جوتيريش: 266 مليون شخص يواجهون انعداما حادا في الأمن الغذائي

جوتيريش: 266 مليون شخص يواجهون انعداما حادا في الأمن الغذائيجوتيريش: 266 مليون شخص يواجهون انعداما حادا في الأمن الغذائي

عرب وعالم26-8-2026 | 11:22

أكد الأمين العام للأمم المتحدة، "أنطونيو جوتيريش"، أن ما لا يقل عن 266 مليون شخص واجهوا انعداما حادا في الأمن الغذائي العام الماضي، في وقت سجل العالم فيه أكبر عدد من الصراعات المسلحة منذ الحرب العالمية الثانية، جاء ذلك في إحاطته في مستهل جلسة لبرنامج الأغذية العالمي بشأن "النظم الغذائية الحيوية.

وبحسب مركز إعلام الأمم المتحدة، فإنه وللمرة الأولى في هذا القرن، سُجِلت ظروف المجاعة في مكانين في آن واحد يشملان مناطق في السودان وغزة. وبات الصراع والعنف المحركين الرئيسيين للجوع في 12 من أصل 13 بؤرة ساخنة للجوع.

وأشار "جوتيريش" إلى أن جغرافيا الجوع تتبدل، حيث يمكن بشكل متزايد أن تؤدي ضربة صاروخية لميناء أو هجوم على سفينة شحن إلى رفع أسعار الغذاء في مناطق تبعد آلاف الأميال.

وتعد منطقة البحر الأسود مثالا على ذلك، إذ إن روسيا وأوكرانيا من كبار مصدري الحبوب. وأدت الهجمات المتصاعدة إلى تعطيل شريان حيوي لتجارة الغذاء العالمية. ووفقا لبرنامج الأغذية العالمي، انخفضت شحنات الحبوب عبر مضيق البوسفور بنسبة 40% مقارنة بالعام السابق.

في الوقت نفسه، أدت الهجمات على السفن التجارية إلى عرقلة حركة التجارة عبر البحر الأحمر. كما تأثر مضيق هرمز - الذي تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية وثلث تجارة الأسمدة - بالقيود وعمليات الإغلاق التي دفعت أسعار السلع إلى الارتفاع.

بدوره، وصف المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي "كارل سكاو" هذا الوضع بأنه أزمة تطال ثلاثة ممرات بحرية استراتيجية. وتنتقل آثار الاضطرابات في هذه المناطق عبر أسواق الطاقة والأسمدة والغذاء المترابطة، مما يحوّل الحروب البعيدة إلى أعباء وتكاليف متزايدة تتحملها الدول التي تعتمد بشكل كبير على الواردات.

وبالنسبة للدول الغنية، قد يعني ذلك ارتفاعا في الأسعار. أما بالنسبة للدول التي تعاني أصلا من أوضاع هشة، فقد يعني ذلك تقليص عدد الوجبات الغذائية.

وعن السودان، قال "سكاو" إن تكاليف الغذاء الأساسي ارتفعت بنسبة تقارب 40% منذ شهر فبراير. وتنعكس زيادة أسعار الوقود على عمليات الري والنقل والطحن، في حين تهدد الاضطرابات في صادرات الأسمدة مواسم الزراعة في أنحاء أفريقيا وآسيا، مما يعني أن العواقب الكاملة للصراعات الراهنة قد لا تتضح إلا عند حلول مواسم الحصاد المستقبلية.

ووفقاً لـ "سكاو" تؤدي الصراعات إلى تدمير المزارع والأسواق وطرق الإمداد، وتجبر الناس على النزوح من ديارهم. غير أن الجوع قد يجعل المجتمعات النازحة والفقيرة أكثر عرضة للاستقطاب والتجنيد من قِبل الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية.

ويعد الصومال مثالا صارخا ومأساويا لهذا الوضع، حيث أوضح "سكاو" بأن ستة ملايين شخص - أي نحو ثلث السكان - يواجهون جوعا حادا أو أوضاعا أسوأ، بينما يعاني ما يقرب من مليوني طفل من سوء التغذية الحاد أو الوخيم. ومع ذلك، لا يقدم برنامج الأغذية العالمي المساعدة إلا لنحو 600 ألف شخص، أي ما يعادل واحدا فقط من كل عشرة أشخاص يواجهون الجوع الحاد. وفي الأسبوع الماضي، حال القتال الدائر في مدينة بيدوا دون وصول الوكالة إلى نحو 5000 طفل لتقديم المساعدات الغذائية لهم.

وحذر المسؤول الأممي من أنه عندما تعجز الأسر عن توفير الغذاء، فإن اليأس قد يخلق فرصا للجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية لتجنيد الشباب المستضعفين.

يعكس هذا الحلقة المفرغة بين النزاع المسلح وانعدام الأمن الغذائي التي أقر مجلس الأمن بوجودها رسميا عام 2018، حين اعتمد بالإجماع القرار رقم 2417 بشأن الصراع والجوع. وبعد مرور سبع سنوات، قال أمين عام الأمم المتحدة إن "هذه الحلقة المفرغة لا تزال مستمرة".

لا تكمن المشكلة في المقام الأول في عملية التشخيص. فقد طوّر المجتمع الدولي أنظمة لرصد الجوع والتنبؤ بوقوع المجاعات، لكن المعضلة تكمن فيما يحدث بعد صدور التحذير.

قال المدير بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي إن المجاعة التي ضربت الصومال بين عامي 2010 و2012 أودت بحياة ما يقرب من 260 ألف شخص، كان نصفهم تقريبا من الأطفال. وفي المقابل، لم تصل الأزمات اللاحقة - في عامي 2017 و2022 - إلى المستوى الكارثي ذاته، ويعزى ذلك جزئيا إلى تكثيف المساعدات قبل استفحال المجاعة. وأكد "سكاو" أن السودان يمثل نموذجا معاكسا، إذ كانت مؤشرات الخطر واضحة، لكن المجتمع الدولي أخفق في اتخاذ إجراءات حاسمة.

وبدوره، حث أمين عام الأمم المتحدة مجلس الأمن على حماية المزارع وشبكات المياه والأسواق ومرافق التخزين والموانئ وطرق الإمداد، وعلى ضرورة الاستجابة قبل أن يتجاوز الجوع العتبة الرسمية ليتحول إلى كارثة.

وقال جوتيريش: "لا يمكننا الانتظار حتى يتم التأكيد رسميا على وقوع المجاعة أو الظروف الكارثية. أدعو هذا المجلس إلى التحرك بمجرد أن تومض أضواء التحذير".

ويأتي هذا التحذير في وقت تتقلص فيه الآليات المصممة للحيلولة دون حدوث الجوع، إذ تواجه الوكالات الإنسانية تزايدا في الحروب وأعداد النازحين وتعطلا في طرق التجارة، بموارد أقل.

ووفقاً للأمين العام، تشير هذه الأزمات مجتمعة إلى تطور خطير في العلاقة بين الحرب والجوع، حيث باتت النظم الغذائية ذاتها - بما تشمله من مزارع وموانئ وأسواق ومرافق تخزين وطرق شحن - تقع بشكل متزايد في خضم صراعات تتجاوز تداعياتها الاقتصادية حدود ساحات المعارك بكثير. والنتيجة هي مفارقة مقلقة. فقد أصبح العالم أكثر قدرة على التنبؤ بمواقع الجوع، لكنه في الوقت ذاته أصبح أقل قدرة - أو أقل رغبة في منع وقوعه.

أضف تعليق