أصبحت كاميرا الهاتف المحمول جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، بعدما تحولت من مجرد وسيلة لتوثيق اللحظات الخاصة والاحتفاظ بالذكريات، إلى أداة تُستخدم في تسجيل المواقف العامة ورصد الأحداث المختلفة.
ومع سهولة حمل الهاتف واستخدام الكاميرا في أي وقت ومكان، تغيرت أنماط سلوك الأفراد، وبرزت إشكاليات جديدة تتعلق بالخصوصية، والتصوير دون إذن، ونشر المقاطع، وما قد يترتب عليها من تشهير أو ابتزاز.
وفي هذا السياق، ترى الدكتورة نسرين البغدادي، أستاذ علم الاجتماع، أن انتشار كاميرا الهاتف أحدث تحولًا واضحًا في سلوك الأفراد وطريقة تعاملهم مع المواقف اليومية، مؤكدة أهمية وضع ضوابط واضحة تحكم استخدام التصوير، إلى جانب تنظيم العلاقة بين مقدم الخدمة ومتلقّيها.
وتقول الدكتورة نسرين البغدادي إن كاميرا الهاتف أحدثت تغيرًا كبيرًا في سلوك الفرد؛ فبعدما كانت وسيلة لتسجيل بعض الأحداث الخاصة والاحتفاظ باللقطات التي يفتخر الشخص بأنه التقطها بنفسه، أصبحت الكاميرا متاحة معه في مختلف الأماكن والأوقات، وهو ما دفع البعض إلى الدخول في منافسة مع المصورين المحترفين.
وتضيف أن الأمر تطور تدريجيًا من نطاق الاستخدام الخاص إلى المجال العام، فأصبحت بعض المواقف تُصوَّر لأشخاص دون علمهم أو معرفتهم، وفي بعض الحالات تحولت تلك المقاطع إلى وسيلة للتهديد أو الابتزاز، خاصة عندما يخشى أصحابها من انتشارها وتداولها على نطاق واسع.
وتشير أستاذ علم الاجتماع إلى أنه بعد وقوع العديد من الأزمات نتيجة التصوير العشوائي، ظهرت الحاجة إلى وضع قواعد تنظم عملية التصوير والنشر، وعلى رأسها احترام خصوصية الأشخاص والحصول على الأذونات اللازمة قبل نشر الصور أو المقاطع، مع تطبيق العقوبات المقررة قانونًا في حالات المخالفة.
وتوضح أن واقعة موظفة مكتب التأمينات كشفت عن العديد من الإشكاليات المتعلقة باستخدام كاميرات الهواتف في الأماكن العامة ومواقع تقديم الخدمات، بعيدًا عن الحكم على الموظفة أو إدانة تصرفها من عدمه، موضحة أن الفيديو الذي جرى تصويره عكس وجهة نظر صاحبه، وأظهر جانبًا من الواقعة، بينما لم يتضمن بدايات الحدث أو جميع تفاصيله.
وتطرح الدكتورة نسرين تساؤلًا مهمًا: أين الأدوات التي تنظم السلوك بين مقدم الخدمة والمستفيد منها؟
وترى أن الحل لا ينبغي أن يقتصر على التعامل مع الواقعة بعد حدوثها، وإنما يجب وضع آليات واضحة تسبق وقوع المشكلة، من خلال إعداد قائمة إرشادات توضح للمتعامل مع الجهة كيفية الحصول على الخدمة، والقنوات الشرعية التي يمكنه اللجوء إليها عند وجود تقصير، وفق خطوات واضحة ومتدرجة.
وتقترح إمكانية وضع فيديو توعوي قصير على شاشة في مدخل مكان تقديم الخدمة، يوضح للمواطن الخطوات والإجراءات المتبعة للحصول على الخدمة، وكذلك الآليات الرسمية التي يمكن اللجوء إليها في حال وجود تقصير أو عدم الحصول على الحق.
كما تؤكد أهمية وجود متابعة وإشراف مستمر داخل مواقع تقديم الخدمات، بهدف تذليل العقبات التي قد تواجه العملاء والتعامل مع المشكلات في بدايتها، قبل أن تتفاقم وتتحول إلى مشادات أو أزمات، مع ضرورة تعريف الموظف أيضًا بآليات التعامل مع شكاوى المواطنين والإجراءات المتبعة في هذه الحالات.
وتشدد على أن أسلوب الصوت المرتفع أو التعدي بالألفاظ من أي طرف أمر مرفوض، سواء صدر من مقدم الخدمة أو متلقيها، لأن تنظيم العلاقة بين الطرفين يجب أن يقوم على الاحترام المتبادل والالتزام بالقواعد.
وتؤكد الدكتورة نسرين أن الحفاظ على كرامة الموظف العام أمر واجب، فهو في النهاية مواطن يؤدي وظيفته في ظل ظروف قد تكون ذاتية أو موضوعية، وقد يتعرض لضغوط العمل في كثير من الأحيان، وهو ما يستدعي توفير بيئة عمل منظمة وآليات واضحة للتعامل مع المشكلات.
وفي المقابل، توضح أنه ليس من حق أي عميل الدخول إلى مجال العمل أو تصوير الموظفين خلسة ثم نشر المقاطع والتشهير بهم، خاصة إذا كان الهدف من التصوير هو الإدانة أو التشهير وليس توثيق واقعة في إطار قانوني سليم.
وتخلص أستاذ علم الاجتماع إلى أن تنظيم العلاقة بين مقدم الخدمة ومتلقّيها يتطلب الاعتماد على آليات واضحة ورسمية، بحيث يعرف كل طرف حقوقه وواجباته والقنوات التي يمكنه اللجوء إليها عند تعرضه للإساءة أو التقصير.
وبذلك، فإن مواجهة المشكلات داخل مواقع تقديم الخدمات لا ينبغي أن تتحول إلى مواجهة شخصية أو إلى تصوير سري ونشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما يجب أن يكون اللجوء إلى الآليات الرسمية هو القناة الأساسية لحماية حق العميل، وفي الوقت نفسه حماية الموظف إذا تعرض للاعتداء أو الإساءة أثناء أداء عمله.