في ذكرى رحيله الـ18.. محمود درويش الشاعر الذي كتب حياته بين الشعر والنثر

في ذكرى رحيله الـ18.. محمود درويش الشاعر الذي كتب حياته بين الشعر والنثرمحمود درويش

ثقافة9-8-2026 | 12:36

تحل اليوم الأحد 9 أغسطس، الذكرى الثامنة عشرة لرحيل الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، أحد أبرز الأصوات الشعرية في الذاكرة العربية، وصاحب قصائد ارتبطت بالهوية الفلسطينية والإنسانية، من "بطاقة هوية" و"أحن إلى خبز أمي" إلى "الجدارية" و"لاعب النرد".

لكن تجربة محمود درويش الأدبية لم تتوقف عند الشعر، إذ ترك وراءه مشروعًا نثريًا ثريًا، تناول من خلاله السيرة والمنفى والحرب والذاكرة، وقدم عبره جانبًا أكثر قربًا من حياته وتجاربه، في نصوص تحركت بين النثر والشعر والتأمل والسيرة الذاتية.

وفي هذه المناسبة، احتضنت سفارة دولة فلسطين لدى الأرجنتين فعاليات الملتقى الثاني لـ"شعراء من أجل فلسطين"، بمشاركة عدد من الشعراء والمثقفين والفنانين، إلى جانب ممثلين عن السلك الدبلوماسي ومنظمات ثقافية واجتماعية.

ونُظم الملتقى بالتعاون بين سفارة دولة فلسطين لدى الأرجنتين، والحركة الشعرية العالمية فرع الأرجنتين، والاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، ودار النشر "بالديوس إن لا لينغوا"، وذلك إحياءً للذكرى الثامنة عشرة لرحيل محمود درويش، واحتفاءً بإرثه الأدبي والإنساني ودوره في الدفاع عن فلسطين وهويتها وحقوق شعبها.

وبحسب موسوعة القضية الفلسطينية التابعة لمؤسسة الدراسات الفلسطينية، ترك درويش 25 مجموعة شعرية و11 عملًا نثريًا، بما يؤكد أن النثر شكّل جانبًا أساسيًا من مشروعه الأدبي، خصوصًا أن عددًا من أعماله ارتبط بصورة مباشرة بمحطات مفصلية في حياته، مثل الاعتقال والإقامة الجبرية وحصار بيروت، وصولًا إلى استعادة سيرته وتأمل حياته في سنواته الأخيرة.

صدر كتاب "يوميات الحزن العادي" للمرة الأولى في بيروت عام 1973، وضم مجموعة من النصوص والمقالات النثرية التي استعاد فيها محمود درويش سنوات من حياته في فلسطين، وما رافقها من اعتقالات واستجوابات وإقامة جبرية وقيود على الحركة.

وتناول الكتاب أسئلة الهوية والوجود الفلسطيني من خلال تجربة درويش الشخصية، مقدمًا مساحة مختلفة عن تلك التي عرفه الجمهور من خلالها شاعرًا؛ إذ انتقل من الصورة الشعرية إلى تفاصيل أكثر قربًا من حياته اليومية وتجربته الإنسانية.

ويكشف الكتاب العلاقة المتشابكة بين حياة الفرد والقضية الفلسطينية، حيث تتحرك الذات داخل النص بين ذاكرتها الشخصية وتاريخ شعب كامل، لتصبح التجربة الخاصة جزءًا من ذاكرة جماعية أوسع.

يعد "ذاكرة للنسيان" واحدًا من أبرز أعمال محمود درويش النثرية، ومن أكثر الكتب التي تكشف قدرته على تجاوز الحدود التقليدية بين الشعر والنثر.

ويستعيد الكتاب أجواء بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان وحصار المدينة عام 1982، ويضع السادس من أغسطس في قلب الحكاية، متتبعًا تفاصيل الحياة اليومية وسط القصف والخوف والحرب.

ويتحرك درويش في الكتاب بين الحدث السياسي والتأمل في الحياة والموت والذاكرة والمنفى، مستعينًا بتفاصيل صغيرة من الحياة اليومية، كان من أبرزها إعداد فنجان القهوة وسط القصف، في محاولة لاستعادة الإحساس بالحياة والنظام في مدينة فقدت استقرارها.

وبذلك لا يقدم "ذاكرة للنسيان" مجرد شهادة على حصار بيروت، وإنما يحول التجربة إلى تأمل إنساني في معنى النجاة والذاكرة والكتابة، ليصبح واحدًا من أبرز النصوص الأدبية التي تناولت تلك المرحلة.

وفي السنوات الأخيرة من حياته، قدم محمود درويش تجربة نثرية مختلفة من خلال كتاب "في حضرة الغياب"، الذي صدر بالعربية عام 2006، قبل رحيله بعامين.

وفي هذا العمل، أعاد درويش النظر إلى سيرته من زاوية مختلفة، مستعيدًا الطفولة والمنفى والأماكن والحب والشعر والمرض والموت، ومخاطبًا ذاته وكأنها شخص آخر يقف أمامه ليستعيد معه تفاصيل الرحلة.

ويجمع الكتاب بين الشعر والنثر والسيرة والتأمل، ويكشف عن وعي درويش المتزايد بالزمن والموت، بينما يستعيد محطات من حياته وعلاقته بفلسطين والعائلة والأصدقاء والحب والتاريخ.

ومن خلال "في حضرة الغياب"، يعود القارئ إلى مراحل مختلفة من حياة الشاعر، من طفولته في البروة، إلى تجربة الاعتقال، ثم إقامته في القاهرة وبيروت وباريس ورام الله، وصولًا إلى السنوات الأخيرة التي أصبح فيها أكثر انشغالًا بالذاكرة والغياب والمصير.

وتكشف هذه الأعمال أن صورة محمود درويش لا تكتمل بالشعر وحده، فرغم أن القصيدة كانت المساحة الأوسع لشهرته، فإن النثر منحه مجالًا آخر للسرد والتأمل واستعادة التفاصيل الشخصية والتاريخية.

ومن "يوميات الحزن العادي" إلى "ذاكرة للنسيان" ثم "في حضرة الغياب"، يمكن للقارئ أن يتتبع جانبًا من مسيرة درويش الإنسانية والأدبية؛ فلسطين والاعتقال، ثم بيروت والحصار، وصولًا إلى الذاكرة والذات وسؤال الموت.

وبعد 18 عامًا على رحيله، يظل محمود درويش حاضرًا في الذاكرة العربية، ليس فقط بوصفه شاعرًا حفظت الأجيال قصائده، وإنما أيضًا كاتبًا ترك وراءه أعمالًا نثرية تكشف تفاصيل تجربته وأسئلته وتحولاته، وتمنح القارئ فرصة لاكتشاف وجه آخر من مشروعه الأدبي والإنساني.

أضف تعليق

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان