والجهد الكبير الذي بذلناه جميعاً ليخرج الفيلم في أفضل صورة ممكنة، كل ذلك كان إشارة علي أن الفيلم سينجح ويتقبله الجمهور، وهو ما حدث والحمد لله، والفيلم يتصدر الآن إيرادات شباك التذاكر في السينما وحقق أكثر من 70 مليون جنيه، بعد أسبوعين فقط من العرض، وهذا ما يتمناه أي فنان لأن هذا معناه أن الجهد الذي بذله قد وصل إلي الناس، وأتمني أن يواصل الفيلم نجاحه وأن يستمتع الجمهور بهذه التجربة.والمؤلفين، وأن أقدم شخصيات جديدة تمثل تحديا حقيقيا بالنسبة لي، لأن الفنان يتطور بالتجارب المختلفة.
عروض الصيف ترفع لافتة كامل العدد
يشهد موسم الصيف المسرحي الحالي حالة من الانتعاش الفني، بفضل العروض الجيدة التي يتم تقديمها منذ بداية الموسم ويرفع معظمها شعار "كامل العدد"، فضلاً عن النجاح في استقطاب النجوم للمشاركة في بطولات العروض المسرحية ، سواء تلك التي تقدمها فرق البيت الفني للمسرح أو فرق القطاع الخاص.
امتد النشاط المسرحي في صيف 2026، ليخرج من حدود العاصمة القاهرة ويتجه بقوة نحو الأقاليم والمحافظات الساحلية، حيث أعلن الدكتور أيمن الشيوي، رئيس قطاع المسرح، عن إطلاق موسم صيفي ساخن ومكثف بمحافظة الإسكندرية يُقام علي خشبتي مسرح بيرم التونسي ومسرح الليسيه، ليرافق احتفالات عروس البحر المتوسط بعيدها القومي.
ويمتد الموسم المسرحي السكندري الصيفي هذا العام، من أواخر شهر يوليو وحتي أواخر شهر سبتمبر المقبل، ويضم باقة فنية ساحرة وتوليفة متوازنة، تتنوع بين الأعمال الكلاسيكية والدرامية الكبري التي حققت نجاحاً جماهيرياً مدوياً عند عرضها بالقاهرة، بالإضافة لتقديم عروض مسرحية جديدة يشاهدها الجمهور السكندري لأول مرة.
ويأتي علي رأس العروض المسرحية المتميزة والتي يتم عرضها بالإسكندرية لأول مرة وتلاقي نجاحاً مذهلاً، رائعة «الملك لير» للكاتب العالمي الشهير وليم شكسبير، ومن إخراج شادي سرور، وبطولة النجم القدير يحيي الفخراني.
وتدور أحداث المأساة الشكسبيرية الشهيرة حول الملك "لير"، والذي يقرر تقسيم مملكته بين بناته الثلاث بناءً علي مدي إظهارهن للحب والولاء، ليقع ضحية النفاق والخديعة ويخوض رحلة إنسانية مؤلمة عن التضحية والندم.
أما العرض الغنائي الاستعراضي «مملكة الحواديت»، من تأليف وأشعار وليد كمال وإخراج إيهاب ناصر، وبطولة النجمة مها أحمد ووائل عوني، فتتمحور أحداثه في إطار خيالي حول مواجهة خطر الفناء الذي يهدد مملكة الحواديت بعد تمرد الجوكر الشرير وسعيه للسيطرة علي عرش الحكايات، لتتصدي له الملكة من خلال تنكرها في شخصيات متنوعة واستدعاء أبطال القصص الخالدة برؤية معاصرة.
بينما يتناول عرض «تياترو»، من تأليف أحمد الملواني وإخراج أحمد فؤاد، وبطولة نور محمود، عبدالمنعم رياض، وأحمد السلكاوي، كواليس الحياة المسرحية وأحلام جيل الشباب من الممثلين في قالب درامي اجتماعي ثري.
أما في الجانب الكوميدي، فيبرز عرض «العيال فهمت»، من تأليف طارق علي وأحمد الملواني وإخراج شادي سرور، وبطولة رامي الطمباري، رنا سماحة، وعبد المنعم رياض، ويتناول الصراع بين الآباء والأبناء، وتدور الأحداث حول أب قاسي يفرض أسلوباً صارماً علي أبنائه الثمانية، لتستعين العائلة بمربية تساعدهم علي اكتشاف مواهبهم وتجاوز حالة الكبت والتسلط.
وهناك أيضاً عرض «سابع سما»، من تأليف محمود جمال حديني وإخراج عبدالله صابر، ويتناول طموحات الشباب وأزماتهم النفسية والاجتماعية في إطار درامي إنساني معاصر، وصولاً إلي أحدث الإنتاجات المسرحية المتمثلة في عرض «حالة خطيرة».
عروض القاهرة
ومن ناحية أخري، يستمر النبض الفني متوهجاً في القاهرة، من خلال جدول حافل بالعروض التي تتنوع بين الدراما التراثية والكوميديا الاجتماعية، ومن بينها عرض «ابن الأصول» علي مسرح ميامي، من تأليف وإخراج مراد منير، وبطولة ميرنا وليد ومصطفي شوقي ومحمود عامر.
ويقدم مسرح القاهرة للعرائس عرض «كلمة مرور» من تأليف محمد زناتي وإخراج سحر منصور، معتمداً علي الأداء الصوتي لنخبة من ألمع الفنانين مثل حمزة العيلي وعلاء زينهم ، فضلاً عن الاهتمام بالمسرح النوعي والإنساني كمسرح "الشمس" الذي يقدم عرض «مغامرات جيمو»، من تأليف صلاح متولي وإخراج محمد عشري، وبطولة كريم الحسيني وإسراء حامد، وهو عرض مجاني يهدف إلي دمج ذوي القدرات والهمم مع الجمهور العام.
خيال مريض
وبالتوازي مع هذا الحراك في مسارح الدولة، يثبت المسرح الخاص هو الآخر قدرته علي استقطاب قطاعات واسعة من الجمهور وتنشيط الحركة الفنية، ويخوض النجمان هشام ماجد ومحمد عبدالرحمن "توتا"، تجربة مسرحية جماهيرية لافتة بعنوان "خيال مريض".
وتتناول المسرحية في قالب كوميدي خفيف يفيض بالمفارقات والمواقف الطريفة بعض العقد النفسية والمشاكل الاجتماعية وكيفية معالجتها، من خلال تقديم الممثلين لشخصيات متعددة داخل العرض الواحد، وهو ما يتطلب أداء حياً ومجهوداً تمثيلياً مضاعفاً يبرهن علي مرونة أبطال العرض وقدرتهم العالية علي التواصل المباشر مع الجمهور.
عودة داليدا
ولم تقتصر هذه الصحوة المسرحية علي النطاق المحلي فحسب، بل امتدت لتصنع جسوراً ثقافية عالمية وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون الدولي عبر مشاريع مسرحية غنائية مشتركة، وكان أبرز تلك المحطات المضيئة الإعلان الرسمي داخل مقر السفارة الفرنسية بالقاهرة الأسبوع الماضي، عن انطلاق مشروع مسرحي غنائي ضخم يربط بين مصر وفرنسا تحت عنوان "داليدا.. الأغنية التي لا تنتهي".
ويأتي هذا العمل الفني المرتقب بتوقيع المخرج السينمائي الكبير خيري بشارة، وبطولة السوبرانو العالمية فرح الديباني، ليكون بمثابة وثيقة حب واستحضار فني لسيرة الأيقونة الراحلة داليدا، وتعبيراً عن العلاقات الودية التاريخية بين مصر ودول البحر المتوسط، ضمن المبادرات الثقافية الدولية التي تسعي لتعزيز الحوار الحضاري وتأكيد دور مصر كمركز إشعاع فني لا ينطفئ.
"الأوديسة" .. ذاكرة الحرب والحب
ذهبت لمشاهدة نسخة كريستوفر نولان الجديدة ( كتابة وإخراجا) من معالجة ملحمة الأوديسة، في فيلم ضخم تكلف نحو 250 مليون دولار، وأنا قلق ومتوجس من النتائج، فرغم أن نولان يعمل دوما علي أنواع سينمائية متنوعة، ما بين الدراما النفسية، والحربية، والجريمة، وأفلام السيرة، والخيال العلمي، وحتي الأفلام المستلهمة من قصص الكوميكس الشهيرة، ويحقق نجاحا وبراعة عادة في فهم كل نوع، إلا أن الفيلم الملحمي، أو ما يطلق عليه أحيانا أفلام "السيف والصندل" ليس سهلا علي الإطلاق، وخصوصا إذا كانت مرجعية الفيلم واحدة من أشهر وأعظم الملاحم الإنسانية، وواحدة من أكثر الحكايات معروفة الأحداث والتفاصيل، فما الذي يمكن أن يضاف كرؤية أو كاستلهام لعمل مثل ملحمة الأوديسة؟ وكيف يمكن أن يتقاطع هذا العالم مع أسئلة واهتمامات نولان التي يعبّر عنها دائما رغم اختلاف أنواع أفلامه ؟
خفت بشكل خاص من التسطيح والضخامة الفارغة، وكانت لدي تحفظات بهذا الصدد مثلا حول معالجة نولان الخاوية في فيلم "دنكرك"، ومعالجته المشوشة في فيلم حطم الإيرادات هو "أوبنهايمر"، وبدا لي أن الإنتاج الضخم والسخي لا يعني بالضرورة جودة فنية أو عمقا في التناول، وأن الإبهار عند نولان يبدو غاية بعض أفلامه، دون التقليل من جهده وموهبته، ولكن فيلما مثل "مومنتو" كان في رأيي أفضل بكثير من أفلام ضخمة حققت له الملايين.
في فيلم " الأوديسة" فاجأني نولان في رؤيته وفي معالجته المدهشة واللافتة للملحمة وشخصياتها وأحداثها المعروفة، كان واضحا أن الضخامة يواكبها بعض العمق والتأمل، وأن السيناريو لا يقل براعة عن الإتقان المألوف للعناصر التقنية، وأن نولان قد وجد بذكاء ، فوق كل ذلك، تقاطعات كثيرة بين عالمه وأسئلته واهتماماته، وبين ما تطرحه الملحمة العظيمة من أفكار، أو علي الأقل ما فهمه نولان منها ارتباطا بواقعنا المعاصر، إذ لا معني لاستلهام الماضي للماضي، أو تقديم الكلاسيكيات باعتبارها قطعا توضع في المتحف، دونما علاقة بالحاضر.
أسئلة مثل الخير والشر، والبطل الفرد في مواجهة قوة قاهرة، وفكرة الذاكرة ومتاهة البحث، كلها عناصر مشتركة بين "الأوديسة" وعالم نولان.
الفيلم في جوهره عودة أعمق لتلك الأفكار من خلال عمل أدبي كلاسيكي، أو تنويعة من الماضي علي نفس الأسئلة التي طرحها نولان عبر أنواع مختلفة، وإذا كان فيلم مثل "مومنتو" مثلا يبدو كرحلة في ذاكرة رجل يتبدد ماضيه، ويبدو أيضا كرحلة انتقام من أجل زوجته، فإن "الأوديسة" هو كذلك رحلة في ذاكرة أوديسيوس، الذي يحاول أن يتذكر ما حدث حتي وصل للحياة مع كاليبسو، والفيلم أيضا هو رحلة انتقام أوديسيوس وابنه تيلماك، من الخطّاب الانتهازيين، وعلي رأسهم أنتينوس، واسترداد عرش إيثاكا من جديد.
الفيلم أيضا، مثل الكثير من أعمال نولان، يتأمل معني الخير والشر، ومثل فيلم "دنكرك" يحاول أن يتأمل آثار الحرب والقتل علي الحضارة الإنسانية، وأن يكتشف مثل كثير من أعمال نولان وجوه الإنسان المعقدة، وأن يضع الحب والوفاء في مواجهة القتل والموت.
أوديسوس في متاهة ذاكرته وماضيه لا يختلف عن أبطال نولان في هذه المتاهة، ولن يستطيع أوديسيوس أن يهرب مثلهم من المسؤولية، رغم أنه يواجه قدرا عاتيا، وأحكاما قوية من الألهة، ونراه طوال الفيلم وهو يستدعي حضور أثينا فيما يقترب من المناظرات المستمرة، وتتعاطف هي معه، وتحاول أن تلهمه الطريق والاختيار الصائب.
وأوديسوس مثل أبطال نولان يجسد الشخصية التراجيدية الفردية التي تتحمل طريق الآلام في سبيل استعادة ذاكرة الحرب والحب، دون أي تردد أو خوف من التضحية، بل ويبدو تليماك مثل أوديسيوس جديد يواصل الطريق والمشوار، ويحاول أن يبني حضارة جديدة علي أنقاض حضارة دمرتها الحرب.
" الأوديسة" هنا لم تعد حكاية يونانية قديمة فقط، ولكنها صارت مجازا للإنسانية كجماعة وكأفراد، ويبدو أن هذا بالتحديد سبب ما فعله نولان من إضافات لم أحبها، أبرزها أن تكون هيلين والإلهة أثينا من السود، ونلمح مقاتلين سود ومن أصول صينية أو آسيوية علي مركب أوديسيوس مما أحدث تأثيرا كوميديا، فالحقيقة أنه رغم الأسئلة المفتوحة التي تطرحها "الأوديسة"، و من وقبلها ملحمة "الإلياذة"، إلا أنها أيضا حكاية محلية لا يمكن استقبالها وفهمها إلا وفقا الهوية الإغريقية، بل ووفق الفلسفة والعقلية والميثولوجيا اليونانية، والمدهش أن نولان أثبت حقا أنه استوعب ذلك، ولذلك فإن ظهور شخصيات سوداء وآسيوية نوع من المراهقة الفنية، ومحاولة غير موفقة لفتح آفاق شكلية للمغزي الإنساني للملحمة، وهو أمر لم تكن تحتاجه علي الإطلاق .
ولكن في مقابل هذه اللعبة الفاشلة، فإننا أمام عمل كبير حقا جدير بأصل أدبي عظيم، أتحدث هنا عن بناء السيناريو، وعناصر تنفيذه المذهلة، وأداء الممثلين، ويكفي أن أشير هنا الي تماسك السرد رغم طول الفيلم، وانتقالاته الدائمة بين الحاضر والماضي، فلا مقارنة مثلا بين فيلمنا وبين فيلم شاهدته مؤخرا بعنوان "العودة" بطولة جولييت بينوش، قدم أيضا معالجة لعودة أوديسوس الي إيثاكا، وإنقاذه لزوجته الوفية بنيلوبي ( لعبتها بينوش) من أطماع خطّابها.
أدوات نولان في بناء السيناريو هي اعتبار الملحمة ذاكرة مستعادة، فالكل يتذكر : بنيلوبي تحكي لتليماك، وأوديسوس يحكي لكاليبسو، الملك مينلاوس ملك أسبرطة يحكي عن حرب طروادة لتليماك .. إلخ، ونحن ننطلق في متاهة زمانية ومكانية من شخصية الي أخري، والعودة تحمل معني الكشف علي مستوي كل الشخصيات: أوديسيوس يسترد ذاكرته بعد سنوات، وبنيلوبي تكتشف أن المتسول العائد هو نفسه أوديسوس، وهو نفس ما يكتشفه الخُطّاب الذين يريدون الزواج منها، ولكن بعد فوات الأوان، فيتعرضون لمذبحة النهاية.
الرحلة ليست فقط مواجهات مع كائئات متوحشة غرائبية مثل السيكلوب ذي العين الواحدة، ولكنها بالأساس مواجهة أوديسيوس لنفسه ولماضيه ولأسئلة صعبة للغاية، واكتشافه في العالم السفلي لآلام الضحايا الذين لم يتم دفنهم في الحرب، واكتشافه عندما اقتحم طروادة لمأساة الحرب رغم الانتصار، واكتشافه أيضا لاختبار الصمود أمام إغواء السيرينات، وصراع الإنسان بين رغباته وأمنياته التي لم يحققها، وبين قدراته وإمكانايته.
يمكن القول إن أوديسوس يعيش هنا رحلة معرفة داخلية لا تقل في صعوبتها ومتاهتها عن رحلات أبطال نولان الي الكواكب والنجوم الأخري، إنها نفس الرحلة ولكن منعكسة في مرايا الذات والتجربة والذاكرة، ولا مهرب من خوض المعركة حتي النهاية، والبطولة ليست فقط في الحرب، أو في مواجهة المسوخ وعبور البحار وتفادي غضب بوسايدون والتضحية بالرفاق، ولكن البطولة بالأساس في مواجهة الماضي كله، وفي محاولة إنقاذ الحضارة، والاعتراف ببعض الأخطاء، واستعادة أغنية حرب طروادة، التي يبدا وينتهي بها الفيلم، ليس باعتبارها مجرد حرب انتصر فيها من انتصر، وانهزم من انهزم، ولكن باعتبارها حكاية يجب تذكرها للاستفادة، ولتجديد الذاكرة الإنسانية، ولاستعادة الحياة، وليس لفقدها.
حرب طروادة في الفيلم ليست من أجل فتاة جميلة، هيلين نفسها تري أن الأطماع هي سبب الحرب وليست هي المسؤولة عنها، والحقيقة أن الفيلم يري المسؤولية فردية بالأساس، وأن البطل يجب أن يقدم ما هو أبعد من الإنتصار في المعارك، نري خونة وأوفياء من الجنسين، ونري شجعانا وجبناء من الجنسين، أما الذاكرة فهي السيف الحقيقي المعلّق في رفبة البشر، كتابهم في أيديهم وفي كل مكان، حتي في العالم السفلي ( هاديس) تعمل الذاكرة، ويُبعث الموتي، ويثور من تًركت جثثهم في العراء.
الإنسان في هذا الفيلم كبير وذكي، فلماذا يتصرف بشكل صغير ووضيع أحيانا؟ هذه أسئلة عميقة حقا نشأت عن جدل وحوار بين عالم نولان وعالم "الأوديسة"، لنكتشف في النهاية أن أسئلة الأسطورة ليست سوي أسئلة الواقع، وأن عبء القرار والاختيار عابر وحتمي من أوديسويس الي بنيلوبي وصولا الي باتمان والجوكر وأوبنهايمر .
كل عناصر الفيلم في أرفع صورها بالذات الموسيقي والتصوير والمونتاج، ونولان كمخرج يعرف تماما عناصر النوع، ويقدمها في أفضل شكل، ومشاهد بأكملها يجب تحليلها لبراعتها مثل مشهد معركة النهاية، ومشهد دخول حصان طروادة الي المدينة، وخروج المقاتلين منه لاقتحامها ومشهد الصراع في مواجهة السايكلوب العملاق، ومشاهد الصراع في مواجهة غضب البحر.
لدينا أيضا فريق ممثلين ممتاز، تألق منهم بوجه خاص مات ديمون في دور أوديسوس، والرائعة آن هاثواي في دور بينليبوي الوفية والصابرة والحكيمة، وروبرت باتينسون في دور أنتينوس أقوي غرماء أوديسيوس.
مثلما تسلل الجنود داخل حصان طروادة لاقتحام المدينة، تسلل نولان الي نوع "السيف والصندل" لكي يستعيد ذاكرة الإنسانية عبر ملحمة شهيرة، مؤكدا من جديد أننا لاشيء لولا الذاكرة، ولولا الحب، ولولا العقل الذي يفرز، ولولا الأمل والحلم، الذي جعل بنيلوبي تنتظر أوديسوس، وترفض الزواج.
فإذا جاء المخلّص ( مثل باتمان) اندحر الشر، وظهر الحلفاء والأصدقاء، وظهرت الشمس من خلف الغيوم، واستعاد السهم قدرته علي إصابة الهدف.