أكد المستشار حسام الدين علام، مؤسس مبادرة القانون وبناء السلام، أن تعاليم رسول الإسلام محمد ﷺ تقدم منهجًا متكاملًا لبناء السلام، يقوم على الرحمة والعدل والإصلاح وحفظ اللسان واحترام الكرامة الإنسانية، مشددًا على أهمية قراءة السنة النبوية قراءة معاصرة تربط الهدي النبوي باحتياجات الإنسان والمجتمع في العصر الحديث.
وقال علام، في مقال بعنوان «تعاليم رسول الإسلام ﷺ لبناء السلام: قراءة معاصرة»، إن إحياء ذكرى مولد النبي محمد ﷺ يمثل مناسبة لاستحضار القيم التي يمكن أن تسهم في مواجهة التوترات والنزاعات، وإعادة الخلاف إلى ميزان العدل، وجعل الكلمة وسيلة للإصلاح، وتعزيز الثقة بين الأفراد والمؤسسات والمجتمعات.
وأوضح أن السلام في معناه العملي هو حالة من الأمن والطمأنينة والعدل تتيح للإنسان أن يعيش بكرامة، ويدير خلافاته بإنصاف، ويحافظ على علاقاته من الانهيار، مشيرًا إلى أن بناء السلام يشمل الجهود الرامية إلى منع التوتر من التحول إلى نزاع، ومعالجة أسباب الخصومة، وتقوية الثقة، وفتح أبواب الإصلاح بين الأفراد والجماعات.
وأشار إلى أن الرحمة تمثل أساسًا متينًا لبناء السلام، مستشهدًا بقول الله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ»، وقول النبي ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ».
ولفت إلى أن الرحمة في بناء السلام تعني فهم الإنسان قبل الحكم عليه، وفهم معاناته ومخاوفه قبل تفسير مواقفه باعتبارها عداوة، مؤكدًا أن الإنصات وخفض التوتر والاعتراف بالمعاناة تمثل مداخل أساسية للحوار والوساطة، وهي معانٍ يجد لها الإنسان أصلًا أخلاقيًا عميقًا في الهدي النبوي.
وأكد علام أن العدل هو ميزان السلام الصادق، مستندًا إلى قول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ»، وقول الرسول ﷺ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»، موضحًا أن نصرة الظالم تكون بمنعه من الظلم.
وأضاف أن السلام المستدام يحتاج إلى الإنصاف ومواجهة الظلم وحماية المظلوم، معتبرًا أن الهدي النبوي يقدم مفهومًا إصلاحيًا يقوم على حماية الضحية، وفي الوقت نفسه مساعدة المخطئ على التوقف عن الضرر والعودة إلى الصواب.
وأشار مؤسس مبادرة القانون وبناء السلام إلى أن إصلاح ذات البين يمثل نموذجًا اجتماعيًا راقيًا للوساطة، مستشهدًا بقول الله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»، وقول النبي ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قالوا: بلى، قال: «صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ».
وأوضح أن الإصلاح بين الناس يحافظ على تماسك المجتمع ويمنع التمزق، كما يتطلب مهارات في الاستماع وفهم النفوس وضبط اللسان وحسن تقدير المصالح واحترام الحق، بما يجعله مجالًا يمكن الاستفادة منه في تدريب الوسطاء والمربين وقادة المجتمع والعاملين في المبادرات الأهلية.
وأكد علام أن حفظ اللسان يمثل إحدى أهم قواعد الوقاية من النزاع، مستشهدًا بقول الرسول ﷺ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»، وقوله ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
وأشار إلى أن الكلمة قد تكون بداية للأذى قبل تحوله إلى فعل، خاصة في عصر الإعلام الرقمي، حيث يمكن للشائعات والسخرية والتحريض والاتهامات المتعجلة أن تُحدث أضرارًا واسعة خلال دقائق.
وشدد على أهمية وجود مسؤولية أخلاقية في الخطاب الإعلامي والرقمي، مؤكدًا أن الإعلاميين والمعلمين والوعاظ ومستخدمي منصات التواصل بحاجة إلى الوعي بأثر الكلمة وضرورة التحقق منها قبل نشرها.
ولفت إلى أن القرآن الكريم يؤسس لرؤية إنسانية واسعة تقوم على التعارف واحترام التنوع، مستشهدًا بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»، إلى جانب قول النبي ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
وأوضح أن بناء الثقة بين المجتمعات يبدأ من إزالة الصور النمطية وتوسيع دائرة المعرفة المتبادلة وتربية الأفراد على الإنصاف، مؤكدًا أن محبة الخير للآخرين تجعل الإنسان أكثر استعدادًا للعدل وأقل قابلية للتحريض وأكثر قدرة على التعايش.
وخلص علام إلى عدد من المبادئ التي يمكن استلهامها من الهدي النبوي في بناء السلام، أبرزها:
1. الرحمة: باعتبارها طاقة عملية لفهم الإنسان وخفض التوتر وفتح أبواب الإصلاح والمصالحة
2. العدل: باعتباره أساس استدامة السلام وحماية المظلوم ومواجهة الظلم.
3. إصلاح ذات البين: بوصفه نموذجًا أصيلًا للوساطة المجتمعية والعمل الأهلي والتربية الأسرية.
4. حفظ اللسان: باعتباره وسيلة للوقاية من الكراهية والتحريض والشائعات والعنف اللفظي، سواء في الواقع أو الفضاء الرقمي
5. التعارف ومحبة الخير: كأساس للتماسك الاجتماعي واحترام التنوع وبناء الثقة بين الناس.
واختتم مؤسس مبادرة القانون وبناء السلام بالتأكيد على أن تعاليم الرسول محمد ﷺ تمثل موردًا أخلاقيًا وإنسانيًا يمكن للمؤسسات والباحثين والمربين والوسطاء والعاملين في خدمة المجتمع الاستفادة منه، مشيرًا إلى أن القراءة المعاصرة المنضبطة للسنة النبوية تكشف عن منظومة متكاملة في الرحمة والعدل والإصلاح وحماية الكلمة واحترام الكرامة الإنسانية، بما يساعد على الانتقال من مجرد إدارة النزاعات إلى معالجة أسبابها وبناء الثقة وتعزيز السلوك المسؤول في الحياة اليومية.