فى ظل الحروب الحديثة تأتى الشائعات بمثابة المدفعية التى تقوم بعمليات التمهيد النيرانى للمعارك، فتربك الجيوش والحكومات والشعوب، مما يجعل القدرة فى السيطرة عليهم أقل تكلفة.
ما استعرضته خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة حول الحرب النفسية الحديثة وأدواتها يجعلنى أتوقف عند عدة نقاط فى هذا العدد، ومنها بل فى مقدمتها.. من يقف وراء انفجار ماسورة الشائعات ضد الدولة المصرية؟ ولماذا فى توقيت مثل التوقيت الذى نعيشه الآن؟ وهل ما يجرى هندسته من الأكاذيب أو الأعمال الاستفزازية ضد الدولة المصرية صدفة؟ أم أن الهدف واضح والتوقيت دقيق؟!
كل ما سبق يتطلب إجابات دقيقة، خاصة فى ظل الأوضاع المتطورة والمتسارعة فى مسرح العمليات العسكرية بالمنطقة.
فلم تكن التصريحات غير المسئولة عن وزير الري والطاقة الإثيوبى حول عزم بلاده إنشاء عدد آخر من السدود على النيل الأزرق سوى تعبير عن أوهام للنظام الإثيوبي لا يدرك مروجيها أن مصر لا يمكن لها أن تتنازل ولو عن قطرة ماء واحدة أو تترك حق من حقوقها، فهى إن كانت صابرة على ما يردده البعض متشدقا به دون إدراك عواقبه؛ فإن الصبر الاستراتيجى للدولة المصرية تقف خلفه قوة غاشمة لا تعرف سوى حماية الوطن ومقدراته دونه الموت.
(1) دعونا نتوقف أولا عند ما تتعرض له الدولة المصرية حاليا من شائعات وهو أمر يستوجب الانتباه، بعد أن كشف تقرير المركز الإعلامى لمجلس الوزراء الشهر الماضى أن التوترات الإقليمية رفعت معدلات الشائعات بالبلاد بنسبة 113 % خلال النصف الأول من العام الحالي.
بل إن نسبة الشائعات المرتبطة بالتداعيات السلبية للأزمات الخارجية وصلت إلى 57.3 % من إجمالي الشائعات خلال النصف الأول من العام الحالي، مقارنة بـ21.1% خلال النصف المناظر له من عام 2025.
وتصدر قطاع الاقتصاد القائمة بنسبة 14.4%، يليه قطاع الطاقة بـ 13.3%، ثم قطاع التموين 11.6%، فيما سجل قطاعا السياحة والطيران 11.4%، وقطاع الصحة 10.9%، والإسكان 9.7%، فى حين سجل قطاع التعليم 7.9%.
بلغت نسبة الشائعات المتعلقة بقطاع الزراعة 7.8%، كما سجل قطاع الحماية الاجتماعية 4.7%، وقطاع النقل 3.8%، وقطاعا الاتصالات والإصلاح الإداري 1.8% لكل منهما، فيما بلغت نسبة الشائعات المتعلقة بباقي القطاعات الأخرى 0.9%.
التقرير كشف توقيتات الذروة لهذا الكم الهائل من الشائعات وهو شهرى مارس وأبريل حيث تحتفل مصر فى بداية شهر مارس بيوم الشهيد والمحارب القديم كما تحتفل فى شهر أبريل بأعياد تحرير سيناء .
المدقق لاختيار توقيت ضخ أكبر كم من الشائعات فى مواجهة الدولة المصرية يجد أن سيل الشائعات يزداد قوة مع وجود حدث مهم داخل الدولة المصرية أو احتفال بمناسبة وطنية أو اقتراب موعد إتمام إنجاز تعمل عليه الدولة.
وخير مثال على ذلك هو ما نشرته صحيفة POLITICO الأمريكية فى 17 أغسطس الجاري من ادعاءات غير صحيحة حول مشروع الضبعة النووى، متزامنا مع الانتهاء من تركيب المستوى الخامس من وعاء الاحتواء الداخلى للمفاعل الأول بالمشروع وهو يعد مرحلة متقدمة فى إنجاز العمل ويدل على أن المفاعل الأول سيدخل الخدمة فى 2028 وفق الخطة الزمنية للمشروع ليضيف لشبكة الكهرباء المصرية 1200 ميجا وات.
هنا ندرك لماذا تم اختيار التوقيت الحالى لنشر هذه الادعاءات والزعم على أنها تقارير سرية.
كما أن التقرير الصادر عن الصحيفة التى يملكها Mathias Döpfner وهو ألمانى الجنسية، وأحد المنتقدين للنظام الروسي بشدة، بعد أن تعرضت شركته ـAxel Springer للتضييق الشديد عقب الحرب الروسية الأوكرانية ، مما اضطره إلى بيع أعمال الشركة فى موسكو بعد تشديد القوانين الروسية على ملكية وسائل الإعلام الأجنبية، وأن الشركة اختارت بيعها لشخص ينتقد النظام بدلًا من نقل السيطرة إلى طرف موالٍ للحكومة الروسية.
كما أن لـ " دوبفنر" تأثيرا على السياسية التحريرية للصحيفة، فتم توجيه السهام للشركة الروسية المنفذة للمشروع التى تعمل على أحد مشروعات إنشاء محطة نووية بالمجر؛ لتروج الصحيفة الأكاذيب حول المشروع المصرى.
إن عملية التشكيك فى المشروعات الكبرى خاصة خلال المراحل الأخيرة من الأعمال هو منهج دائم ومستمر تعمل عليه قوى الشر، فقد التقتطت الأدوات الإعلامية التقرير وعملت على ترويجه.
لذا علينا أن نتذكر الحملة الموجهة من إعلام التنظيم الإرهابى و قوى الشر الداعمة له فى 2015 عندما اقترب مشروع قناة السويس الجديدة على الاكتمال وقرب الافتتاح كانت وسائل إعلام غربية تنشر تقارير فى مساحات مدفوعة حول دراسات لمراكز تدعى أنها مراكز بحثية لتتحدث عن أن جوانب القناة الجديدة معرضة للانهيار والبعض الآخر يتحدث عن فشل المشروع هندسيا أما أكثر تلك التصريحات فكاهة كان حديث المدعو وجدى غنيم بأن "طشت أمه أكبر من القناة الجديدة" .
بعد تلك الحملة الممنهجة جاء افتتاح القناة فى 6أغسطس 2015 لتعبر أول قافلة قادمة من الجنوب فى مقدمتها السفينة can tiean وهى أولى السفن العابرة للمجرى الملاحى لقناة السويس الجديدة، وهى سفينة حاويات فرنسية، بحمولة 136 ألف طن. اتبعها اثنان من سفن الحاويات هما، ناقلة الحاويات الإيطالية Mac chekow بحمولة قدرها 113 ألف طن، ناقلة الحاويات الألمانية thalassemia بحمولة قدرها 152 ألف طن.
فى نفس التوقيت كانت هناك 3 سفن أخرى تعبر ضمن قافلة الشمال، أولها ناقلة الحاويات الإيطالية MSc cable، بحمولة بلغت 146 ألف طن، وناقلة الحاويات الفرنسية cma kgm laberous بحمولة 163 ألف طن، وناقلة الحاويات من كوريا الجنوبية halgin goold بحمولة بلغت 145 ألف طن.
ليحتفل العالم بإنجاز حققه المصريون فى زمن قياسي وتسقط أكاذيب قوى الشر.
فعلى مدى أكثر من 13 عاما ومصر تواجه أكبر حرب مستهدفة للعقول، يخطط لها بدقة وتعمل عليها كتائب إلكترونية باحترافية لتجعلها أكثر تأثيرا وفتكا بالمجتمع.
لم يكن مشروع قناة السويس الجديدة فقط هدفا للشائعات بل إن كافة المشروعات كانت هدفا كما أن التحركات المصرية فى جميع الملفات السياسية والاقتصادية والدولية ظلت هدفا وما زالت لقوى الشر.
فكلما استطاعت مصر أن تنجح فى تحقيق إنجاز تندفع آلة تصنيع الشائعات وتعاونها أدوات التنظيم الإرهابى فى الداخل والخارج لمحاصرة الإنجاز وتشويه الصورة وفتح ماسورة الشائعات للتشكيك فيه.
(2) إن عمليات هندسة الشائعات والعمل على تسويقها لا تمر فقط عبر وسائل التواصل الاجتماعى أو عبر وسائل الإعلام التقليدية المملوكة ل قوى الشر بل تعتمد بشكل أساسي على عملية التهيئة النفسية واستخدام الأوضاع الاقتصادية للمجتمعات لكى تنفذ إلى العقل الجمعى للشعب وهو ما جعل القطاع الاقتصادى أكثر عرضة للشائعات يليه قطاع الطاقة ثم التموين وهى القطاعات التى تخلق حالة من عدم الرضا المجتمعى حال تعرضها للأزمات.
من بين تلك الشائعات مزاعم حول تخفيف الأحمال الكهربائية لمدة ٤ ساعات يوميًا على مستوى الجمهورية وتطبيقها اعتبارًا من مايو 2026، إضافة إلى شائعات أخرى حول اعتزام الحكومة تطبيق قرار بقطع خدمات الإنترنت ليلاً لتخفيف أحمال الكهرباء، بجانب رصد شائعات تزعم وصول خسائر السياحة فى مصر إلى 600 مليون دولار يوميًا بسبب الأزمة العالمية، إلى جانب شائعات أخرى تزعم حدوث تسرب إشعاعي فى المنطقة تسبب فى إصدار قرار بإجازة استثنائية للمدارس والجامعات، إضافة إلى شائعات حول نقص السلع الأساسية فى الأسواق نتيجة التوترات الإقليمية.
بالاضافة إلى مزاعم حول اعتزام الحكومة بيع الأصول لسداد الديون الخارجية إدعاءات بوجود أزمة طاقة فى مصر بسبب الأحداث الإقليمية.
كل تلك الأكاذيب تم نفيها من خلال مجلس الوزراء وتوضيح الحقائق لكن قوى الشر تعمل على إعادة هندسة تلك الشائعات والعمل عليها لتجعلها تتردد عبر ملايين الحسابات الوهمية من أجل زعزعة الثقة بين المواطن والحكومة.
إن ما يجرى من صناعة الأكاذيب والترويج لها ليس صدفة .. لكنه محدد الهدف والوجهة، إنه يمر عبر مسارات مرسومة له باحترافية تعمل عليها مجموعات استخباراتية من أجل ضرب تماسك الجبهة الداخلية وخلق حالة من الانقسام داخل المجتمع؛ وتلك هى أخطر مراحل الحرب، وأكثرها تدميرا.
إن قوى الشر تستهدف إحداث حالة من عدم الثقة بين المواطن والنظام وهو هدف استراتيجى لها خاصة وأن ثقة المواطن فى النظام هو ما حال دون تنفيذ خطة إشعال الفوضى أو إسقاط الدولة.
كما أن قوى الشر تستهدف الضغط على الدولة للدفع بها باتجاه مواجهات عسكرية فى توقيت تريده وهو تعلمه الدولة المصرية جيدا وتفطن للهدف الأساسي الذى يكمن وراء ذلك.
فالتاريخ المصرى يؤكد أن الدولة المصرية حققت جميع انتصاراتها عندما حددت ساعة الصفر، واختارت التوقيت المناسب.
إن محاولات جر الدولة المصرية للصراع لن تفلح؛ كما أن محاولات الاستفزاز التى يفعلها البعض ممن تدار سياساتهم عبر تل أبيب أيضا لن تكون ذات جدوى؛ خاصة فى ظل وضوح كامل للقرار المصرى إنه لا يمكن السماح أو التهاون أو التنازل عن قطرة ماء واحدة من حصة مصر من مياه النيل .
كما أن الالتزام بالقانون الدولى لا يعنى أن الدولة غير قادرة على حماية أمنها القومي وفي القلب منه أمنها المائي، بكافة الخيارات.. فجميع الخيارات مفتوحة لدى مصر؛ وعلى النظام الإثيوبي أن يقرأ التاريخ جيدا ويسترجع دروسه.
فحالة السيولة التى كانت تعيشها الدولة فى 2011 لم يعد لها أثر، لقد استردت الدولة المصرية قوتها وأصبحت قادرة على تنفيذ قرارها.
فمصر في الجمهورية الجديدة تحذر فإذا قررت فعلت وإذا فعلت أوجعت، كما أن الدولة المصرية لا تهدد، بل تنفذ عندما تتخذ القرار.
إن الأحاديث العبثية التى تروج لها بعض الصفحات من خلال كتائب إلكترونية ناطقة بالعربية ومدعومة من الحكومة الإثيوبية لن تفلح فى تزييف الواقع.
كما أن محاولات إثيوبيا المتكررة لاستغلال الأزمة السودانية للتأثير على العلاقة بين الشعبين لن تفلح أيضا.
لقد حرصت الحكومة الإثيوبية على إنشاء العديد من الحسابات الناطقة باللغة العربية عبر موقع X للتغريدات القصيرة، لكن منشئي تلك الحسابات لم يراجعوا المحتوى المقدم، فجميع التغريدات صورة طبق الأصل.. بل أيضا التعليقات الموجودة عليها.
إن حديث وزير الري والطاقة الإثيوبى لم أتوقف عنده لأنه لا يعبر عن واقع يمكن تنفيذه خاصة وأن الأوضاع باتت مختلفة وما يقوم به النظام الإثيوبى هو محاولات عبثية فى مواجهة تحركات مصرية ناجحة على المستوى الدولى.
إن الحديث عن إنشاء سدود إضافية ليس أمرا عبثيا بل هو درب من دروب الخيال، ما لم يتم الالتزام من جانب إثيوبيا بالقانون الدولى، وهنا لن أتوقف عن الجانب الفنى أو الأوضاع الجيولوجية للهضبة الإثيوبية.
إن الدولة المصرية وهى تمتلك حكمة الصبر الاستراتيجي تمتلك معها مفاتيح القوة والقدرة ولن تسمح يوما بأن يتم التحكم فى مياه النيل، شاء من شاء وأبى من أبى.