تسلط هذه المجموعة من العملات الضوء على مرحلة مفصلية فى تاريخ النقود الإسلامية، ب متحف المخطوطات التابع ل دار الكتب والوثائق القومية بباب الخلق، ويتم نشر الموضوع كاملا في مجلة أكتوبر، وهي مرحلة ما قبل التعريب، التي شهدت انتقالًا تدريجيًا من الطراز البيزنطي إلى الطراز الإسلامي الخالص، وتظهر إحدى القطع ملامح واضحة للتأثر بالنقود البيزنطية؛ إذ احتفظت بعناصر التصميم البيزنطي، مع إضافة كتابات باللغة العربية، فى مشهد يعكس بدايات تشكل الهوية النقدية الإسلامية.
وتحمل القطعة صورة للحاكم على غرار الأباطرة البيزنطيين، إلى جانب عبارة محمد رسول الله، بينما يظهر على الوجه الآخر الحرف اللاتيني M، الذي كان يرمز إلى الفئة النقدية فى النظام البيزنطي، كما تحمل العملة اسم فلسطين، وتظهر أسفلها كلمة إيلياء، وهو الاسم التاريخي لمدينة القدس، ما يؤكد أن القطعة سكت فى فلسطين قبل بدء الإصلاح النقدي الذي قاده الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، ويرجح تأريخها إلى ما قبل عام 73هـ، أي أن عمرها يتجاوز اليوم 1350 عامًا.
وتضم المجموعة أيضًا قطعة أخرى مؤرخة بشكل صريح بسنة 79هـ، وهي من أقدم العملات الإسلامية التي تنتمي إلى مرحلة التعريب الكامل. وتمثل هذه القطعة إحدى أوائل الإصدارات التي تخلت نهائيًا عن التأثيرات البيزنطية واعتمدت الطراز الإسلامي الخالص فى التصميم والكتابات.
وتحمل العملة الصيغة: بسم الله ضُرب هذا الدرهم فى سنة تسع وسبعين، وهي صيغة نادرة نسبيًا، إذ اختفت لاحقًا كلمة فى من معظم النقود الإسلامية، لتصبح العبارة الشائعة: ضرب هذا الدرهم سنة.
وتعكس هذه القطعة الملامح التي استقرت عليها النقود الإسلامية بعد الإصلاح النقدي لعبد الملك بن مروان، حيث أصبحت الزخارف تعتمد على النصوص القرآنية بدلًا من الصور والرموز، ومن أبرز ما نقش عليها الآية الكريمة: ﴿هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾، وفى بعض الإصدارات استُكملت الآية بعبارة ﴿ولو كره المشركون﴾، بينما اكتفت إصدارات أخرى بالجزء الأول منها، وهو اختلاف محدود بين بعض الطرز النقدية فى تلك الفترة.
وتجسد هذه العملات مرحلة التحول الكبرى فى تاريخ المسكوكات الإسلامية، حين انتقلت الدولة الأموية من تقليد النظم النقدية البيزنطية والساسانية إلى إصدار عملة تحمل هوية إسلامية مستقلة، لتصبح نموذجًا استمر تأثيره فى مختلف الدول الإسلامية التي جاءت بعد ذلك.