أكد السفير علي صالح موسى، القائم بأعمال مندوب اليمن الدائم لدى جامعة الدول العربية سابقًا، أن التحضيرات التي سبقت إنشاء جامعة الدول العربية أظهرت اضطلاع مصر بدور محوري في قيادة المشاورات العربية، من خلال إجراء اتصالات منفردة مع الحكومات العربية، بهدف استطلاع مواقفها بشأن الوحدة والتعاون العربي، والعمل على تقريب وجهات النظر تمهيدًا لعقد اجتماع عربي مشترك في مصر.
وأوضح السفير الدكتور علي صالح موسى أن التحرك المصري جاء بعد نحو ثلاثة أسابيع من التصريح الذي أدلى به وزير الخارجية البريطاني أنتوني إيدن، حيث أكد مصطفى النحاس، رئيس وزراء مصر آنذاك، أمام مجلس الشيوخ، اهتمامه بقضايا الأمة العربية ودعم تطلعاتها نحو الحرية والاستقلال.
وأشار إلى أن النحاس أوضح أن الحكومة المصرية رأت أن الطريق الأنسب لتحقيق تقدم في القضية العربية هو أن تتولى الحكومات العربية الرسمية بحث الموضوع، على أن تبدأ مصر باستطلاع آراء الحكومات العربية بصورة منفردة، ثم العمل على التوفيق بين مواقفها، قبل دعوتها إلى اجتماع ودي في مصر، يعقبه مؤتمر عربي لاستكمال بحث القضية واتخاذ القرارات التي تحقق تطلعات الأمة العربية.
واضاف ان مصر بدات بالفعل إجراء مشاورات منفردة مع عدد من الدول العربية، وأسهمت هذه اللقاءات في الكشف عن طبيعة مواقف الدول المختلفة تجاه فكرة الوحدة وشكل التعاون العربي الممكن في ذلك الوقت.
أفاد السفير الدكتور علي صالح موسى بأن مصر أجرت مشاورات مع الوفد العراقي برئاسة نوري السعيد، رئيس وزراء العراق، واستمرت أربع جلسات خلال الفترة من 31 يوليو إلى 16 أغسطس 1943.
وتناولت المشاورات مجالات التعاون السياسي، بما في ذلك الدفاع والشؤون الخارجية وحماية الأقليات، إلى جانب التعاون الاقتصادي، ومنه العملة والمواصلات والجمارك والتبادل التجاري، فضلًا عن التعاون الثقافي والاجتماعي والتعليم.
واتفق الجانبان على استبعاد فكرة إقامة حكومة مركزية لجميع البلاد العربية في ظل الظروف القائمة، بسبب الصعوبات الخارجية والتفاوت في الأوضاع الاقتصادية والثقافية والسياسية بين الدول العربية.
وطرح نوري السعيد مقترحين؛ الأول إقامة اتحاد عربي يتمتع بسلطة تنفيذية وفق نظام أساسي تقبله الدول الراغبة في الانضمام، ويكون له جمعية تمثل الدول العربية ورئيس ولجنة تنفيذية تتولى القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، على أن تكون قراراته ملزمة للدول الأعضاء.
أما المقترح الثاني، فتمثل في إقامة اتحاد تكون قراراته ملزمة فقط للدول التي توافق عليها.
وأوضح السفير الدكتور علي صالح موسى أن مصر أجرت مشاورات مع الوفد الأردني برئاسة توفيق أبو الهدى، رئيس الوزراء، خلال الفترة من 28 أغسطس إلى سبتمبر 1943، وتركزت المباحثات حول مشروع سوريا الكبرى والوحدة العربية بصورة عامة.
وسعى الوفد الأردني إلى إقناع مصر بتأييد مشروع سوريا الكبرى والعمل على تحقيقه، مع التأكيد على أهمية أن تنضم سوريا الكبرى، بعد قيامها، إلى إطار من التعاون مع الدول العربية الأخرى.
المملكة العربية السعودية:
بدأت المشاورات مع الوفد السعودي برئاسة الشيخ يوسف ياسين في 26 أكتوبر 1943، واستمرت خمس جلسات.
وتركز الموقف السعودي على تعزيز العلاقات بين المملكة ومصر، والبحث في كل ما من شأنه تحقيق مصلحة الأمة العربية، وتجنب المخاطر التي قد تضر بالمصلحة العربية، مع تأجيل بحث التعاون السياسي في ذلك الوقت إلى حين تغير الظروف القائمة.
وقال ان المشاورات جرت مع الوفد السوري برئاسة سعد الله الجابري، رئيس مجلس الوزراء، وعضوية جميل مردم بك، وزير الخارجية، واستمرت أربع جلسات خلال الفترة من 26 أكتوبر إلى 3 نوفمبر 1943.
وأكد الجانب السوري أن تقسيم بلاد الشام إلى أقطار متعددة لم يكن، من وجهة نظره، نتيجة طبيعية، وإنما جاء نتيجة اتفاقات ومصالح أجنبية فُرضت على شعوب المنطقة.
ورغم إقرار سوريا بأن مرور سنوات طويلة أدى إلى نشوء حياة وخصوصية لكل قطر، فإنها أكدت تمسكها بمبدأ التوحيد، مع الاحتفاظ بدمشق عاصمة وبالنظام الجمهوري أساسًا للحكم.
ورأت سوريا أن الحكومة المركزية تمثل أقوى أدوات الوحدة، مع إدراكها للعقبات التي تحول دون تحقيقها، وفي حال تعذر ذلك، اقترحت إقامة نظام آخر يقوم على الاتحاد أو الاتفاق أو الحلف.وطرحت سوريا أن يشمل هذا الاتحاد مصر والشام والعراق والمملكة العربية السعودية واليمن.
جاءت المشاورات مع لبنان في ظل ظروف سياسية دقيقة، مع اقتراب البلاد من مرحلة الحكم الوطني الجديد، بقيادة الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهورية ورياض الصلح رئيس الوزراء.
وقدم الوفد اللبناني بيانًا مكتوبًا حدد فيه ثلاثة عوامل أساسية دفعت لبنان إلى الاقتراب من القضية العربية والمشاركة فيها، تمثلت في تراجع المؤثرات الأجنبية التي كانت تسيطر عليه خلال فترة الانتداب الفرنسي، وتفهم الدول العربية لموقف لبنان المتحفظ من الوحدة العربية واعترافها بكيانه وحدوده، إلى جانب إدراك لبنان لأهمية التعاون مع الدول العربية الشقيقة والمجاورة بما يخدم مصالحه السياسية والاقتصادية.
وأكد البيان اللبناني أن لبنان يشارك بقية الدول العربية الاقتناع بأهمية التعاون المشترك، وأن موقفه من القضية العربية سيكون مماثلًا لموقف مصر، مع التأكيد على أن يكون التعاون مع الدول العربية قائمًا على أساس السيادة والمساواة.
واختتم السفير الدكتور علي صالح موسى بالإشارة إلى أن هذه المشاورات تعكس حجم الجهود التي بذلتها مصر لتقريب المواقف العربية، في وقت كانت فيه الدول العربية تتباين في رؤيتها لشكل الوحدة وآليات التعاون، وهو ما أسهم في بلورة صيغة عربية مشتركة للتعاون مهّدت الطريق أمام إنشاء جامعة الدول العربية.