لم تكن تلك اللحظة التي ارتجفت فيها الأرض لحظة خوف عابر، ولا حادثة تمر بها الذاكرة كما تمر سحابة في سماء العمر، بل كانت صرخة عظيمة خرجت من أعماق الصمت، فسمعتها القلوب قبل أن تسمعها الآذان.
كانت الأرض ساكنة تحت أقدامنا، تحملنا كما تحمل الأم طفلها، وتصبر على خطواتنا وضجيجنا وغفلتنا، حتى إذا شاء الله أن تتكلم، لم تتكلم بلسان من حروف، بل بلسان من رجفة. لم ترفع صوتها، وإنما حركت أعماقها، فإذا ب الإنسان يسمع في لحظة واحدة ما عجز عن سماعه في أعوام طويلة.
يا لها من صرخة! لم تكن صرخة هدم، وإنما كانت صرخة إيقاظ. لم تكن صرخةً لتملأ قلب الإنسان خوفاً، بل كانت نداءً يوقظ فيه معنى التذكّر.. وكأنها تناجيه: تذكّر أنك مهما علت بك أسباب القوة، فإنك عبد ضعيف أمام قدرة لا تحدها قوة، وأنك مهما أحكمت بناءك فوق الأرض، فإن البناء الحقيقي هو ما تشيده في قلبك من إيمان ورحمة ونقاء.
لقد اهتزت الأرض، ولكن الذي اهتز في داخلي كان شيئاً أعمق من الأرض. اهتز ذلك الشعور القديم الذي يسكن الإنسان حين يظن أن الحياة قد وقعت بين يديه، وأن الأيام قد أبرمت معه عهداً بالبقاء، وأن الغد صفحة يملك أن يكتب فيها ما يشاء. فإذا بلحظة واحدة تمزق ذلك الوهم، ويقف الإنسان أمام الحقيقة كما يقف المسافر أمام مرآة صافية بعد طول غياب عن نفسه.
كم نحن ضعفاء حين نغتر بما حولنا! نبني من الحجر قصوراً، ثم ننسى أن القلب قد يكون خراباً. نملك الأشياء، ثم ننسى أن الأشياء لا تملك لنا شيئاً. نمشي فوق الأرض مطمئنين، ولا نفكر أن هذه الأرض التي نحسبها صامتة تحمل في جوفها أسراراً لا نعلمها، وأن سكونها ليس عجزاً، بل رحمة.
إن الإنسان يعيش كثيراً من عمره بعيداً عن نفسه؛ يركض وراء ما يفنى، وينسى ما يبقى، يجمع من الدنيا حتى يثقل قلبه، ثم تأتي لحظة واحدة تجرده من كل ذلك، وتضعه أمام سؤال بسيط وعظيم: ماذا صنعت بقلبك؟
كانت تلك الصرخة كأنها يد خفية امتدت إلى الروح، فمسحت عنها غبار الأيام. جعلتني أنظر إلى الأشياء بعين أخرى؛ إلى البيت فأراه نعمة لا ملكاً، وإلى العمر فأراه أمانة لا حقاً مكتسباً، وإلى الإنسان فأراه أخاً في طريق قصير لا ينبغي أن يخرج منه إلا وقد ترك وراءه أثراً من الرحمة.
ما أعجب هذه الحياة! لا توقظنا دائماً الكلمات، فقد تكون في حركة صغيرة من الكون موعظة أعظم من ألف كتاب. وقد يكون في رجفة أرض ما لا يكون في خطبة طويلة. إن بعض الرسائل لا تُكتب بالحبر، وإنما تُكتب في أعماق النفس، ولا تُقرأ بالعين، وإنما تُقرأ بالقلب.
ولعل أعظم ما كشفت عنه تلك الصرخة أن الإنسان مهما ابتعد، فإن قلبه يعود في لحظات الشدة إلى فطرته الأولى. يعود إلى ربه، ويعود إلى ضعفه، ويعود إلى المعنى الذي ضاع منه وسط زحام الحياة. ففي لحظات كهذه تسقط الزينة الزائفة، ويبقى الإنسان كما خلقه الله: روحاً تبحث عن الطمأنينة، وقلباً يطلب الرحمة، ونفساً تعرف أن فوق كل قوة قوة.
لقد علمتني تلك الصرخة أن الثبات ليس أن تبقى الأشياء من حولنا كما نريد، فكل شيء في هذه الدنيا معرض للتحول والزوال. وإنما الثبات أن يبقى في النفس نور لا ينطفئ حين تتغير الظروف، وأن يبقى في القلب يقين حين تضطرب الأرض، وأن يبقى الإنسان إنساناً حين يشعر بأنه لا يملك من أمره إلا ما أذن الله له به.
يا أيتها الأرض التي صرخت في ذلك اليوم، لست أدري أكنتِ تخبريننا عن قوتك أم عن ضعفنا، أكنتِ تذكريننا بعظمة الكون أم بعظمة الخالق، ولكنني أعلم أنك تركت في النفس أثراً لن يمحوه مرور الأيام.
ستعود الأرض إلى هدوئها، وستعود الحياة إلى مجراها، وستغلق المدينة أبواب تلك الساعة خلفها، ولكن الصرخة ستبقى في أعماق من سمعها بقلبه. ستبقى تذكره بأن الحياة قصيرة، وأن الإنسان عابر، وأن أجمل ما يمكن أن يحمله المسافر في رحلته الطويلة ليس كثرة ما جمع، بل صفاء ما ترك.
فما كل صرخة جاءت لتخيف، فبعض الصرخات جاءت لتوقظ. وما كل رجفة جاءت لتسقط، فبعض الرجفات جاءت لترفع الإنسان فوق نفسه، وتفتح له نافذة يرى منها الحقيقة بعد أن عاش طويلاً خلف جدران الوهم.
كانت تلك صرخة الأرض... ولكنها في الحقيقة كانت صرخة الإنسان إلى نفسه.