أكد السفير الدكتور علي صالح موسى، القائم بأعمال مندوب اليمن الدائم لدى جامعة الدول العربية سابقًا، أن الأمين العام الجديد للجامعة العربية نبيل فهمي يواجه مرحلة دقيقة تتطلب تطوير آليات العمل العربي المشترك واستعادة الثقة في دور المنظمة باعتبارها «بيت العرب»، مشددًا على أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في إصدار مزيد من البيانات والقرارات، وإنما في تحويل القرارات إلى خطوات عملية على أرض الواقع.
وأوضح موسى أن مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري قرر، خلال اجتماعه في الأردن يوم 22 يونيو 2026 وبتفويض من القادة العرب، تعيين الدبلوماسي المصري المخضرم نبيل فهمي أمينًا عامًا للجامعة لمدة خمس سنوات اعتبارًا من يوليو 2026، خلفًا لأحمد أبو الغيط، الذي تولى قيادة المنظمة لمدة عشر سنوات.
وأشار إلى أن اختيار فهمي في هذا التوقيت يحمل دلالة سياسية تتجاوز الجانب الإجرائي، باعتباره رسالة تستهدف دعم التضامن العربي، خاصة أن التعيين جاء بتفويض من القادة العرب في ظل تعذر انعقاد القمة العربية، وهو ما منحه شرعية سياسية واسعة.
وأشار السفير علي صالح موسى إلى أن الجامعة العربية تمتلك رصيدًا كبيرًا من القرارات والمخرجات منذ تأسيسها عام 1945، إذ صدر عن مجالسها وقممها ما يقارب 13 ألف قرار، من بينها نحو 926 قرارًا على مستوى القمم الاعتيادية، وأكثر من 9 آلاف قرار على مستوى وزراء الخارجية، إلى جانب أكثر من 2500 قرار للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، فضلًا عن مئات البيانات.
وأضاف أن الجامعة تضم شبكة مؤسسية واسعة تتجاوز عشرين منظمة واتحادًا متخصصًا، إلى جانب المجالس الوزارية واللجان الفنية والسياسية، بما يعكس حجم العمل العربي المشترك وتنوع مجالاته.
وأكد أن الإشكالية لا تكمن بالضرورة في ضعف نشاط الجامعة، وإنما في طبيعة مخرجاتها وآليات تنفيذها، موضحًا أن قاعدة الإجماع المتوارثة منذ ميثاق الجامعة جعلت تنفيذ كثير من القرارات مرتبطًا بمواقف الدول الأعضاء، وهو ما أدى في العديد من الملفات إلى تحول القرارات إلى نصوص يصعب ترجمتها إلى إجراءات عملية.
ولفت إلى أن الجامعة، بحكم طبيعتها كمنظمة حكومية تنسيقية، تعكس بدرجة كبيرة توازنات النظام العربي وانقساماته، ولا تمتلك أدوات إلزامية تمكنها من فرض قراراتها على الدول الأعضاء، ولذلك فإن معيار فاعليتها لا ينبغي أن يكون عدد القرارات الصادرة عنها، وإنما حجم ما يتحول من هذه القرارات إلى التزام وتنفيذ فعلي.
وأوضح موسى أن الجانب الوظيفي للجامعة العربية ظل أكثر حيوية من الجانب السياسي، مشيرًا إلى أن المنظمات والاتحادات العربية المتخصصة حققت نتائج ملموسة في مجالات التمويل والتعليم والنقل والاتصالات والزراعة والعمل والتنمية الإدارية.
وأشار إلى دور مؤسسات مثل صندوق النقد العربي، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، ومنظمة العمل العربية، والمنظمة العربية للتنمية الإدارية، والمركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة، والمؤسسة العربية للاتصالات الفضائية، في دعم العمل العربي المشترك.
وأكد أن نجاح هذه المؤسسات يرتبط بطبيعة الملفات التي تعمل عليها، والتي تكون فيها مساحة تضارب المصالح السيادية أقل مقارنة بالقضايا السياسية والأمنية، وهو ما يفسر الفارق بين الأداء الوظيفي والأداء السياسي للمنظمة.
وأشار إلى أن منظومة العمل العربي المشترك تضم نحو 18 مجلسًا وزاريًا متخصصًا تغطي مجالات اقتصادية واجتماعية وأمنية متعددة، بينها النقل والكهرباء والمياه والسياحة والبيئة والصحة والشباب والسكان، إلى جانب مجالس العدل والداخلية والإعلام والأمن السيبراني.
وأضاف أن هذه المنظومة تتكامل مع لجان وزارية وسياسية وفنية تتولى متابعة عدد من الملفات العربية، من بينها القضية الفلسطينية وسوريا والسودان ومبادرة السلام العربية وملف سد النهضة، إلى جانب اللجان الفنية الدائمة التي ترفع توصياتها إلى المجلس الوزاري.
وأكد أن اتساع هذه المنظومة وتنوع مؤسساتها يمثلان مصدر قوة للعمل العربي المشترك، إلا أنها تحتاج في الوقت نفسه إلى تحديث آليات الحوكمة وربط النشاط المؤسسي بنتائج قابلة للقياس.
وأوضح السفير علي صالح موسى أن فكرة إصلاح الجامعة العربية ليست جديدة، بل طُرحت على مدار عقود، وتجددت ضمن مسارات إصلاحية كان من بينها مشروع قرار قمة الجزائر عام 2022، الذي أكد أهمية تطوير منظومة العمل العربي المشترك.
وأشار إلى أن المقترحات المطروحة للإصلاح تشمل مراجعة ميثاق الجامعة، وتطوير آليات اتخاذ القرار، وترشيد الإنفاق، وتعزيز دور الأمانة العامة، وتطوير نظام القمم العربية، إلى جانب بحث مقترحات تتعلق بالانتقال من الإجماع إلى آليات أكثر فاعلية في اتخاذ القرارات، وإنشاء أطر عربية لتعزيز الأمن الجماعي.
ولفت إلى أن الإصلاح لا ينبغي أن يقتصر على الجانب السياسي، وإنما يجب أن يمتد إلى الأجنحة الفنية، من خلال إعادة هيكلة اللجان، ومعالجة تداخل الاختصاصات بين المنظمات، وتطوير آليات عمل المجالس الوزارية المتخصصة، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في دعم صناعة القرار، فضلًا عن تطوير أداء المجلس الاقتصادي والاجتماعي
وأكد موسى أن نبيل فهمي حدد في رسائله الأولى ضرورة تطوير آليات عمل الجامعة بما يتواكب مع التحولات الدولية والإقليمية، وتعزيز التشاور والتنسيق العربي لمواجهة الأزمات وتحويل التحديات إلى فرص.
ويرى السفير أن الأولوية الأساسية أمام الأمين العام الجديد تتمثل في استعادة الثقة السياسية في الجامعة، بحيث تتحول من مجرد منصة لإصدار البيانات إلى مؤسسة قادرة على بناء التوافق وإدارة الخلافات العربية بصورة أكثر فاعلية.
وتوقع أن تشمل المرحلة المقبلة تعزيز انتظام اجتماعات وزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، وتطوير أدوات الإنذار المبكر، وتوظيف التكنولوجيا في دعم القرار، وربط العمل العربي المشترك بملفات التنمية والطاقة والأمن الغذائي والمائي.
كما أشار إلى أهمية تنويع الشراكات الدولية وعدم حصر الخيارات العربية في شريك واحد، بما يتيح تعزيز التعاون مع القوى الدولية والإقليمية المختلفة، ومنها روسيا والصين والدول الأفريقية، والاستفادة من التحولات في النظام الدولي.
واختتم السفير علي صالح موسى بالتأكيد على أن جامعة الدول العربية تظل إطارًا لا غنى عنه للعمل العربي المشترك، لما تمثله من مظلة سياسية تحفظ فكرة «البيت العربي» وتوفر منصة للتنسيق والتشاور بين الدول الأعضاء.
وشدد على أن التحدي أمام نبيل فهمي لا يتمثل في زيادة عدد القرارات أو البيانات، وإنما في تحويل الجامعة من مؤسسة تعكس الانقسامات العربية إلى أداة تساعد على تجاوزها، مؤكدًا أن نجاح الإصلاح سيقاس بقدرة الدول العربية على تحويل القرار إلى فعل حقيقي على الأرض، باعتبار أن تطوير الجامعة في جوهره قرار سياسي قبل أن يكون قرارًا إداريًا أو مؤسسيًا.