لماذا لا نروي روايتنا ؟.. (5) اتفاق مكة .. والسؤال الصحيح

لماذا لا نروي روايتنا ؟.. (5) اتفاق مكة .. والسؤال الصحيحسعيد صلاح

الرأى16-8-2026 | 16:10

منذ أن بدأت كتابة هذه السلسلة، كان السؤال يبدو فى ظاهره بسيطًا: لماذا لا نروي روايتنا؟ لكن كلما انتقلت من حلقة إلى أخرى، يتضح أن السؤال أكبر من مجرد مشكلة فى الأداء الإعلامي، نحن أمام معركة حقيقية على الصورة، وعلى تفسير الأحداث، وعلى حق مصر فى أن تقول للناس ماذا تفعل ولماذا تفعل، والأيام الأخيرة قدمت لنا مثالًا جديدًا.

«اتفاق مكة» الدفاعي بين السعودية و تركيا وباكستان فتح بابًا واسعًا من الأسئلة حول طبيعة الاتفاق، وأهدافه، ومستقبل المشاركة فيه، ثم انتقل النقاش سريعًا إلى سؤال آخر: أين مصر من هذا الاتفاق؟ .. وهنا بدأت الروايات!!!

تصريحات تركية تتحدث عن إمكانية انضمام مصر فى مرحلة لاحقة، وربط ذلك باستكمال بعض الترتيبات الفنية، تقارير عربية تحاول تفسير أسباب عدم المشاركة المصرية، تحليلات تتحدث عن حسابات القاهرة، وأخرى تذهب إلى الحديث عن موقف سعودي من مشاركة مصر، ثم ظهرت روايات أخرى فى الإعلام الإقليمي والدولي، حتى أصبح القارئ أمام صورة تبدو وكأن الجميع يعرف لماذا لم تنضم مصر، باستثناء مصر نفسها.

وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف، هل المشكلة أن مصر لم تنضم إلى الاتفاق؟ أم أن المشكلة أننا تركنا الآخرين يشرحون لماذا لم تنضم مصر؟ أعتقد أن السؤال الثاني هو الأهم، مصر لا تحتاج إلى شهادة من أحد، مصر ليست دولة تنتظر اتفاقًا إقليميًا لكي تثبت وزنها، فهي دولة لها جيشها، ومؤسساتها، وتاريخها، وتجربتها الطويلة فى إدارة الصراعات والتحالفات، وحساباتها الخاصة فى ما يتعلق بأمنها القومي، ومن الطبيعي أن يكون ل مصر تقديرها المستقل لأي اتفاق دفاعي أو أمني، وأن تدرس التزامات الاتفاق وآثاره قبل أن تقرر المشاركة فيه، ولا يوجد فى السياسة الدولية ما يلزم دولة بأن تنضم إلى كل إطار إقليمي لمجرد أن دولًا صديقة أو شقيقة شاركت فيه، بل إن الدول القوية تفعل العكس تمامًا؛ تختار ما يتوافق مع مصالحها، وتحتفظ بقرارها المستقل.

ومن هذه الزاوية، فإن عدم مشاركة مصر فى اتفاق مكة ــ فى حد ذاته ــ لا يمثل أزمة ولا يحتاج إلى تحميله أكثر مما يحتمل، لكن ما يحتاج إلى وقفة حقيقية هو المساحة التي تُركت أمام الآخرين لتفسير الموقف المصري، فمنذ ظهور الاتفاق، أصبحنا نقرأ تحليلات عن القاهرة أكثر مما نقرأ موقفًا مصريًا واضحًا، وهنا تعود المشكلة التي نحرص على مناقشتها فى هذه السلسلة.

فى الإعلام هناك قاعدة لا تحتاج إلى كثير من الشرح: هى أن الفراغ لا يبقى فراغًا، إذا لم تشرح أنت موقفك، سيشرحه غيرك، وقد يكون تفسيره صحيحًا، وقد يكون ناقصًا، وقد يكون مجرد اجتهاد، وقد يكون مقصودًا به التأثير عليك أو على الآخرين، المشكلة أن الجمهور لا يملك دائمًا الأدوات التي تمكنه من التمييز بين هذه المستويات.

عنوان مثير قد يكفي، وتغريدة من حساب مجهول قد تتحول إلى «خبر»، وتحليل تلفزيوني قد يصبح فى اليوم التالي «معلومة مؤكدة»، ثم تبدأ عملية البناء فوق شيء لم يثبت من الأساس، وهذا بالضبط ما حدث فى الجدل حول «اتفاق مكة»، بدلًا من أن يكون النقاش: ما طبيعة الاتفاق؟ وما الذي يحققه للدول الموقعة؟ وما مصلحة مصر فى المشاركة أو عدم المشاركة؟، أصبح النقاش: من رفض مصر؟ ولماذا؟ وهل هناك خلاف مصري سعودي؟ وهل تركيا تضغط على القاهرة؟ وهنا تتحول القضية من تحليل سياسي إلى صناعة «رواية».

هناك فرق بين «قالت تركيا»، و«ذكرت مصادر»، و«رجحت تقارير»، و«أكدت القاهرة»، هذه ليست فروقًا لغوية، إنها فروق بين المعلومة والتحليل والتكهن، ولذلك فإن الرواية المصرية، حتى عندما لا تكشف التفاصيل، تستطيع أن تقوم بدور مهم جدًا: أن تحدد على الأقل ما هو صحيح وما هو غير صحيح، وما هو موقف رسمي وما هو مجرد قراءة إعلامية.

وهل كل اختلاف يعني أزمة مع السعودية ؟ .. هذه النقطة ربما تكون الأخطر فى الجدل كله، فبمجرد عدم ظهور مصر ضمن الدول الموقعة، بدأت بعض الروايات تتعامل مع الأمر باعتباره علامة على خلاف مصري سعودي، وهذا تفسير يحتاج إلى كثير من الحذر، لأن العلاقات بين الدول لا تُدار بهذه الطريقة، وقد تختلف دولتان فى تقدير ملف معين، أو فى شكل المشاركة فى ترتيبات إقليمية، دون أن يعني ذلك وجود أزمة فى العلاقات بينهما، والعلاقة المصرية السعودية تحديدًا أكبر من أن تُختزل فى اتفاق واحد، هي علاقة بين دولتين عربيتين مركزيتين، وبين شعبين تجمعهما روابط دينية وتاريخية وإنسانية وثقافية عميقة، فضلًا عن المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية الممتدة، ومن الخطأ أن نسمح لحساب على منصة اجتماعية، أو تقرير مجهول المصدر، بأن يعيد تعريف هذه العلاقة، الأخطر أن بعض الجهات تعرف جيدًا قيمة العلاقة بين القاهرة والرياض، ولذلك فإن ضربها لا يحتاج دائمًا إلى أزمة حقيقية، أحيانًا يكفى أن تصنع إحساسًا بالأزمة.

ليس كل ما يُنشر على مواقع التواصل مؤامرة، وليس كل نقد للعلاقات المصرية السعودية محاولة للوقيعة، هذا التوصيف الشامل سيكون خطأ، لكن فى المقابل، سيكون من السذاجة أيضًا تجاهل أن هناك أطرافًا تستفيد من إشعال الخلافات العربية، وأن منصات التواصل توفر لها بيئة مثالية، خبر بلا مصدر.. مقطع مبتور.. تعليق من حساب مجهول.. عنوان مصاغ بعناية... ثم تبدأ القصة، بعد ساعات يصبح هناك نقاش واسع، وبعد أيام ينسى الجميع السؤال الأهم: من أين جاءت المعلومة أصلًا؟ وهكذا يستطيع البعض أن يصنع أزمة من لا شيء، هذه هي لعبة الصيد فى الماء العكر.

ومن هنا تأتي أهمية ما صدر أخيرًا من تصريحات لوزير الخارجية فى أثناء استقباله نظيره التركى، والتى جاءت بعد كتابة هذا المقال وقبل مثول المجلة للطبع بساعات، موضحًا لموقف مصر ورؤيتها واستراتيجيتها تجاه «اتفاق مكة» ليغلق الباب أمام الكثير من التكهنات، وهو ما كنا نقصده من البداية وننتظر حدوثه مبكرًا، كما تأتى أيضا أهمية مواقف وتصريحات مصرية وسعودية تدعو إلى التعامل بحذر مع ما ينشر، وعدم الانسياق وراء ما يمكن أن يسيء إلى العلاقات بين البلدين، وهذه الرسالة يجب ألا تمر مرورًا عابرًا، لأنها تعني أن هناك وعيًا رسميًا بخطورة ما يمكن أن تفعله المعلومات غير الدقيقة عندما تدخل منطقة حساسة مثل العلاقات المصرية السعودية، وهنا يأتي دور الإعلام، الإعلام الوطني لا ينبغي أن يكون مجرد جهاز إطفاء حرائق، لا ننتظر حتى تنتشر الرواية ثم نبدأ فى البحث عن رد، المطلوب هو إدارة الرواية من البداية، إذا كان هناك موقف مصري، نشرحه، إذا كانت هناك معلومات غير صحيحة، نصححها، إذا كان هناك ملف لا يمكن الحديث عن تفاصيله، نقول ذلك بوضوح، وإذا كانت هناك حسابات استراتيجية لا يجوز كشفها، فلا مشكلة، الدول لا تكشف كل أوراقها، لكنها تستطيع أن تضع الجمهور أمام إطار صحيح يمنع الآخرين من اختراع قصة كاملة بالنيابة عنها.

وهنا ربما نصل إلى النقطة الأهم فى هذه السلسلة، عندما نقول «نروي روايتنا»، فنحن لا نتحدث عن دعاية، الدعاية تقول للناس ماذا يفكرون، أما الرواية الوطنية المهنية فتقول لهم: ماذا حدث، وما الذي نعرفه، وما الذي لا نعرفه، وكيف يمكن فهم الحدث فى سياقه الصحيح؟
فى الماضي كانت الدولة تحمي حدودها بالقوة العسكرية، وتحمي اقتصادها بأدواتها الاقتصادية، وتحمي قرارها السياسي بأدوات الدبلوماسية، اليوم أضيف إلى ذلك كله مجال جديد: حماية الرواية، لأن المواطن الذي يفقد الثقة فى مؤسسات دولته يصبح أكثر قابلية لتصديق أي رواية بديلة، والجمهور العربي الذي يتلقى يوميًا مئات الرسائل المتناقضة يصبح سهل الاستهداف بالمعلومات المضللة.

ولهذا فإن امتلاك الدولة لروايتها ليس ترفًا إعلاميًا، إنه جزء من قوتها، ولا يعني ذلك أن تتحدث الدولة طوال الوقت، بل أن تعرف متى تتحدث، وماذا تقول، ولمن تقول، وهذه هي الإجابة، لذلك، ربما يكون «اتفاق مكة» قد طرح سؤالًا جديدًا، لكنه أعادنا فى النهاية إلى سؤالنا القديم: لماذا لا نروي روايتنا؟ لماذا نترك خبرًا عن مصر يبدأ من الخارج، ثم ننتظر حتى يصل إلينا؟، لماذا نترك محللًا أجنبيًا يفسر قرار القاهرة؟ لماذا نترك رواية عن العلاقة المصرية السعودية تنتشر، ثم نبدأ فى نفيها بعد أن تكون قد وصلت إلى الملايين؟

لماذا لا نضع المعلومة الصحيحة منذ البداية؟ ليس المطلوب أن نقول كل شيء، ولا أن نكشف ما لا يجب كشفه، ولا أن ندخل فى سجال مع كل من يكتب أو يقول، المطلوب فقط أن نعرف قيمة الكلمة فى زمن أصبحت فيه الكلمة قادرة على صناعة أزمة.

أن نروي روايتنا عندما يكون الوقت مناسبًا، أن نشرح ما نستطيع شرحه، أن نصحح ما يجب تصحيحه، أن نترك ما يجب أن يبقى فى غرف القرار داخل غرف القرار، لكن ألا نترك الساحة خالية، لأن الساحة الخالية – كما قلت مرارا قبل ذلك - لا تظل خالية، سيأتي من يملؤها، وسيأتي من يكتب الرواية، وسيأتى من يقول: هذا هو موقف مصر، وهنا يجب أن يكون الرد واضحًا: لا أحد أحق برواية مصر من مصر.

هذه ليست مسألة إعلامية فقط، إنها مسألة تتعلق بصورة الدولة، وبوعي المواطن، وبعلاقاتنا مع أشقائنا، وبقدرتنا على حماية مصالحنا فى عالم أصبحت فيه المعركة على الرواية جزءًا من المعركة على النفوذ.

ولهذا سنظل نسأل: لماذا لا نروي روايتنا؟ ليس خوفًا من روايات الآخرين، بل لأن مصر، بكل ما تملكه من تاريخ وثقل ومكانة، تستحق أن يسمع العالم روايتها منها هي، لا من الذين يتحدثون عنها، ولا من الذين يتحدثون باسمها.

حفظ الله الجيش .. حفظ الله الوطن

أضف تعليق

في الحروب النفسية.. على الحكومات أن تنتبه! (3)

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان