اطمئنوا.. بهذه الرسالة بدأ الرئيس عبد الفتاح السيسي كلمته، الأسبوع الماضي، خلال الاحتفال الذي أقامته وزارة الأوقاف بمناسبة المولد النبوي الشريف .
لم تكن كلمة «اطمئنوا» مجرد رسالة عابرة ، وإنما جاءت فى توقيت بالغ الأهمية ، فى ظل حالة من الفوضى التي يشهدها المشهد على منصات التواصل الاجتماعي، ومحاولات مستمرة من بعض القوى التي تسعى إلى استغلال الأزمات والانقضاض على الوطن، ليس بهدف إصلاحه، وإنما لإرباكه وإضعافه وتدميره من الداخل.
مشهد يبدو فى ظاهره عشوائيًا، لكنه فى بعض جوانبه تحكمه محاولات منظمة تستهدف وعي المصريين ، وتراهن على استغلال أي أزمة أو مشكلة لإحداث حالة من القلق والشك وفقدان الثقة.
وهنا تصبح اليقظة ضرورة، ويصبح الوعي هو خط الدفاع الأول، حتى لا ينزلق المجتمع إلى حالة من الفوضى يكون ظاهرها الرحمة، بينما تخفي فى داخلها الكثير من المخاطر.
ففي الوقت الذي حرصت فيه خلايا وقوى تستهدف الدولة المصرية على نشر الأكاذيب والتضليل وتشويه الصورة فى الداخل، كانت هناك تحركات أخرى تستهدف الضغط على الدولة من الخارج، ظنًا منها أن بإمكانها إرباك المشهد أو خلخلة النظام وتحريك الشارع نحو الفوضى من جديد.
مرة يأتي الحديث عن الأزمات والسلع و ارتفاع الأسعار ، ومرة أخرى تظهر تصريحات بشأن مشروعات لإنشاء سدود جديدة على نهر النيل، بعد إنشاء سد النهضة.
وفى الوقت نفسه، تتحرك صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، بعضها أُنشئ خصيصًا لهذا الغرض، وتعمل باللغة العربية على ترويج معلومات مضللة ومحاولات للتأثير السلبي على العلاقات الشعبية والرسمية التي تربط مصر والسودان.
كل هذه التحركات ربما راهن أصحابها على أن الدولة المصرية لا تراها أو أنها غير منتبهة لها، لكن الحقيقة أن الدولة التي تدير ملفاتها وفق رؤية شاملة لا يمكن أن تغيب عنها مثل هذه التحركات، خاصة عندما ترتبط بأمنها القومي واستقرارها.
الأخطر أن استمرار بعض الأطراف فى انتهاج سياسة « فرض الأمر الواقع » يهدد بإشعال المنطقة، فى وقت لم يعد فيه هذا الأسلوب مقبولًا، ولا يمكن السماح بتحويله إلى قاعدة تحكم العلاقات بين الدول.
(1) جاءت كلمة الرئيس لتكشف جانبًا مهمًا من قوة الدولة المصرية، وهو المتابعة الدقيقة لما يجري على الأرض، سواء ما يتم الإعلان عنه أو ما لا يتم الإعلان عنه.
فأجهزة الدولة ومؤسساتها تعمل فى حالة من الجاهزية واليقظة المستمرة تجاه كل ما يتعلق بالأمن القومي المصري.
وقال الرئيس: "اسمحوا لي بمناسبة جمعنا الكريم اليوم أن أطمئنكم مجددًا بشأن يقظة الدولة المصرية بكافة أجهزتها إزاء كل ما يتعلق بأمننا القومي، كما أؤكد على أننا نبذل قصارى الجهد للنهوض بالدولة وتطويرها فى كافة المجالات، ونسعى بشكل حثيث وبإخلاص لتحسين ظروف معيشة المواطنين.
وهنا؛ أؤكد أن القوات المسلحة المصرية على أتم الجاهزية والاستعداد للدفاع باقتدار عن مصر ومقدراتها ضد أي تهديد خارجي، وإنني أتابع عن كثب وبشكل مباشر ومستمر، مستويات الجاهزية القتالية والكفاءة الميدانية.
ولم يكن اهتمامي حكرًا على مؤسستنا العسكرية، بل يمتد إلى باقي شؤون الدولة؛ لتحسين الأوضاع ووضع حلول جذرية للمشكلات المتراكمة والموروثة عبر العقود، وكذلك العمل باستمرار على علاج ما يظهر من صعوبات أو قصور عند أداء الخدمات للمواطنين".
هذه الكلمات حملت رسالة واضحة: صانع القرار يدرك تفاصيل المشهد ويتابعها عن قرب، ومن ثم فإن التحرك لا يأتي عشوائيًا، وإنما يستند إلى قراءة للمخاطر والتحديات.
فالقاعدة بسيطة؛ لا يمكنك مواجهة تهديد لا تدرك حجمه، ولا تستطيع التعامل مع تحدٍّ لا تعرف تفاصيله.
ويقظة الدولة وإدراك مؤسساتها لما يدور حولها، هما أحد أهم مصادر قوتها فى مواجهة التهديدات والتغلب على التحديات.
ومن هنا جاءت إشارة الرئيس إلى جاهزية القوات المسلحة واستعدادها القتالي لتنفيذ المهام الموكلة إليها، والدفاع عن مقدرات الدولة المصرية بكفاءة واحترافية.
هذه الجاهزية لا تأتي من فراغ، وإنما هي نتاج منظومة متكاملة من التدريب والتخطيط والتحديث المستمر، وهي منظومة نشهد جانبًا منها فى التدريبات العسكرية المختلفة التي تنفذها القوات المسلحة، والتي يشارك فى متابعتها ويشهد جانبًا منها ملحقون عسكريون من دول شقيقة وصديقة.
ووفقًا لخطة التدريب السنوية، يتم الإعداد لهذه التدريبات بعناية، بما يضمن الحفاظ على أعلى مستويات الكفاءة والجاهزية، والاستفادة من التطور المتواصل فى نظم التسليح والمعدات داخل مختلف الأسلحة والأفرع.
وهنا لا بد من التأكيد على ثابت مصري لا يتغير: القوة ليست هدفًا فى حد ذاتها، وإنما وسيلة لحماية الدولة ومقدراتها.
فالتدريبات العسكرية والمشروعات التدريبية المشتركة لا تستهدف أحدًا ولا تحمل تهديدًا لأحد، وإنما تأتي فى إطار الحفاظ على الجاهزية القتالية، حتى تكون القوات المسلحة قادرة على تنفيذ أي مهمة تُكلف بها، فى الزمان والمكان اللذين تحددهما القيادة، ووفقًا لمتطلبات الأمن القومي المصري.
ولعل ما قامت به القوات الجوية المصرية فى 26 مايو 2017 يمثل نموذجًا واضحًا على أهمية الجاهزية والاستعداد.
ففي أعقاب الحادث الإرهابي الغادر الذي استهدف عددًا من المواطنين بمحافظة المنيا ، نفذت القوات الجوية المصرية ضربات مركزة نهارًا وليلاً ضد تجمعات للعناصر الإرهابية داخل الأراضي الليبية، بعد التنسيق والتدقيق الكامل للمعلومات.
وشاركت تشكيلات من المقاتلات متعددة المهام فى تنفيذ العملية، التي استهدفت مناطق تمركز وتدريب العناصر الإرهابية المشاركة فى التخطيط والتنفيذ للحادث، وأسفرت عن تدمير الأهداف المخططة، لتعود نسور قواتنا الجوية إلى أرض الوطن بعد تنفيذ مهامها بنجاح.
هذا النموذج يؤكد أن الجاهزية ليست مجرد شعار، وإنما قدرة حقيقية على التحرك عندما تفرض الظروف ذلك.
إن استمرار التطوير والتحديث ورفع مستويات الجاهزية القتالية داخل القوات المسلحة يجعلها قادرة على تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واحترافية.
ومصر فى هذا السياق تنتهج سياسة واضحة للجميع؛ فهي لا تهدد ولا تعتدي، لكنها فى الوقت نفسه لا تقبل العدوان أو المساس بأمنها ومقدراتها.
مصر لا تبحث عن المواجهة.. لكنها لا تخشاها إذا فُرضت عليها.
ولأن القوة العسكرية لا تكتمل إلا بجبهة داخلية قوية ومتماسكة، جاء اهتمام الرئيس فى كلمته بتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، ووضع حلول جذرية للمشكلات المتراكمة والموروثة عبر عقود، والعمل على علاج أي قصور أو صعوبات تظهر فى الخدمات المقدمة للمواطنين.
(2) قوة الجبهة الداخلية وتماسكها كان، خلال السنوات الماضية، أحد أهم عناصر صمود الدولة المصرية أمام محاولات الفوضى والاستهداف من الداخل.
ولهذا ظل الرئيس يؤكد، فى مناسبات عديدة، أن تماسك المصريين وثقتهم فى دولتهم ومؤسساتها يمثلان عنصرًا أساسيًا من عناصر قوة الدولة.
ومن هنا جاءت التوجيهات السبع التي أعلنها الرئيس خلال كلمته، باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لرسالة «اطمئنوا» التي بدأ بها حديثه.
فالتوجيه الخاص بإعداد تقرير شامل عن الإنجازات الفعلية التي تحققت فى مختلف قطاعات الدولة خلال السنوات الماضية، وعرضه على المواطنين خلال شهر أكتوبر المقبل، لا يمثل مجرد حصر للأرقام والمشروعات، وإنما يفتح الباب أمام المواطن لمعرفة حجم ما تم إنجازه، وحجم الأموال التي تم إنفاقها، والنتائج التي تحققت على الأرض.
وهنا تكمن أهمية الخطوة فى مواجهة الشائعات والأكاذيب.
فما تحقق خلال 12 عامًا ليس بالأمر الهين، ولا يمكن اختزاله فى مجموعة أرقام أو صور لإنفوجرافات تستعرض عدد المشروعات أو تكلفتها أو القطاعات التي شملتها.
الحكاية أكبر من ذلك بكثير.
المطلوب أن يرى المواطن الصورة الكاملة؛ كيف بدأت المشروعات؟ ولماذا تم تنفيذها؟ وما التحديات التي واجهتها؟ وما الذي حققته بالفعل؟ وما العائد الذي تستهدفه الدولة منها خلال السنوات المقبلة؟
فوراء كل مشروع قصة، ووراء كل قرار تحديات، ووراء كل عملية تطوير دراسات ورؤى شارك فيها متخصصون وعلماء وخبراء مصريون.
ولهذا أراها «حكاية الجمهورية الجديدة»، وهي حكاية يجب أن يعرف المواطن تفاصيلها، لا أن يرى فقط بدايتها ونهايتها.
لقد تحمل الشعب المصري، على مدى أكثر من عقد، تبعات عملية إصلاح اقتصادي واسعة، ومن حقه أن يعرف أين ذهبت ثمار هذا التحمل، وما الذي تحقق نتيجة هذه الإصلاحات.
خاصة أن الدولة المصرية واجهت خلال هذه السنوات سلسلة من الأزمات العالمية والإقليمية التي لم تكن لمصر وحدها، بدءًا من جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية وأزمة سلاسل الإمداد، وصولًا إلى تداعيات أحداث السابع من أكتوبر 2023 والحرب فى غزة، وما ترتب عليها من تأثيرات اقتصادية وأمنية وسياسية على المنطقة، ثم التطورات اللاحقة فى الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني.
كل هذه الأزمات جاءت فى وقت واحد تقريبًا، وضغطت على اقتصادات العالم والمنطقة، وكان على الدولة المصرية أن تواجه تداعياتها وتحافظ فى الوقت نفسه على قدرتها على الاستمرار.
ولولا ما تم اتخاذه من إجراءات وإصلاحات خلال السنوات الماضية، لكانت قدرة الدولة على التعامل مع هذه الصدمات أكثر صعوبة.
ومن هنا تأتي أهمية التوجيهات الرئاسية التي وضعت المواطن فى قلب عدد من الملفات اليومية.
ففي ملف المواطنين والمطورين العقاريين، جاء التوجيه بضرورة الحفاظ على حقوق المواطنين ومواجهة أي ممارسات تضر بمصالحهم.
وفى ملف الكهرباء، جاء التوجيه بمراجعة التقديرات الجزافية لفواتير الكهرباء، والعمل على تسهيل السداد، فى رسالة واضحة بضرورة التعامل مع شكاوى المواطنين والبحث عن حلول تخفف عنهم.
أما التوجيه الرابع، فقد جاء إلى وزارة التموين والتجارة الداخلية لضبط الأسواق والأسعار، من خلال التوسع فى إنشاء المنافذ الحكومية، بحيث يوجد على الأقل منفذ فى كل مركز، بهدف توفير السلع بأسعار مناسبة للمواطنين وتشديد الرقابة على الأسواق.
ثم جاء التوجيه الخامس إلى وزارة النقل، بضرورة الانتهاء من المشروعات، ووضع الإرشادات اللازمة على الطرق، مع تكثيف الحملات المرورية لتحقيق الانضباط فى الشارع، وضبط المخالفات وسرعة اتخاذ الإجراءات القانونية تجاهها.
أما التوجيه السادس، فكان من نصيب وزارة التنمية المحلية، التي طالبها الرئيس بضرورة المتابعة الميدانية على الأرض، وفتح قنوات مباشرة للتواصل مع المواطنين، والاستماع إلى شكاواهم واستفساراتهم، وشرح الحقائق لهم، وتسهيل الخدمات المقدمة، والوقوف على المشكلات والعمل على حلها، مع ضمان المحاسبة الصارمة للمخالفين.
ثم جاء التوجيه السابع ليضع القاعدة الأهم: سيادة القانون.
فالرئيس شدد على كل مسؤول فى موقعه بضرورة إنفاذ القانون بمنتهى الحسم، مؤكدًا :فلا موضع بيننا لفاسد، ولا مجاملة لمن يتلاعب بحقوق الشعب، أو يعبث بمقدرات هذا الوطن العظيم. هنا تتضح الصورة كاملة.
التوجيهات السبع لم تكن مجرد تعليمات منفصلة لعدد من الوزارات، وإنما جاءت فى إطار رؤية واحدة تقوم على أن قوة الدولة تبدأ من حماية أمنها القومي، ولا تكتمل إلا بحماية المواطن وصون حقوقه وتحسين مستوى الخدمات المقدمة إليه.
رسالة «اطمئنوا» إذن لم تكن مجرد عبارة لتهدئة المخاوف، وإنما كانت رسالة إلى الداخل والخارج بأن الدولة المصرية تعرف ما يدور حولها، وتتابع تفاصيله، وتمتلك أدوات التعامل معه.
وفى الوقت نفسه، كانت رسالة إلى الحكومة بأن المواطن هو محور العمل، وأن الإنجاز الحقيقي لا يقاس فقط بما يتم بناؤه أو افتتاحه، وإنما بما يشعر به المواطن فى حياته اليومية.
وكانت رسالة إلى كل مسؤول بأن المنصب مسؤولية، وأن خدمة المواطن واجب، وأن القانون لا يعرف المجاملة.
وفى النهاية، فإن قوة الدولة المصرية لا تقوم على مؤسساتها العسكرية والأمنية وحدها، رغم أهميتها، وإنما تقوم أيضًا على قوة جبهتها الداخلية ، وثقة المواطن فى دولته، وقدرة مؤسساتها على الاستماع إليه والاستجابة لمشكلاته.
اطمئنوا.. هذه كانت رسالة الرئيس.
دولة يقظة تعرف حجم التحديات، وجيش جاهز للدفاع عن الوطن، ومؤسسات مطالبة بالعمل، وقانون يجب أن يسري على الجميع، ومواطن يجب أن يكون دائمًا فى قلب الاهتمام.
وتلك هي المعادلة التي تصنع دولة قوية.. وتحمي وطنًا.. وتصون مستقبل شعب.