تمر اليوم الأحد، ذكرى رحيل الزعيم مصطفى النحاس، أحد أبرز رموز الحركة الوطنية والسياسية في تاريخ مصر، والذي ارتبط اسمه بنضال المصريين من أجل الاستقلال وترسيخ الحياة الدستورية والنيابية، وعلى مدار مسيرته السياسية، تولى النحاس رئاسة الحكومة في عدد من المرات، وقاد حزب الوفد لسنوات، كما كان له دور بارز في تأسيس جامعة الدول العربية، ليظل اسمه حاضرًا في صفحات التاريخ السياسي العربي.
وُلد مصطفى النحاس في 15 يونيو عام 1876 بقرية سمنود بمحافظة الغربية، لأسرة متوسطة، وانتقل إلى القاهرة لاستكمال تعليمه، وحصل على ليسانس الحقوق عام 1900، وعمل بالمحاماة في مكتب الزعيم الوطني محمد فريد، قبل أن يُعيّن قاضيًا..
ولم تكن بدايته مرتبطة بالحياة السياسية، إلا أن إعلان الرئيس الأمريكي السابق وودرو ويلسون مبادئه الأربعة عشر، وما تضمنته من الدعوة إلى حق الشعوب الصغيرة في تقرير مصائرها، أثر في وجدان النحاس، الذي كان يكن شعورًا عدائيًا تجاه الاحتلال البريطاني لمصر.
وكان النحاس، خلال عمله قاضيًا بمدينة طنطا، يلتقي بعض أصدقائه في القاهرة بمكتب المحامي أحمد بك عبد اللطيف، من المؤيدين لفكر الحزب الوطني، وانشغلت المجموعة بالتفكير في آلية لإيصال صوت مصر إلى العالم..
وبدأت المجموعة التواصل مع سعد زغلول، نائب رئيس الجمعية الشرعية حينها، وتطوع علي ماهر للتواصل مع عبد العزيز فهمي، عضو الجمعية وأحد المقربين من سعد زغلول، إلا أن المحاولة لم تنجح في البداية، فقرر النحاس الذهاب بنفسه لإقناع فهمي، وتمكن من الحصول على موافقته..
وأخبر النحاس عبد العزيز فهمي بوجود نية لتشكيل وفد مصري يتحدث باسم مصر، مع توجه لدمج مختلف فصائل المجتمع في الوفد حتى لا يُتهم بالحزبية.،وبدأ سعد زغلول في تشكيل الوفد، واختير مصطفى النحاس وحافظ عفيفي في 20 نوفمبر عام 1918 ضمن أعضاء الوفد السبعة.
لعب مصطفى النحاس دورًا هامًا خلال ثورة 1919، وكان حينها يعمل قاضيًا بمحكمة طنطا ووكيلًا لنادي المدارس العليا.
ونظم مع عبد العزيز فهمي إضراب المحامين، كما كان وسيطًا بين لجنة الموظفين بالقاهرة واللجنة بطنطا، وكان يحمل المنشورات داخل ملابسه ويقوم بتوزيعها هو ومجموعته على أفراد الشعب
وفُصل النحاس من منصبه كقاضٍ نتيجة لنشاطه السياسي، وأصبح سكرتيرًا عامًا للوفد في القاهرة حتى عاد من باريس، حيث افتتح مكتبًا للمحاماة.
وعندما عُرض مشروع ملنر، وافق عليه عدد من ملاك الأراضي الزراعية داخل الوفد، الذين كانوا يشكلون 83% من الوفد، باعتباره أقصى ما يمكن تحصيله، بينما رأى سعد زغلول أن العرض غير مناسب بعد الثورة..
وفي 22 أغسطس عام 1920، كتب سعد زغلول إلى النحاس وواصف وعفيفي يعرض مشروع ملنر ومشكلة الامتيازات واستمرار الحماية البريطانية. وكان النحاس في القاهرة، بينما كان سعد في أوروبا، وكان من المفترض أن يعرض أعضاء الوفد في القاهرة والعائدون من الخارج المشروع على الشعب بحياد للتعبير عن رأيه..
وتلقى النحاس رسالة سعد، فعرض المشروع بحياد مطلق، ثم اقترح على الوفد كتابة التحفظات التي أبداها الشعب حول المشروع، بما يعني أن المشروع غير مقبول بشكله الحالي، وهو ما أدى إلى زيادة فاعلية شخصيته داخل الوفد، وليس باعتباره مجرد تابع لسعد زغلول..
أصبح النحاس الساعد الأيمن لسعد زغلول، وعُين في يوليو عام 1920 سكرتيرًا للجنة الوفد المركزية في القاهرة بعد اعتقال عبد الرحمن فهمي..
وبعد انضمامه إلى سعد زغلول في باريس، قدم إليه تقريرًا حول رأي الشعب في مشروع ملنر، ورافق زغلول إلى لندن في أكتوبر عام 1920، ثم نُفي مصطفى النحاس وسعد زغلول ومكرم عبيد وآخرون عام .1921.
وبعد وفاة سعد زغلول في 23 أغسطس 1927، اجتمع الوفد واختار مصطفى النحاس رئيسًا لحزب الوفد، ليصبح منذ ذلك الوقت زعيمًا للأمة، وكان سكرتير الوفد صديقه وشريكه مكرم عبيد.
وفي 17 نوفمبر من العام نفسه، وعند افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة لمجلس الأمة، انتُخب النحاس رئيسًا للمجلس خلفًا لسعد زغلول..
شكّل مصطفى النحاس الحكومة عدة مرات، وكانت أول وزارة له في 16 مارس 1928، وكانت وزارة ائتلافية ولم تدم طويلًا، ثم شكل وزارته الثانية في يناير 1930، والثالثة في 9 مايو 1936، والرابعة في أغسطس 1937، والخامسة في 4 فبراير 1942، والسادسة في 26 مايو 1942، والأخيرة في 12 يناير 1950، وأُقيلت في 27 يناير 1952 على إثر حريق القاهرة..
ووقع النحاس معاهدة 1936 مع إنجلترا، ثم ألغاها عام 1951، وقال حينها: "من أجل مصر، وقعت معاهدة 1936، ومن أجلها ألغيها"، لتندلع الأعمال الفدائية ضد الإنجليز في منطقة القناة..
وقاد النحاس المعارضة ضد سلطان القصر من عام 1936 إلى عام 1950، بينما كان القصر يلجأ إلى زعماء الأقلية لتكوين حكومات ائتلافية لإبعاد الوفد عن الحكم. كما خاصم أحمد حسنين وعلي ماهر وإبراهيم عبد الهادي، ودافع عن دستور 1923 ضد عسف إسماعيل صدقي عام .1930.
وتعرض النحاس إلى ست محاولات اغتيال، كانت أولها عام 1930 في المنصورة، بينما كانت المحاولة الأخيرة في نوفمبر عام 1948.
في 5 أبريل عام 1940، قدم مصطفى النحاس مذكرة إلى السفير البريطاني ليحملها إلى الحكومة البريطانية، طالب فيها بأن تصرح بريطانيا منذ ذلك الوقت بأن القوات البريطانية ستنسحب من الأراضي المصرية فور انتهاء الحرب، وأن تشارك مصر في مفاوضات الصلح، ويتم الاعتراف بحقوق مصر في السودان، وإلغاء الأحكام العرفية، وقوبلت المذكرة بارتياح كبير من فئات الشعب..
وفي يونيو 1940، أعلنت إيطاليا الحرب على الحلفاء منضمة إلى ألمانيا، وساءت العلاقة بين السفارة البريطانية ووزارة علي ماهر باشا المؤيدة للمحور..
وفي 22 يونيو 1940، وجهت السفارة البريطانية إنذارًا إلى الملك بأنه لا سبيل للتعاون مع علي ماهر باشا، ولوحت صراحة بإنزال الملك عن العرش ووضعه تحت الرقابة حتى لا يهرب.
وطلب الملك تشكيل وزارة ائتلافية، وأوفد وكيل الديوان الملكي عبد الوهاب طلعت إلى مصطفى النحاس، وكان حينها في المنوفية. ورفض النحاس الاشتراك في وزارة ائتلافية حتى لو كان رئيسًا لها، وطالب بتأليف وزارة محايدة يكون أول عمل لها حل مجلس النواب وإجراء انتخابات حرة، وانتهى الاجتماع دون اتفاق..
وشهدت بداية عام 1941 أزمة حادة في السلع التموينية، وبدأت طوابير الخبز، وأوشكت الأزمة أن تصل إلى حد المجاعة..
ومع وصول قوات روميل في الصحراء الغربية إلى العلمين بجوار الإسكندرية، خرجت مظاهرات في 2 فبراير 1942 تهتف بحياة روميل، وعجز حسين سري عن مواجهة الموقف فقدم استقالته..
وعندما استقالت وزارة حسين سري، طلب السفير البريطاني من الملك فاروق تأليف وزارة تحرص على الولاء للمعاهدة نصًا وروحًا، وقادرة على تنفيذها وتحظى بتأييد شعبي، وأن يتم ذلك في موعد أقصاه 3 فبراير 1942.
كرس مصطفى النحاس حياته لقضيتي الاستقلال والدستور، وقاد الكفاح ضد الاحتلال الإنجليزي، وشهدت فترة حكوماته نشاطًا في حركة الكفاح ضد الاحتلال في منطقة القناة، وسمحت الحكومة الوفدية بحمل السلاح..
كما رفضت حكومته مقترحات الدول الأربع بأن تكون القناة قاعدة لها، وأنشأت مجلس الدولة وديوان المحاسبة وديوان الموظفين، وأصدرت قانون استقلال القضاء.
وأقرت حكوماته مجانية التعليم الابتدائي والثانوي، والمجانية الفعلية للتعليم الجامعي وعدم حرمان أي طالب من الامتحان بسبب المصروفات، وأنشأت وزارة الاقتصاد الوطني، واهتمت بالتصنيع والاقتصاد الزراعي.
وشهدت الصحافة في عهده حرية لم يسبق أن شهدتها في حكومات أخرى، واستمر في كفاحه من أجل حماية الدستور.
وبعد ثورة يوليو 1952، اعتزل مصطفى النحاس العمل السياسي، وظل بعيدًا عن الحياة السياسية حتى وفاته عام 1965، وبرحيله أسدل الستار على مسيرة سياسية حافلة امتدت لعقود، ترك خلالها حضوره في عدد من أبرز التحولات السياسية والوطنية التي شهدتها مصر في النصف الأول من القرن العشرين .