السيد بدير.. رحلة فنان جمع بين التمثيل والكتابة والإخراج

السيد بدير.. رحلة فنان جمع بين التمثيل والكتابة والإخراج السيد بدير

فنون30-8-2026 | 09:04

تمر اليوم ذكرى رحيل الفنان والكاتب والمخرج السيد بدير، بعد مسيرة فنية امتدت لنحو نصف قرن، تنقل خلالها بين التمثيل والتأليف والإخراج والعمل الإذاعي والمسرحي، وتولى عددا من المناصب الثقافية، ليترك وراءه تجربة فنية متعددة الأوجه ارتبط جانب كبير منها بالحياة الاجتماعية والشخصيات الشعبية.

ولد السيد بدير في 11 يناير عام 1915 بقرية أبو الشقوق، التابعة لمركز كفر صقر بمحافظة الشرقية، وحصل على شهادة البكالوريا عام 1932، ثم التحق بكلية الطب البيطري، لكنه لم يستمر في دراسته، واختار أن يتجه إلى المجال الفني الذي كان شغوفًا به منذ سنواته الأولى.

وقبل أن يصبح أحد الأسماء المعروفة في الوسط الفني، عمل أمينا لمكتبة قضايا الحكومة بمجلس الدولة، ثم انتقل إلى قسم الدعاية بوزارة الصحة، قبل أن يتجه إلى الإذاعة المصرية، حيث عمل مخرجا، ثم أصبح كبير المخرجين، وتدرج بعد ذلك في عدد من المناصب الإدارية والثقافية، وصولا إلى رئاسة مؤسسة السينما والمسرح والموسيقى بدرجة وكيل وزارة.

بدأ حضور السيد بدير في السينما خلال ثلاثينيات القرن الماضي، وكانت من بداياته فيلم «تيتاوونج» عام 1937، ثم توالت مشاركاته في أعمال سينمائية مختلفة، قبل أن تتسع دائرة حضوره بين التمثيل والكتابة ، عندما اكتشف المخرج صلاح أبو سيف موهبته في الكتابة وأسند إليه أعمالا في السيناريو والحوار، ليبدأ مسارا طويلًا في هذا المجال.

أما شهرته الواسعة كممثل، فارتبطت بصورة خاصة بشخصية «عبد الموجود»، ابن كبير الرحيمية قبلي، التي قدمها في أعمال عدة، وتمكن من خلالها من تكوين شخصية شعبية ذات ملامح خاصة، جمعت بين خفة الظل والتلقائية، حتى أصبح الدور من العلامات التي ارتبط بها اسمه في ذاكرة جمهور السينما المصرية.

من أبرز الأعمال التي ارتبط اسم بدير بكتابتها «حكم القوي» عام 1951، و«الأسطى حسن» عام 1952، و«حميدو» و«بائعة الخبز» و«جعلوني مجرما» إلى جانب «فتوات الحسينية» عام 1954 ، «شباب امرأة» و«رصيف نمرة 5» عام 1956 وغيرها من الأعمال التي أصبحت من الأفلام المعروفة في تاريخ السينما المصرية. كما كتب لأعمال تعاون فيها مع عدد من كبار المخرجين، من بينهم حسن الإمام وعاطف سالم ونيازي مصطفى.

وامتد نشاطه الكتابي إلى مراحل لاحقة، فشارك في كتابة أعمال من بينها «سر طاقية الإخفاء» عام 1959، و«أنا حرة» في العام نفسه، و«بين السما والأرض» عام 1960، و«رسالة من امرأة مجهولة» عام 1962، و«عائلة زيزي» و«صاحب الجلالة» عام 1963، وصولًا إلى «السلخانة» عام 1982، الذي كان من آخر أعماله السينمائية في الكتابة.

اتجه السيد بدير إلى الإخراج في منتصف الخمسينيات، وكانت البداية من المسرح، قبل أن ينتقل إلى السينما ويقدم عددًا من الأفلام التي حملت أسلوبه الخاص في التعامل مع المواقف والشخصيات، ومن أبرز تجاربه الإخراجية «المجد» عام 1957، «كهرمان» 1958، و«أم رتيبة» 1959، و«سكر هانم» 1960، «العبيط» 1966، «حب وخيانة» 1968، و«حسناء المطار» عام 1971، قبل أن يختتم تجاربه السينمائية في الإخراج بفيلم «أرملة ليلة الزفاف» عام 1974.

كان للإذاعة مكانة خاصة في تجربة السيد بدير، ولم يقتصر دوره فيها على الإخراج، بل امتد إلى التأليف وتقديم الأعمال الدرامية والبرامج. وتذكر المصادر أنه كتب وأخرج آلاف التمثيليات والأعمال الإذاعية، كما تولى في عام 1947 منصب كبير مخرجي الإذاعة، ثم أصبح مستشارًا لها عام 1952، ومستشارا للتليفزيون عام 1960 مع بداية إرساله ، ومن أشهر برامجه الإذاعية «شخصيات تبحث عن مؤلف»، الذي اعتمد على تقديم شخصيات ومهن مختلفة في قالب درامي، بما أتاح له الاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية وتقديمها بصورة تجمع بين المعلومة والطابع التمثيلي.

كما ترك بصمة في المسرح تأليفا وإخراجا، وارتبط اسمه بعدد كبير من المسرحيات، من بينها «صاحب الجلالة» و«الست عايزة كده» و«جوزي كداب» و«الكورة مع بلبل»، ثم واصل نشاطه المسرحي في مراحل لاحقة، وكان من آخر أعماله المسرحية «عائلة سعيدة جدا» عام 1985.

إلى جانب نشاطه الفني، تولى السيد بدير عددا من المناصب الإدارية في المؤسسات الفنية ؛ فعين مديرا عاما للهيئة المصرية العامة للمسرح والسينما والموسيقى بدرجة وكيل وزارة، ثم تولى رئاستها، في إطار انتقاله من العمل الإبداعي إلى المشاركة في إدارة المؤسسات الثقافية والفنية.

وحصل خلال مسيرته على عدد من الأوسمة وشهادات التقدير، من أبرزها وسام الجمهورية عام 1957، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1975، وجائزة الدولة للجدارة الفنية عام 1977، إلى جانب شهادات تقدير من جمعية كتاب ونقاد السينما وفناني الشاشة الصغيرة، وجمعية فن السينما المصرية، ونقابة المهن السينمائية، والإذاعة المصرية، والجمعية العربية للفنون ، كما حصل على وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى عام 1986.

وعن حياته الشخصية، تزوج السيد بدير في بداية حياته من إحدى قريباته، وأنجب منها عددا من الأبناء، من بينهم العالم سعيد بدير، عقيد مهندس بالقوات الجوية ومتخصص في مجال الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية، والذي توفى عام 1989 بعد وفاة والده بثلاث سنوات، وتردد آنذاك أنه تعرض للاغتيال، وظلت وفاته محاطة بالجدل.

ثم تزوج الفنانة شريفة فاضل، وأنجب منها ابنين، استشهد أحدهما خلال حرب أكتوبر عام 1973، وهو ما ترك أثرا بالغا في حياة الأسرة، وارتبطت تلك المأساة لاحقًا بأغنية «أم البطل» التي غنتها شريفة فاضل لابنها الشهيد.

واصل الراحل نشاطه الفني والإداري حتى سنواته الأخيرة، وظل حاضرا في أكثر من مجال ، حتى رحل عن عالمنا في 30 أغسطس 1986، عن عمر ناهز 71 عاما، ولكنه ظل حاضرا من خلال مسيرة جمعت بين الكلمة والصورة والصوت والمسرح، وأسهمت في تشكيل جانب من ملامح الفن المصري في القرن العشرين ، وبينما تتغير الأجيال والأذواق، تبقى أعماله شاهدة على فنان اختار أن يترك أثره في أكثر من مساحة، فظل اسمه جزءا من ذاكرة السينما والمسرح والإذاعة المصرية.

أضف تعليق

7 توجيهات رئاسية.. الرئيس ينتصر للمواطن

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان