تستعيد مدينة دورهام، شمال شرق إنجلترا، أحد معالمها الثقافية بعد نحو 10 سنوات من إغلاقه، مع افتتاح متحفها الجديد الذي يحول المبنى الذي كان يضم متحف مشاة دورهام الخفيف ومعرضها الفني إلى مساحة للفن المعاصر، تحتضن أعمالا لفنانين من أبرز الأسماء في بريطانيا والعالم، وذلك عقب مشروع تطوير بلغت تكلفته 17 مليون جنيه إسترليني.
وافتتح المبنى أبوابه للجمهور أمس الأول، ليقدم تجربة تجمع بين التاريخ العسكري والفن المعاصر في المكان نفسه. ويضم طابقا كاملا مخصصا لعرض قصص عسكرية بطريقة تركز على التجارب الإنسانية، فيما يخصص الطابق العلوي، الذي تبلغ مساحته 500 متر مربع، للفن المعاصر، في محاولة لمنح المدينة مؤسسة ثقافية قادرة على استقطاب جمهور أوسع.
تأتي إعادة افتتاح المتحف في وقت تحاول فيه مدن ومناطق خارج لندن تعزيز حضورها الثقافي والفني، بعد سنوات شهدت خلالها مناطق عدة في بريطانيا افتتاح مؤسسات فنية كبرى خارج العاصمة. ومن بين هذه المؤسسات مركز للفن المعاصر افتتح في غيتسهيد عام 2002، ومتحف افتتح في ميدلسبره عام 2007، إلى جانب مؤسسات أخرى في كولشيستر ويكفيلد. ويرى القائمون على المشروع أن وجود مؤسسة فنية بهذا الطموح في شمال شرق إنجلترا يمكن أن يساعد في مواجهة تمركز كثير من الفرص الإبداعية في لندن.
ويرى توني غيلان المدير الفني الجديد للمؤسسة، بحسب تقرير لصحيفة «الجارديان» البريطانية ، أن قصة المتحف ترتبط بمشكلة أكبر تواجه الصناعات الإبداعية في بريطانيا، وهي اضطرار كثير من العاملين في هذا المجال إلى الانتقال للندن بحثا عن الفرص. وكان غيلان نفسه قد غادر منطقة تاينسايد في سن 18 عاما للعمل في لندن، حيث عمل في مؤسسات فنية وثقافية قبل أن يعود إلى شمال شرق إنجلترا.
ويحمل المعرض الافتتاحي طموحا واضحا في تقديم الفن المعاصر من خلال أعمال لفنانين من بينهم تريسي إمين، وستيف ماكوين، وأولافور إلياسون، إلى جانب الفنان الأمريكي دان فلافين، والفنان الأمريكي من أصول كوبية فيليكس غونزاليس-توريس، الذي توفى عام 1996 عن عمر 38 عاما.
ومن بين الأعمال المعروضة عمل لغونزاليس-توريس عن أول استخدام له لمصابيح الضوء، وعمل لدان فلافين بعنوان «عمل بلا عنوان» من عام 1987، إلى جانب عمل للفنان ستيوارت هايغارث يتكون من 62 غطاء لمصابيح زجاجية قديمة.
وتقول ناتاشا هاوز، التي تولت تنسيق المعرض الافتتاحي، إنها حرصت على منح مساحة أكبر للفنانات وللفنانين من مجتمعات الأغلبية العالمية، في محاولة للابتعاد عن النمط الذي تهيمن فيه أعمال الفنانين الرجال البيض على كثير من المعارض. وتشير إلى رغبتها في تقديم معرض يعكس تنوعا أكبر في الأصوات والخلفيات الفنية.
ولا تقتصر مهمة المؤسسة على تقديم الفن المعاصر، إذ يحتفظ المبنى بجزء مخصص للتاريخ العسكري للمنطقة، ويضم هذا القسم قصصا وتجارب مرتبطة بالجنود، في محاولة لتقديم التاريخ العسكري بطريقة إنسانية، بدلا من الاكتفاء بعرض القطع والمقتنيات.
يأتي هذا التوجه في وقت تشهد فيه مدينة دورهام ومقاطعتها تحولات سياسية، إذ يشير تقرير «الجارديان» إلى أن حزب الإصلاح البريطاني أصبح القوة السياسية المسيطرة في المقاطعة بعد الانتخابات المحلية لعام 2024، بعدما كان حزب العمال يهيمن على المشهد السياسي فيها.
ويقول غيلان إن دور المؤسسة لا يتمثل في تجنب القضايا المثيرة للجدل، بل في توفير مساحة يمكن من خلالها مناقشة الموضوعات الصعبة، ومن بينها الهجرة، موضحا أن الفن بطبيعته يمكن أن يكون مثيرا للجدل، وأن المتحف يريد أن يكون مكانا يستطيع فيه الجمهور والفنانون والسياسيون وقيادات المجتمع مناقشة القضايا المختلفة.
لكن إعادة افتتاح المبنى تأتي أيضا بعد تاريخ من الجدل؛ فقد أغلق المتحف سابقا أبوابه قبل نحو 10 سنوات، في قرار أثار غضبا محليا، قبل أن تبدأ عملية تطوير المبنى وتحويله إلى مؤسسة تجمع بين التاريخ العسكري والفن المعاصر. واستغرقت عملية التطوير سنوات، ووصلت تكلفتها في النهاية إلى 17 مليون جنيه إسترليني.
ويحاول المشروع، من خلال المعرض الافتتاحي، وضع الفن المعاصر في قلب مؤسسة إقليمية جديدة، مع الاستفادة من أسماء فنية معروفة لجذب الجمهور إلى المدينة. وتأتي أعمال تريسي إمين وستيف ماكوين وغيرهما لتمنح الافتتاح ثقلا فنيا، بينما يراهن القائمون عليه على أن وجود مؤسسة بهذا الحجم في شمال شرق إنجلترا يمكن أن يخلق فرصا جديدة للفنانين والعاملين في المجال الثقافي بعيدا عن لندن.
ويوضح غيلان أنه من المخطط أن يكون المتحف جزءا من الحياة الثقافية المحلية، لا مجرد مؤسسة تعرض أعمالا فنية لفترة محدودة.
وبين التاريخ العسكري الذي يحمله المبنى، والأعمال المعاصرة التي تستقبل الجمهور مع إعادة افتتاحه، تسعى دورهام إلى تحويل مكان أغلق أبوابه قبل 10 سنوات إلى مساحة جديدة للحوار حول الفن والمجتمع والهوية، في وقت ما تزال فيه لندن تستحوذ على جانب كبير من النشاط الثقافي والإبداعي في بريطانيا.