هذا فيلم من أفضل وأذكى أفلام موسم 2026، ولولا بعض الملاحظات على سيناريو الفيلم، بالذات فى النصف الأول منه، لكان فى مكانة أكبر وأعلى، ولكنه رغم الملاحظات يمتلك تلك الجاذبية عبر مزيج من خفة اللعب والضحك، وعمق المعالجة والمعنى، حيث تكمن وراء حكايته فكرة مصالحة مدهشة بين "الناس اللي فوق" و"الناس اللي تحت"، أو بين الأغنياء والفقراء، أو كما اصطلح على التسمية الأحدث بين "أهل مصر"و"أهل إيجبت" !
الفيلم بعنوان "محمود التاني" من تأليف إياد صالح وإخراج عبد العزيز النجار وإنتاج طارق الجنايني، وبطولة الثنائي أحمد بحر (كزبرة) و أحمد غزّي ، وإياد وطارق وبحر وغزّي هم صنّاع الفيلمين المميزين والناجحين نقديا وجماهيريا " الحريفة 1" و" الحريفة 2"، والخط المحوري فى هذين الفيلمين صعود مجموعة من الفقراء بسبب مهارتهم الكروية، وفي الجزءين ينحاز إياد صالح للفقراء، ويراهم كنوزا تحتاج إلى من يكتشفهم، كما أنه يطرق فكرة الفوارق الطبقية، التي ستسيطر على موضوع " محمود التاني ".
الفكرة ليست جديدة، ففي العام 2001 عُرض فيلم كوميدي هام بعنوان "الرجل الأبيض المتوسط" من إخراج شريف مندور، وبطولة أحمد آدم وعزت أبو عوف، وكان مقتبسا من الفيلم الأمريكي " nothing to lose" من إنتاج 1997، ولكن علاقة الرجل الفقير والرجل الثري، بسبب وقوعهما فى محنة، بدت كما لو كانت مصرية أيضا، خاصة عندما يتحالفان معا فى النهاية، فيصبح الوطن أفضل، وقد يستغني عن المعونة، وكان تعبير "الرجل الأبيض المتوسط" على طرافته تعبيرا عن ظروف الطبقة الوسطى التي صارت لا تمتلك أبيض أو أسود، مع أن أحمد آدم فى الفيلم كان أفقر من أن يكون ابنا للطبقة الوسطى.
معالجة إياد صالح قادمة أيضا من نفس المنبع، ولكن بمعالجة أكثر ذكاء، فالفقير عامل البنزينة (أحمد بحر)، والغني صاحب الشركة (أحمد غزّي) يتشاركان فى الاسم الثلاثي محمود مصطفى خلف، والاثنان فى أزمة لأسباب مختلفة: محمود الفقير فقد أمواله التي دفعها للسفر إلى الخارج، وصار مديونا، وغير قادر على الزواج من فتاة ارتبط بها، و محمود الغني غير المهتم بثروته، تعرّض للنصب من شريكه نزار (تامر هجرس)، الذي استغل توكيل محمود الثري له.
يتم تطوير الحدث إلى حيلة اصطنعها نزار لكي يقوم محمود الفقير بدور محمود الثري، حتي تتم صفقة بيع الشركة للصينيين، بينما يجد محمود الثري نفسه فى مصر القديمة، وسط أولاد البلد، ويحاول أن يبدأ من جديد، وبينما يرتبط محمود الفقير بمنسقة الشركة واسمها ميريت (جنا الأشقر)، يكتشف محمود الثري الحب مع خبيرة تجميل بنت بلد تدعى نوال ( كارولين عزمي ).
لن يلتقي محمود الثري ومحمود الفقير إلا بالصدفة فى منتصف الفيلم فى أحد المطاعم الشعبية، وعندما يدرك الثري والفقير أنهما ألعوبة فى يد نزار، يتحالفان ضده معا، ومعهما ميريت ونوال، ويتأكد التحالف بعد أن يتغير محمود الثري ومحمود الفقير، وبعد أن يجدا أشياء مشتركة بينهما، فيعملان معا، وتذوب المسافات لأول مرة بين الاثنين، ويصبح تشابه الاسم بينهما ترجمة لتشابهات لم يكن كل طرف يعرفها من قبل.
هنا فكرة بديعة لم تفلت أبدا، وبناء جيد بشكل عام، باستثناء طول فترة تقديم أحوال محمود الثري ومحمود الفقير، وبينما كانت مواقف محمود الفقير حيوية ومدهشة، فإن مواقف محمود الثري كانت باردة وعادية، كما أن مسألة رغبة الصينيين شراء الشركة بدت كمشكلة مفتعلة لتفجير العلاقة بين محمود الثري وشريكه نزار، ومن ناحية ثالثة فإن معرفة محمود الثري بنوال بدت أيضا مفتعلة، خاصة فى حادثة السيارة التي وقعت له، والتي كانت يمكن أن تقتله، لا أن تأخذه مصابا بكدمات الى المستوصف، فيتعافى بسهولة !
ولكن الفيلم سرعان ما استرد قوّته فى الجزء الثاني منه، سواء بإدارة الأحداث فى عالم محمود الفقير الجديد، أو فى عالم محمود الثري داخل الحارة وورشة الجلود، ثم براعة اللقاء بالصدفة بين محمود الفقير والثري، والذي يتحوّل فيما بعد الى تحالف، وخطة مشتركة للتلاعب بنزار، ردا على تلاعبه بالمحمودين.
أجمل ما فى المعالجة أنها لا تقدم نماذج نمطية سواء للغني أو للفقير، محمود الفقير يريد أن يهرب من الفقر، ولكنه يرفض أن يبيع نفسه، ويتغيّر تماما عندما يكتشف مؤامرة نزار ضد محمود الثري، وهذا الثري الذي يبدو كسولا وغير مبال، يتغيّر عندما يصبح فى مأزق، وعندما يجد من يحبونه، وهو ليس خاليا من الموهبة، بل هو خبير كمبيوتر نبيه ومتفوق، وبدلا من أن يسمع عن الفقراء، فإنه يعرفهم مباشرة، ويستفيد من محبتهم ومساعدتهم.
فى خانة الأثرياء نزار الذي يستخدم اللغة الإنجليزية فى عباراته، والذي يبدو غير منتم إلا لنفسه، وأقرب إلى نصّاب دولي، هذا هو الثري الذي يدينه الفيلم، بينما ينحاز الى رأسمالية تنتج وتشغّل .
هكذا أيضا ينتهي الفيلم فى أحداثه، أو ربما فى أحلامه، فليس مستحيلا أن تكون هناك جسور بين محمود الغني ومحمود الفقير، إذا عادت الرأسمالية إلى نماذجها المنتجة، التي تفيد وتستفيد، بعيدا عن شركات التسليف والتوريط فى الديون، كما كان يحدث فى شركة نزار.
بالإضافة إلى ذلك، فإن مواقف كثيرة كوميدية كانت ناجحة، بالذات فى اكتشاف محمود الفقير لعالم الثراء، وعلاقته مع تطبيق ذكي ينفذ له طلباته، أو فى شعور الغيرة بين نوال وميريت، وعلاقة الحب بين محمود الثري ونوال بنت البلد، وإلى حد كبير كانت لعبة النهاية متقنة، وكأننا من جديد أمام استفادة مصرية من طريقة أفلام أوشن و"مهمة مستحيلة"، ولكن فى سياق وتفاصيل مختلفة وذكية.
من عناصر النجاج بالتأكيد اختيار أحمد بحر فى دور الفقير، و أحمد غزّي فى دور الثري، بحر بالذات فى ملعبه تماما، ملأ الشخصية حضورا وخفة ظل، وإلى حد ما انضبطت معظم تعبيراته وحركاته، والتي كانت تخذله أحيانا، هذا الدور هو ألأفضل له حتى الآن، ولكني ما زلت أراه يحتاج الى مزيد من التدريب.
كارولين وجنا أيضا كانتا جيدتين، وكذلك تامر هجرس بطريقته المصنوعة والمفتعلة والمتعالية، الشخصية فعلا مصنوعة ومستفزة، واختيار تامر لها كان موفقا.
عبد العزيز النجار مخرج مميز، تمنيت فقط أن يكون استخدام القطعات المونتاجية السريعة والقافزة أقل بكثير، وأن يكون إيقاع بعض المشاهد أبطأ وأهدأ، أحيانا لم أكن أعرف ماذا يقول الممثلون باللغة العربية، فألجأ إلى الترجمة الإنجليزية على الشريط !
لا يفوتنى التنويه إلى ظهور ضيف الشرف نور النبوي فى مشهد واحد تحية لزملائه الذين شاركوه فى بطولة فيلم "الحريفة" بجزءيه، هذا الظهور بالمناسبة من أظرف وأذكى أدوار ضيوف الشرف فى الأفلام المصرية فى السنوات الأخيرة.
"محمود التاني" بمعالجته الجيدة صار أيضا حكاية مصرية خالصة، تدعونا إلى التفكير، مثلما تضحكنا على تناقضات "الناس اللي فوق" و"الناس اللي تحت"، ثم تقترح مصالحة ممكنة وضرورية فى النهاية بين "أهل مصر" و"أهل إيجبت"، بعد أن يتغيّر الطرفان إلى الأفضل.