من يصنع شخصيتنا المصرية الجديدة ؟

من يصنع شخصيتنا المصرية الجديدة ؟دكتور يحيى هاشم

الرأى12-8-2026 | 10:57

لقد أصبحت السوشيال ميديا آليه لإعادة تشكيل الشخصية المصرية و تحولت من وسيلة للتواصل إلى قوة اجتماعية تعيد صياغة الوعي و القيم و السلوك فلم تعد السوشيال ميديا مجرد وسيلة حديثة للتواصل بين الناس أو مساحة لنشر الصور و الأخبار و الآراء و إنما تحولت إلى بيئة اجتماعية متكاملة يعيش داخلها ملايين المصريين جزءا كبيرا من يومهم و يتفاعلون من خلالها مع الأحداث و الأفكار و الشخصيات و القضايا المختلفة .

و من منظور علم الاجتماع فإن خطورة السوشيال ميديا لا تكمن فقط في حجم استخدامها و إنما في قدرتها على التأثير في عملية التنشئة الاجتماعية و إعادة تشكيل منظومة القيم و المعايير الاجتماعية و صناعة الصور الذهنية عن النجاح و الفشل و الجمال و المكانة الاجتماعية و العلاقات الإنسانية و حتى مفهوم الإنسان عن نفسه لقد أصبح المواطن المصري يعيش بين عالمين متداخلين عالم واقعي له قواعده و تقاليده و علاقاته المباشرة و عالم افتراضي له قواعد مختلفة تماما تحكمه سرعة الانتشار و قوة الصورة و تأثير التفاعل و عدد المتابعين و حجم المشاهدة .

و هنا تظهر قضية بالغة الأهمية و هي أن الشخصية المصرية نفسها أصبحت أمام عملية إعادة تشكيل مستمرة بفعل ما تتعرض له يوميا من محتوى و معلومات و صور و نماذج سلوكية و مواقف و اتجاهات يتم تداولها عبر المنصات الرقمية .

إن السوشيال ميديا أصبحت مؤسسة اجتماعية جديدة لذا فإن علماء الاجتماع ينظرون إلى الأسرة و المدرسة و المؤسسة الدينية و وسائل الإعلام التقليدية باعتبارها من أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي تساهم في تشكيل شخصية الإنسان و تحديد قيمه و اتجاهاته و سلوكه أما اليوم فقد ظهرت مؤسسة اجتماعية جديدة شديدة التأثير و هي المنصات الرقمية .

فالطفل و الشاب و الوالد و الأم و الموظف و العامل و صاحب العمل جميعهم يتعرضون يوميا لرسائل اجتماعية متكررة من خلال السوشيال ميديا و مع التكرار تتحول بعض الأفكار إلى مسلمات و تتحول بعض السلوكيات إلى نماذج طبيعية و تتحول بعض الشخصيات إلى قدوة و تتحول بعض الظواهر السلبية إلى أمور تبدو مقبولة لمجرد انتشارها .

و هنا تكمن أهمية التعامل مع السوشيال ميديا باعتبارها ظاهرة اجتماعية و ليست مجرد تطور تكنولوجي من مجتمع العلاقات المباشرة إلى مجتمع العلاقات الرقمية .

إن الشخصية المصرية تاريخيا ارتبطت بدرجة كبيرة بالعلاقات الاجتماعية المباشرة و بالأسرة و الجيرة و العمل و الشارع و المناسبات الاجتماعية و كانت العلاقات الإنسانية تقوم على التواصل المباشر و على معرفة الناس ببعضهم البعض و على وجود قدر كبير من الرقابة الاجتماعية الطبيعية لكن السوشيال ميديا أعادت تشكيل هذه العلاقات فأصبح الإنسان يستطيع أن يكون حاضرا في حياة أشخاص لا يعرفهم شخصيا و أصبح عدد المتابعين أحيانا مؤشرا على المكانة الاجتماعية و أصبحت الشهرة الرقمية مصدرا جديدا للنفوذ و التأثير .

كما أصبحت بعض العلاقات تبدأ و تنتهي داخل العالم الافتراضي دون أن تمر بالضرورة بالمراحل التقليدية التي كانت تحكم العلاقات الاجتماعية و هذا التحول لا يعني بالضرورة اختفاء العلاقات التقليدية و لكنه يعني أننا أمام شكل جديد من أشكال المجتمع تتداخل فيه العلاقات الواقعية مع العلاقات الافتراضية .

نحن نعيش أزمة القدوة في زمن المؤثرين فمن أخطر التحولات الاجتماعية التي فرضتها السوشيال ميديا تغير مفهوم القدوة ففي الماضي كانت الأسرة و المعلم و العالم و الطبيب و المفكر و الشخصية العامة و أصحاب الإنجازات يمثلون نماذج أساسية يمكن أن يقتدي بها الشباب .

أما اليوم فقد أصبحت الشهرة في بعض الأحيان معيارا للنجاح بصرف النظر عن القيمة الحقيقية التي يقدمها صاحبها للمجتمع و هنا تظهر ظاهرة خطيرة و هي انفصال الشهرة عن الإنجاز فقد يصبح الشخص مشهورا لأنه مثير للجدل أو لأنه يقدم محتوى سطحيا أو لأنه يجيد جذب الانتباه و ليس لأنه يمتلك علما أو خبرة أو قيمة حقيقية .

و من منظور علم الاجتماع فإن المجتمع الذي يربط المكانة الاجتماعية بعدد المتابعين و المشاهدات يخلق تدريجيا سلما جديدا للمكانة الاجتماعية و قد يؤدي ذلك إلى إعادة تعريف النجاح لدى الأجيال الجديدة.

فعندما يتحول عدد المتابعين إلى قيمة اجتماعية و أصبحت أرقام المتابعين و الإعجابات و المشاهدات في بعض الحالات بمثابة مؤشرات على المكانة الاجتماعية و هذا الأمر قد يدفع البعض إلى بناء صورة رقمية عن أنفسهم تختلف عن حقيقتهم الواقعية، فالإنسان قد يصبح مهتما بأن يظهر سعيدا أكثر من اهتمامه بأن يكون سعيدا و قد يصبح حريصا على تصوير النجاح أكثر من تحقيق النجاح و قد تتحول الحياة الشخصية إلى مادة مستمرة للنشر و المشاهدة .

و هنا تظهر ظاهرة اجتماعية جديدة يمكن وصفها بأنها تحويل الذات إلى مشروع إعلامي فالإنسان لا يعيش حياته فقط و إنما أصبح في بعض الأحيان يفكر في كيفية تقديم حياته للجمهور و المقارنة الاجتماعية و صناعة الإحباط من أخطر تأثيرات السوشيال ميديا أنها تضع الإنسان في حالة مقارنة مستمرة مع الآخرين فهو يرى صورا لنجاحات الآخرين و منازلهم و سياراتهم و رحلاتهم و مناسباتهم و أعمالهم و علاقاتهم لكن المشكلة أن ما يراه غالبا هو الجزء الذي اختاره الآخرون لإظهاره و مع ذلك قد يقارن الإنسان حياته الواقعية بكل تفاصيلها بحياة رقمية منتقاة بعناية لشخص آخر .

و هنا يمكن أن تنشأ مشاعر عدم الرضا و الإحباط و الشعور بالتأخر عن الآخرين و قد يتحول الاستهلاك من وسيلة لتلبية الاحتياجات إلى وسيلة لإثبات المكانة الاجتماعية و هذا يفسر جانبا من الضغوط الجديدة المرتبطة بالزواج و الملابس و السيارات و المنازل و المناسبات و غيرها من مظاهر الحياة الاجتماعية.

ان السوشيال ميديا تغير منظومة القيم و القيم الاجتماعية لا تتغير فجأة و إنما تتأثر بالتكرار و التفاعل و النماذج السائدة و عندما يتعرض المجتمع بصورة مستمرة لمحتوى يروج للأنانية أو الاستعراض أو العنف اللفظي أو السخرية أو التنمر أو الاستهلاك المبالغ فيه فإن هذه الممارسات قد تبدأ تدريجيا في اكتساب درجة من الاعتياد الاجتماعي و هنا يجب التأكيد على أن السوشيال ميديا لا تصنع وحدها كل هذه الظواهر، لكنها تستطيع تضخيمها و تسريع انتشارها و إعطائها مساحة أكبر للتأثير .

كما تستطيع في المقابل نشر قيم إيجابية مثل التكافل و التطوع و المبادرات المجتمعية و احترام الآخر و دعم الفئات الأكثر احتياجا و نشر المعرفة و الثقافة أي أن الأداة نفسها يمكن أن تكون وسيلة للبناء أو وسيلة للهدم بحسب طبيعة المحتوى و طريقة استخدامه .

لقد أعادت السوشيال ميديا كذلك تشكيل طريقة المصريين في التعبير و التواصل فانتشرت الاختصارات و اللغة الهجينة و المصطلحات الجديدة و أصبحت بعض الكلمات تنتقل بسرعة هائلة من فئة اجتماعية إلى أخرى و هذا لا يمثل بالضرورة خطرا على اللغة و إنما يعكس قدرة المجتمع على إنتاج لغة جديدة للتعبير عن واقعه المتغير .

لكن المشكلة تظهر عندما يصبح الاختصار و السرعة سببا في إضعاف القدرة على القراءة العميقة و التحليل و التفكير المتأني فمجتمع يستهلك المعلومات في صورة عناوين قصيرة و مقاطع شديدة السرعة قد يجد صعوبة أكبر في التعامل مع القضايا المعقدة التي تحتاج إلى وقت و تأمل و مناقشة ؟

على الجانب الآخر لا يمكن النظر إلى السوشيال ميديا باعتبارها قوة سلبية فقط، فقد منحت المواطن العادي قدرة غير مسبوقة على التعبير عن رأيه و الوصول إلى الآخرين و المشاركة في النقاش العام و أصبح الإنسان قادرا على صناعة محتوى و نشر فكرة و الدفاع عن قضية و المشاركة في مبادرة أو تقديم معرفة و خبرة للآخرين و هذا يمثل تحولا اجتماعيا مهما لأن إنتاج الخطاب لم يعد حكرا على المؤسسات الإعلامية التقليدية لكن هذه الحرية تحتاج إلى وعي لأن حرية النشر لا تعني غياب المسؤولية الاجتماعية .

من أخطر التأثيرات الاجتماعية للسوشيال ميديا قدرتها على نشر المعلومات بسرعة تفوق قدرة الإنسان على التحقق منها و قد تنتشر معلومة خاطئة خلال دقائق بينما يحتاج تصحيحها إلى وقت طويل و هنا تظهر أهمية التربية الإعلامية و الرقمية فالمواطن في العصر الرقمي لا يحتاج فقط إلى معرفة كيفية استخدام الهاتف أو التطبيقات و إنما يحتاج إلى معرفة كيفية تقييم المعلومات و مصدرها و التمييز بين الرأي و الحقيقة و بين الخبر و التحليل و بين المحتوى المهني و المحتوى الذي يستهدف الإثارة و هذا جزء أساسي من بناء الشخصية المصرية القادرة على التعامل مع العصر الرقمي بعقل نقدي .

فلم تعد الأسرة هي المصدر الوحيد للمعلومات بالنسبة إلى الأبناء فالأبناء يستطيعون الوصول إلى آلاف النماذج و الأفكار خلال دقائق و هذا يفرض على الأسرة الانتقال من أسلوب المنع و السيطرة إلى أسلوب الحوار و بناء الوعي فالرقابة الحقيقية ليست أن تمنع الابن من استخدام التكنولوجيا و إنما أن تمنحه القدرة على استخدامها دون أن يفقد هويته و قيمه و قدرته على التمييز كما أن الأسرة نفسها يجب أن تقدم النموذج فلا يمكن أن نطلب من الأبناء تقليل استخدام الهاتف بينما يعيش الأب و الأم معظم الوقت أمام شاشات الهواتف .

لقد أصبح من الضروري أن تتطور وظيفة المدرسة في التعامل مع العالم الرقمي، فالطالب يحتاج إلى تعليم مهارات التفكير النقدي و التحقق من المعلومات و فهم تأثير الخوارزميات و الإعلانات و المحتوى الموجه.

ويحتاج كذلك إلى فهم أن الشهرة ليست إنجازا و أن عدد المتابعين ليس دليلا على العلم و أن انتشار الفكرة لا يعني صحتها و هنا تصبح المدرسة شريكا أساسيا في حماية الشخصية المصرية من الاستلاب الثقافي و الرقمي .

فالهوية المصرية ليست شيئا جامدا و إنما هي بناء اجتماعي و ثقافي يتطور عبر الزمن لكن الخطر الحقيقي يظهر عندما يصبح الإنسان مستقبلا سلبيا لكل ما يراه دون قدرة على الاختيار أو التمييز فالانفتاح على العالم ليس مشكلة و بينما المشكلة ليست في معرفة ثقافات الشعوب الأخرى و إنما المشكلة في فقدان القدرة على معرفة الذات و لهذا فإن الشخصية المصرية القوية ليست الشخصية المنغلقة عن العالم وإنما الشخصية المنفتحة التي تعرف العالم و تحافظ في الوقت نفسه على جذورها و قيمها و هويتها .

فقد انتقل مفهوم النجاح لدى بعض الفئات من النجاح المرتبط بالتعليم و العمل و الإنجاز إلى النجاح المرتبط بالشهرة و الظهور و الرفاهية و الاستعراض و هنا يجب أن يعيد المجتمع الاعتبار إلى قيمة العمل الحقيقي و إلى العلم و الإبداع و احترام المهنة و خدمة المجتمع و إلى النجاح الذي يترك أثرا حقيقيا و ليس مجرد أرقام على شاشة الهاتف

إن صناعة الشخصية المصرية مسؤولية مجتمعية و إعادة تشكيل الشخصية المصرية ليست مسؤولية الدولة وحدها و لا الأسرة وحدها و لا المدرسة وحدها و لا الإعلام وحده إنها مسؤولية مشتركة بين جميع مؤسسات المجتمع فالأسرة تبني القيم و المدرسة تبني المعرفة و الإعلام يصنع جزءا من الوعي العام و المؤسسات الثقافية تقدم البدائل و المؤسسات الدينية تدعم منظومة القيم و المجتمع المدني يشارك في التوعية و الفرد نفسه يتحمل مسؤولية ما ينشره و ما يتابعه و ما يصدقه و ما يعيد نشره .

إن المطلوب ليس محاربة السوشيال ميديا و إنما بناء الإنسان القادر على استخدامها و الحل ليس في الخوف من التكنولوجيا و لا في الدعوة إلى الانعزال عن العالم فالتكنولوجيا أصبحت جزءا من الحياة اليومية و لا يمكن إلغاء وجودها لكن المطلوب هو بناء شخصية قادرة على التعامل معها بوعي شخصية لا تجعل هاتفها بديلا عن حياتها و لا تجعل عدد المتابعين مقياسا لقيمتها و لا تجعل المشاهير مرجعا وحيدا للمعرفة و لا تسمح للمحتوى السطحي بأن يحدد طموحاتها و لا تسمح للمعلومات المضللة بأن تصنع مواقفها و لا تتخلى عن قيمها لمجرد أن سلوكا معينا أصبح منتشرا .

نحن أمام شخصية مصرية جديدة تتشكل في ظل تغيرات اجتماعية و اقتصادية و تكنولوجية متسارعة و هذه الشخصية لن تكون نسخة من الشخصية المصرية القديمة و لن تكون نسخة من أي مجتمع آخر و إنما ستكون نتاجا للتفاعل بين التراث و الحداثة و بين الواقع و العالم الرقمي و بين الأسرة و المجتمع و بين الثقافة المحلية و الثقافات العالمية .

و لعل التحدي الحقيقي هو أن ننجح في بناء شخصية مصرية عصرية قادرة على استخدام التكنولوجيا دون أن تستخدمها التكنولوجيا و قادرة على الانفتاح دون ذوبان و قادرة على الاختلاف دون صدام و قادرة على التعبير عن الرأي دون إساءة و قادرة على الشهرة دون أن تفقد التواضع و قادرة على النجاح دون أن تجعل الاستعراض بديلا عن الإنجاز .

إن السوشيال ميديا لم تعد مجرد شاشة في أيدينا و إنما أصبحت جزءا من البناء الاجتماعي الذي نعيش داخله و هي تؤثر في طريقة تفكيرنا و في علاقاتنا و في مفهومنا للنجاح و في قيمنا و في صورتنا عن أنفسنا و عن الآخرين .

و من وجهة نظر علم الاجتماع فإن القضية ليست هل نستخدم السوشيال ميديا أم لا و إنما كيف نستخدمها و ماذا تقدم لنا و ماذا تأخذ مناها و أي نوع من الإنسان نريد أن نصنعه من خلالها فالمستقبل لن يكون لمن يمتلك التكنولوجيا فقط و إنما لمن يمتلك الوعي الذي يجعله قادرا على توظيف التكنولوجيا لصالح الإنسان و المجتمع .

و الشخصية المصرية التي نحتاج إلى بنائها ليست شخصية تخشى العالم الرقمي و إنما شخصية تمتلك من الوعي و الثقة و الانتماء و المعرفة ما يجعلها قادرة على دخول هذا العالم دون أن تفقد ذاتها ففي النهاية ليست المشكلة في أن السوشيال ميديا تعيد تشكيل الشخصية المصرية فالواقع أن كل عصر يعيد تشكيل الإنسان لكن السؤال الأهم هو من الذي سيحدد شكل هذه الشخصية الجديدة ؟ و هل ستحددها الخوارزميات وحدها أم ستشارك الأسرة و المدرسة و الإعلام و الثقافة و مؤسسات المجتمع و الفرد نفسه في صناعة شخصية مصرية جديدة تجمع بين الأصالة و الوعي و الحداثة و هنا تحديدا تكمن المعركة الحقيقية في عصر السوشيال ميديا و سلاما عليكي يا بلادي في كل وقت و في كل حين .

أضف تعليق

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان