لم يكن افتتاح سد ومحطة "جوليوس نيريري" الكهرومائية في تنزانيا مجرد مناسبة لافتتاح مشروع ضخم لتوليد الكهرباء، وإنما يمثل محطة كاشفة في مسار العلاقات المصرية الإفريقية، ودليلًا على أن أدوات الحضور المصري في القارة تتغير من الاكتفاء بالعلاقات السياسية والدبلوماسية إلى بناء شراكات تنموية واقتصادية أكثر عمقًا وتأثيرًا.
فالمشروعات الكبرى لا تقاس فقط بحجم ما تضيفه إلى البنية الأساسية للدولة التي تستضيفها، وإنما بما تخلقه من ثقة ومصالح متبادلة وشبكات تعاون طويلة الأجل.
ومن هذه الزاوية تحديدًا تكتسب المشاركة المصرية في مشروع "جوليوس نيريري" أهميتها الاستراتيجية.
فالمشروع، الذي نفذه تحالف مصري يضم شركتي "المقاولون العرب" و"السويدي إليكتريك"، يمثل نموذجًا لقدرة الخبرة والشركات المصرية على تنفيذ مشروعات استراتيجية كبرى داخل القارة الإفريقية، بما يفتح الباب أمام قراءة أوسع لدور مصر في إفريقيا، ليس باعتبارها دولة تقدم الدعم فقط، وإنما باعتبارها شريكًا قادرًا على صناعة التنمية.
من السياسة إلى اقتصاد المصالح
على مدى عقود، امتلكت مصر رصيدًا تاريخيًا مهمًا في إفريقيا، مستندًا إلى الجغرافيا والتاريخ والثقافة وعلاقات التحرر الوطني، فضلًا عن الدور المصري في دعم حركات الاستقلال والتعاون الإفريقي.
لكن التحولات التي شهدها النظام الدولي خلال العقود الأخيرة أعادت تعريف مفهوم النفوذ.
لم تعد العلاقات بين الدول تُبنى فقط على المواقف السياسية، وإنما أصبحت القدرة على الاستثمار ونقل التكنولوجيا وتنفيذ مشروعات البنية الأساسية وخلق فرص العمل جزءًا أساسيًا من أدوات التأثير.
وهنا يمكن قراءة "جوليوس نيريري" باعتباره نموذجًا لهذا التحول.
فالمشروع لا يقدم ل تنزانيا طاقة كهربائية فحسب، وإنما يقدم نموذجًا للخبرة المصرية القادرة على تنفيذ مشروعات استراتيجية معقدة في القارة.
وهذا النوع من الحضور أكثر استدامة من الحضور الموسمي المرتبط بزيارة رسمية أو مؤتمر أو اتفاقية تعاون.
لماذا تنزانيا؟ ولماذا شرق إفريقيا؟
تكتسب تنزانيا أهمية خاصة في الحسابات المصرية والإفريقية معًا.
فشرق إفريقيا يمثل منطقة ذات أهمية متزايدة في حركة التجارة العالمية، وفي أمن البحر الأحمر، وفي مستقبل القارة الاقتصادي، كما أن دول المنطقة ترتبط بدرجات مختلفة بمنظومة حوض النيل والقرن الإفريقي.
ومن ثم فإن توسيع العلاقات المصرية مع دول شرق إفريقيا لا يمكن فصله عن المصالح المصرية الأوسع في أمن البحر الأحمر، واستقرار القرن الإفريقي، وأمن المياه، والتجارة والاستثمار.
وهنا تتضح أهمية الانتقال من مفهوم "العلاقات الثنائية" إلى مفهوم أوسع هو التكامل الإقليمي.
فمصر لا تحتاج فقط إلى علاقات جيدة مع الدول الإفريقية، وإنما تحتاج إلى بناء شبكة من المصالح الاقتصادية والتنموية تجعل حضورها في القارة جزءًا من منظومة إقليمية متكاملة.
من النيل إلى روفيجي.. دلالة تتجاوز الجغرافيا
ولأن مشروع "جوليوس نيريري" يرتبط ب نهر روفيجي (Rufiji)، وهو أحد أهم الأنهار في تنزانيا، فإن الإشارة إليه تكتسب أهمية خاصة في قراءة المشروع.
فالسد ومحطة توليد الكهرباء أقيما على نهر روفيجي، الذي يجري في شرق تنزانيا ويصب في المحيط الهندي، ويشكل أحد الموارد المائية المهمة في البلاد.
ومن هنا تأتي دلالة عبارة "من النيل إلى روفيجي"، فالمقصود ليس المقارنة بين النهرين، وإنما الإشارة الرمزية إلى انتقال الخبرة المصرية في تنفيذ وإدارة مشروعات المياه والطاقة من بيئتها التاريخية المرتبطة بالنيل إلى فضاء إفريقي أوسع، عبر مشروع تنموي تنفذه شركات وخبرات مصرية على أرض تنزانيا.
وهنا تتجاوز المسألة حدود الجغرافيا لتصل إلى جوهر الدور المصري في إفريقيا: كيف تتحول الخبرة الوطنية إلى أداة لبناء شراكات تنموية جديدة؟
فمصر التي ارتبط تاريخها بالنيل، وتعرف أهمية المياه والطاقة في بناء الحضارات والمجتمعات، تستطيع أن توظف خبراتها الهندسية والتنموية في مشروعات إفريقية، بما يعزز مفهوم الشراكة التنموية بدلًا من علاقة المانح والمتلقي.
"جوليوس نيريري" ورسالة مختلفة في ملف المياه
يحمل المشروع كذلك دلالة خاصة بالنسبة لمصر، الدولة التي يمثل النيل بالنسبة إليها قضية وجودية.
وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين حق الدول الإفريقية في التنمية واستغلال مواردها الطبيعية، وبين ضرورة إدارة الأنهار العابرة للحدود بما يحفظ حقوق ومصالح جميع الدول المعنية.
إن تقديم مصر لنموذج تنموي ناجح في دولة إفريقية يمكن أن يفتح مساحة أوسع للحوار حول مفهوم التنمية المشتركة في القارة.
فالقضية ليست أن تتنمية دولة على حساب أخرى، وإنما كيف يمكن تحويل الموارد الطبيعية إلى عامل للتكامل بدلًا من أن تصبح مصدرًا للصراع.
وهذه فلسفة تحتاجها القارة الإفريقية بشدة، خصوصًا في ظل الضغوط المتزايدة على المياه والطاقة والغذاء.
القوة الناعمة.. عندما تتحدث المشروعات
اعتدنا أن ننظر إلى القوة الناعمة من خلال الثقافة والفنون والإعلام والتعليم.
لكن التجربة الإفريقية تفرض علينا توسيع هذا المفهوم.
فالدولة التي تستطيع أن تنفذ مشروعًا استراتيجيًا، وتدرب كوادر محلية، وتنقل خبراتها، وتوفر فرصًا للشركات الوطنية، وتخلق مصالح اقتصادية مشتركة، تمتلك نوعًا آخر من القوة الناعمة يمكن تسميته "قوة الإنجاز التنموي".
وهذا النوع من القوة لا يحتاج إلى كثير من الدعاية.
فالطريق يتحدث عن نفسه، و محطة الكهرباء تتحدث عن نفسها، و المشروع الزراعي أو المائي يتحدث عن نفسه.
ومن هنا فإن الاستثمار في الخبرة المصرية داخل إفريقيا يمكن أن يكون أحد أهم أدوات استعادة الحضور المصري في القارة.
من المساعدات إلى الشراكات
المطلوب في المرحلة المقبلة هو الانتقال بصورة أكثر وضوحًا من نموذج المساعدات إلى نموذج الشراكة التنموية والاستثمار المتبادل.
فإفريقيا اليوم ليست قارة فقيرة تنتظر المساعدة فقط؛ بل هي قارة تمتلك موارد طبيعية هائلة، وسوقًا استهلاكية ضخمة، وقوة بشرية شابة، وموقعًا استراتيجيًا يجعلها واحدة من أهم ساحات الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
وهذا يعني أن مصر مطالبة بتطوير رؤيتها الاقتصادية تجاه إفريقيا.
فوجود الشركات المصرية في القارة يجب ألا يقتصر على تنفيذ مشروعات محددة، وإنما ينبغي أن يتحول إلى استراتيجية متكاملة تشمل البناء والتشييد والطاقة والنقل والاتصالات والزراعة والصحة والتعليم والتدريب والصناعات الصغيرة والمتوسطة.
كما ينبغي دعم إقامة مشروعات مشتركة بين القطاع الخاص المصري ونظيره الإفريقي، بما يخلق مصالح اقتصادية مباشرة بين المجتمعات، وليس فقط بين الحكومات.
التنمية والأمن القومي.. معادلة واحدة
لم يعد من الممكن الفصل بين التنمية والأمن القومي.
فالفقر والبطالة وضعف البنية الأساسية وأزمات الطاقة والمياه والغذاء كلها عوامل يمكن أن تنتج عدم استقرار، والهجرة غير النظامية، والصراعات الداخلية، وتوسع نفوذ القوى الخارجية.
ومن ثم فإن دعم التنمية والاستقرار في إفريقيا لا يمثل عملًا خيريًا بالنسبة لمصر، وإنما هو استثمار مباشر في بيئتها الإقليمية وأمنها القومي.
فاستقرار شرق إفريقيا ينعكس على البحر الأحمر، وأمن البحر الأحمر يرتبط بحركة التجارة المصرية والعالمية، والاستقرار في دول حوض النيل يرتبط بمصالح مصر المائية والاستراتيجية.
وبذلك تصبح التنمية جزءًا من مفهوم أوسع للأمن القومي المصري.
هل يكفي "جوليوس نيريري"؟
رغم أهمية المشروع، فإن الرهان الحقيقي يبدأ بعد الافتتاح.
فالمطلوب ألا يتحول "جوليوس نيريري" إلى قصة نجاح منفردة، وإنما إلى نقطة انطلاق لاستراتيجية مصرية أوسع في إفريقيا.
وهذه الاستراتيجية تحتاج إلى عدة مسارات متوازية:
أولها: دعم الشركات المصرية القادرة على المنافسة في الأسواق الإفريقية.
وثانيها: ربط المشروعات التنموية بالاستثمار والتجارة، بحيث لا تنتهي العلاقة المصرية الإفريقية بانتهاء المشروع.
وثالثها: زيادة برامج نقل التكنولوجيا والتدريب وبناء القدرات المحلية.
ورابعها: توسيع الشراكات مع القطاع الخاص الإفريقي.
وخامسها: بناء جسور أقوى بين الدبلوماسية الرسمية والدبلوماسية الاقتصادية والشركات الوطنية والجامعات ومراكز البحث والإعلام.
فالقوة الحقيقية ليست في أن تنفذ مصر مشروعًا في دولة إفريقية، وإنما في أن يصبح هذا المشروع بوابة لمزيد من التعاون والمشروعات والمصالح المشتركة.
إفريقيا ليست ساحة نفوذ.. بل مجال شراكة
في عالم تتنافس فيه القوى الكبرى على الموارد والأسواق والممرات البحرية والنفوذ الجيوسياسي، أصبحت إفريقيا واحدة من أهم ساحات التنافس الدولي.
ومن الخطأ أن تنظر مصر إلى هذا التنافس باعتباره صراعًا على النفوذ فقط.
الأفضل أن تنظر إليه باعتباره فرصة لبناء شراكات إفريقية تقوم على المصالح المتبادلة، وتقديم الخبرة المصرية باعتبارها جزءًا من منظومة التنمية الإفريقية.
فالقارة لا تحتاج إلى قوى خارجية جديدة تمارس الوصاية عليها، وإنما تحتاج إلى شركاء يحترمون إرادة دولها ويستثمرون في قدراتها.
وهنا تمتلك مصر ميزة مهمة: الجغرافيا والتاريخ والثقافة والخبرة والقدرة على التواصل مع إفريقيا دون أن تكون قوة استعمارية سابقة فيها.
وهذه ميزة يمكن البناء عليها، إذا اقترنت بالقدرة الاقتصادية والتكنولوجية والتنموية.
ما بعد "جوليوس نيريري"
ربما تكون القيمة الحقيقية للمشروع في السؤال الذي يطرحه للمستقبل، وليس فقط في الإنجاز الذي يحتفل به الحاضر.
ماذا بعد جوليوس نيريري؟
إذا كانت الإجابة هي المزيد من المشروعات، والمزيد من الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وتدريب الشباب الإفريقي، وتعميق التجارة، وربط المصالح المصرية بالمصالح الإفريقية، فإننا نكون أمام تحول حقيقي في مفهوم الدور المصري.
أما إذا ظل المشروع حالة منفردة، فسوف نفقد جزءًا كبيرًا من قيمته الاستراتيجية.
إن "جوليوس نيريري" ليس مجرد سد ومحطة كهرباء على نهر روفيجي.
إنه نموذج يمكن أن يعيد تعريف العلاقة المصرية الإفريقية من خلال التنمية، من قوة التاريخ إلى قوة الإنجاز، ومن التضامن إلى الشراكة، ومن الحضور السياسي إلى المصالح المشتركة.
فمصر لا تعود إلى إفريقيا، فهي لم تغادرها أصلًا.
لكنها اليوم تعيد اكتشاف أدوات حضورها فيها، وتؤكد أن أحد أقوى الجسور التي يمكن أن تصل بها إلى إفريقيا هو جسر التنمية.