كيف أصبح القناع وسيلة لجذب الجمهور ولماذا ينجذب إليه جيل زد؟

كيف أصبح القناع وسيلة لجذب الجمهور ولماذا ينجذب إليه جيل زد؟القناع

منوعات8-8-2026 | 14:37

لم تعد الشهرة في عصر السوشيال ميديا مرتبطة بالظهور الكامل أمام الجمهور، فبينما اعتاد المشاهير على كشف تفاصيل حياتهم وصورهم وهوياتهم، اختار عدد من المبدعين طريقًا مختلفًا؛ الظهور خلف قناع يخفي ملامحهم، ويترك الجمهور أمام سؤال دائم: من صاحب هذه الموهبة؟

ولم يعد القناع مجرد وسيلة لإخفاء الهوية، بل تحول لدى بعض المبدعين إلى جزء من الصورة الفنية والعلامة الشخصية، وأصبح الغموض نفسه عنصرًا من عناصر الجذب والتسويق، خاصة في بيئة رقمية تمنح المحتوى قدرة كبيرة على الانتشار بعيدًا عن شهرة صاحبه.

ويقول الدكتور وليد رشاد زكي، أستاذ علم الاجتماع ب المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، إن ظاهرة التخفي خلف الأقنعة برزت عالميًا ثم بدأت تتحرك نحو الثقافة المصرية، موضحًا أن الثقافة الرقمية تعتمد بدرجة كبيرة على الرمزية، وعلى الموهبة والمنجز أكثر من اعتمادها على الشخص نفسه.

شهرة خلف القناع

يوضح د. وليد رشاد أن عددًا من المبدعين في مجالات مختلفة استطاعوا تحقيق شهرة واسعة من خلال إخفاء هويتهم، سواء في الغناء أو العزف أو استعراض مهارات القيادة والمخاطرة، مشيرًا إلى أن بعض الفرق والفنانين عالميًا جعلوا القناع جزءًا أساسيًا من حضورهم أمام الجمهور.

ومن أبرز النماذج العالمية في هذا السياق، الفنان Marshmello الذي ارتبط ظهوره بالخوذة البيضاء الشهيرة، والثنائي الموسيقي الفرنسي Daft Punk، والمغني Orville Peck الذي يظهر بقناع مميز، إلى جانب فريق Sleep Token.

ولم تتوقف الظاهرة عند الموسيقى، بل امتدت إلى مجالات أخرى، من بينها فن الجرافيتي، كما في حالة الفنان العالمي Banksy، وكذلك بعض الكتاب الذين اختاروا عدم الكشف عن هوياتهم، مثل الكاتب البريطاني المعروف باسم The Secret Barrister والروائية الإيطالية Elena Ferrante.

وفي مصر، بدأ القناع في الظهور بصورة لافتة في مجال الغناء وبعض أنماط المحتوى التي تعتمد على المغامرة والمخاطرة، وهو ما أثار اهتمام شريحة من الشباب، خاصة بين جيل زد.

لكن السؤال يبقى: لماذا يختار هؤلاء التخفي؟ ولماذا يجد الجمهور، وخصوصًا الشباب، هذا النوع من الشهرة جذابًا؟

لماذا يختفون؟

يرى د. وليد رشاد أن الدراسات التي تناولت أصحاب الأقنعة عالميًا تربط الظاهرة بدرجة كبيرة بالثقافة الرقمية، التي أتاحت للمبدع إمكانية الفصل بين هويته الشخصية وهويته الفنية أو الرقمية.

وقد يمنح هذا الفصل بعض المبدعين مساحة أكبر للتجريب والإبداع، بعيدًا عن الضغوط المرتبطة بصورة الشخص وحياته الخاصة، بينما يرى آخرون أن القناع يمثل جزءًا من أساليب التسويق الحديثة، إذ يحول الهوية المجهولة إلى عنصر من عناصر الفضول.

كما قد يرتبط التخفي لدى بعض الأشخاص بالرغبة في حماية الخصوصية أو تجنب التنمر أو الملاحقة، وهو ما يجعل دوافع استخدام القناع متعددة ولا يمكن اختزالها في سبب واحد.

لماذا ينجذب جيل زد؟

بحسب د. وليد رشاد، فإن أحد أهم أسباب جاذبية هذه الظاهرة هو أن القناع ينقل مركز الاهتمام من الشخص إلى ما يقدمه من محتوى أو مهارة.

ويشير إلى أن بعض الدراسات رصدت حالة من التشبع لدى جيل زد من صورة المشاهير التقليدية، وما يرتبط بها من استعراض مستمر للحياة الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي جعل بعض الشباب أكثر اهتمامًا بالمحتوى نفسه من هوية صاحبه.

كما أن الغموض يضيف عنصرًا من الفضول، بينما قد ينظر بعض أفراد الجيل الرقمي إلى القناع باعتباره رمزًا للحرية والاستقلال عن الصورة التقليدية للشهرة.

وبذلك تصبح الموهبة هي البطل الأساسي، وليس بالضرورة الشخص الذي يقف خلفها.

اقتصاد الغموض

لا يتوقف تأثير القناع عند الجانب الفني أو الاجتماعي، بل يمكن أن يتحول إلى أداة اقتصادية وتسويقية أيضًا.

فالغموض يخلق حالة من الفضول، والفضول يدفع الجمهور إلى البحث والمشاركة وإعادة تداول المحتوى، بينما تلعب خوارزميات المنصات الرقمية دورًا أساسيًا في توسيع دائرة الانتشار.

ومن هنا ظهر ما يصفه البعض بـ«اقتصاد الكفاءة والغموض»، حيث يستطيع المبدع أن يبني قيمة تجارية حول موهبته وشخصيته الغامضة في الوقت نفسه، لتصبح هوية القناع جزءًا من العلامة التي يعرفه الجمهور من خلالها.

هل للقناع مخاطر؟

ورغم أن القناع قد يكون وسيلة فنية مشروعة للتعبير وحماية الخصوصية، يرى د. وليد رشاد أن الظاهرة تحمل مخاطر إذا تحولت من اختيار إبداعي إلى نمط ثقافي يتم تقليده دون وعي.

ويحذر من أن الإفراط في التعامل مع الغموض باعتباره قيمة في حد ذاته، أو تقليد ظاهرة الأقنعة بحثًا عن الشهرة، قد يؤدي إلى تحول الرمز من وسيلة لخدمة الإبداع إلى غاية مستقلة عنه.

ويقول إن حضور الرمزية قد يكون مهمًا في الفن والثقافة، لكن التمادي في استخدام الأقنعة قد يقود إلى مرحلة يصبح فيها الغموض هو البطل، بينما تتراجع قيمة الإبداع نفسه.

ويطرح ذلك سؤالًا مهمًا حول مفهوم القدوة لدى الأجيال الجديدة: هل يحتاج الجمهور إلى معرفة هوية الشخص الذي يلهمه، أم يكفي أن يحكم على ما يقدمه من محتوى؟

تحذير من الجانب الآخر للقناع

ومن جانبها، تحذر الدكتورة نسرين البغدادي، أستاذ علم الاجتماع، من التعامل مع ظاهرة التخفي خلف الأقنعة باعتبارها مجرد موضة رقمية دون الانتباه إلى سياقها الاجتماعي.

وتقول إن الظاهرة عالمية ومرتبطة بصورة كبيرة بالرقمنة، وهي البيئة التي انتشرت فيها أيضًا ممارسات مثل انتحال الشخصيات، والظهور بهويات غير حقيقية، والاستيلاء على الأموال، والتهديد والابتزاز، فضلًا عن اختراق الحسابات، وهو ما يستدعي قدرًا أكبر من الحذر والوعي.

وتؤكد د. نسرين أن انتشار الظاهرة عالميًا لا يعني بالضرورة ملاءمتها لكل المجتمعات، موضحة أن السياق الاجتماعي والثقافي يجب أن يكون حاضرًا عند تقييم أي ظاهرة جديدة.

وتحذر من أن التخفي الكامل قد يجعل من الصعب على الجمهور معرفة الأشخاص أو التحقق من هوياتهم، وهو ما قد يفتح الباب أمام استغلال القناع في سياقات تتجاوز الفن والإبداع.

وتستحضر د. نسرين صورة القناع في فيلم «المشبوه» للفنان عادل إمام، معتبرة أن القناع في الثقافة الشعبية ارتبط في بعض السياقات بصورة الشخص المجهول أو المشبوه، وهو ما يجعل انتشار الظاهرة بين الشباب بحاجة إلى قدر من الوعي وعدم الانسياق وراء التقليد لمجرد أنها أصبحت رائجة.

بين الإبداع والهوية

وبينما يرى اتجاه أن القناع قد يكون مساحة للحرية وحماية الخصوصية وإبراز الموهبة بعيدًا عن الشخص، يرى اتجاه آخر أن الانتشار الواسع لهذه الظاهرة يستدعي الانتباه إلى مخاطر الهوية المجهولة في العالم الرقمي.

أضف تعليق

حادثة دمياط تكشف قواعد الاشتباك الجديدة

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان