تحولت الخيمة إلى جاليرى، يجلس فيه فتيات بين أصابعهن فرشاة، تعيد بناء جدران على لوحات بيضاء، قد أسقطها الاحتلال، تستعيد داخل هذه الجدران حياة غاب عنها الأهل والأحباب، وتجرى الفرشاة على اللوحات كطفل برئ، ترسم ألوانًا وظلالاً تبعث فى نفوسهن الأمل فى غد أفضل، هكذا جعلت فنانات غزة من معاناتهن أسلوبا للمقاومة، وفى الزمن الماضى دعا فريدريك نيتشه إلى تحويل الألم إلى قوة إبداعية، والسيرة الإنسانية عبر التاريخ ترصد حكايات عن مبدعين عمالقة صنعتهم المعاناة، والفنان فان جوخ أحد أشهر هؤلاء المبدعين، جعل من ألمه وفقره فرشاة، خط بها أعظم لوحاته الفنية مثل "عباد الشمس"، و"ليلة النجوم".
وهذا أبو علاء المعري لم يحرمه العمى من تأليف عبقريته رسالة الغفران، ويتلقف دانتى فكرة رسالة المعرى، ويكتب مؤلفه الكوميديا الإلهية ، ويشهد العصر الحديث طباعة رسالته لأكثر من نسخة، وكان أشهرها النسخة التى حققتها الدكتورة عائشة عبد الرحمن، ونقلب صفحة المعرى، ونقرأ فى صفحة ثانية سطورًا عن معاناة الكاتب الروسى دوستويفسكي ، وكيف عاش يكابد آلامه من المرض والفقر؟ وجسد ألمه فى قلمه وطوعه بين أصابعه، وبدأ يخط به رواية " الأخوة كارامازوف " وغيرها من أعماله الخالدة، وكلما تصفحنا أوراق التاريخ يطالعنا رواد وعباقرة جعلوا من معاناتهم سلمًا للصعود إلى القمة.
ومن أرض بلدنا نبت مبدعون عظماء، عاصرتهم المعاناة، ووصلت نخبة منهم إلى العالمية، وتركوا جميعًا تراثًا مازالت تتنقله أجيال وراء أجيال، يتجلى من بينهم شيخ الملحنين سيد مكاوى ابن السيدة زينب، لم يعوقه فقد بصره عن تألقه فى عالم الموسيقى والغناء، وصدحت سيدة الغناء العربى بعمله الرائع يا مسهرنى، وأعقبه الموسيقار عمار الشريعى، وكان فقدان بصره سببا فى تفوقه على أبناء جيله، وأثبت الواقع أن الصدمات دائما ما تولد العزيمة فى النفوس، وتولد فى العقول أفكارًا تتميز عن الآخرين، والمبدع المتفرد قد يكون خلفه جرح كبير لم يلتئم، يتسامى بإبداعاته فوق آلامه، ولذا ينتشر فنه بسرعة، وتتلقاه قاعدة كبيرة من المتلقين، يلامس قلوبهم، وأحيانا تدفع معاناة المبدع اللجوء إلى الزهد والابتعاد عن ضجيج الحياة، ليتمكن من إنتاج إبداع يأخذ الألباب.
ولا يعنى دائمًا أن يرتبط الفن الناجح بمعاناة الفنان، فقد يكون انعكاسا لمعاناة آخرين، والفن.. إن المعاناة يشكل غالبًا رؤية إنسانية يتوحد معها المتلقى، ويتعاطف معها، وتؤثر فى إدراكه، وتصوب وعيه، وللفن وظيفة أخرى، هى توثيق التجارب الإنسانية بحلوها ومرها، ومعاناة المبدع تجعله ينزف على الورق، وتجبره على محاكاة درامية أشبه بالملحمة، يصور فيها الأمل والأصرار على السير إلى الأمام، هكذا فنانات غزة يملؤهن عزيمة البقاء.