في قاموس اللغة الإنجليزية لفظة تعني المنبوذ، وتوظيفها كاسم يعني الاحتقار والإهمال، واللفظة هي "OUTCAST"، وكعادة واشنطن في إطلاقها التعبيرات الدرامية الرنانة علي عملياتها العدائية، سمّت حزمة العقوبات الاقتصادية واسعة النطاق التي أطلقتها ضد إيران الأربعاء الماضي (ECONOMIC OUTCAST)، وحسب الإدارة الأمريكية تمثل العقوبات "الهجوم المالي الأكبر علي الإطلاق" لعزل ونبذ طهران، من خلال قطع شريان الحياة المالي للأخيرة وعائداتها النفطية.
"سكوت بيسنت" وزير الخزانة الأمريكي الذي أعلن عن العقوبات، أكد أنها لن تستثني أي دولة أو مؤسسة مالية تتعامل مع طهران، مؤكدًا أن البنوك الصينية ليست فوق طائلة العقوبات، وهو ما دفع الصين من جانبها إلي التهديد برد حازم لحماية مصالحها.
الصين المشترِي الأكبر للنفط الإيراني بنسبة تصل إلي "80%" من صادراته، وعلي الرغم من تراجع كمية النفط الواصل إلي الصين بسبب الحرب وأزمة مضيق هرمز، إلا أن بكين لاتزال تعتمد علي شبكات مصرفية ومصافي تكرير مستقلة (تي بوت) للالتفاف علي القيود التي تفرضها واشنطن علي طهران، وأما أن تزيد هذه القيود، وتطال بشكل مباشر الصين ومؤسساتها المالية والاقتصادية، فهذا ما لن تسكت عليه الأخيرة، ولن تنتظر قمة مرتقبة تجمع رئيسها شيبينج مع الرئيس الأمريكي ترامب خلال سبتمبر المقبل علي الأبواب علي خلفية هذا التصعيد الخطير بين واشنطن وبكين، وبالتزامن مع إعلان عقوبات "المنبوذ الاقتصادي"،
تم الإعلان عن زيارة الزعيم الصيني للقاهرة، وهي زيارة ستكون بالفعل تاريخية، وسوف يترقب العالم ما سيصدر عنها من نتائج، ولا سيما فيما يتعلق بالعلاقات الاستراتيجية بين "نسور الحضارات" مصر والصين.
ومع تركيز القاهرة وبكين، علي الأقل خلال العقد الأخير، علي تنمية وتطوير العلاقات الاقتصادية، إلا أن المراقبين للزيارة ربما يؤخرون الاهتمام بنتائج التطورات في ملف الاقتصاد إلي المرتبة الثانية، ويُقَدَّمون عليه الملف الأمني والعسكري؛ فزيارة علي هذا المستوي لن تكتفي بتوقيع عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات في مجالات الاستثمار والتعاون الاقتصادي، بينما العالم والمنطقة يقفان علي أطراف أصابعهما فوق برميل من البارود المهدد بالانفجار في أي لحظة، والصين في قلب المشهد حاضرة تدافع ليس فقط عن مصالحها الحالية، لكنها تسعي أيضًا إلي تعزيز هذا الوجود وملء الفراغ الناتج عن انحسار الحضور الأمريكي، وكذا تدشين قطبيتها من منطقة الشرق الأوسط.
أما مصر فقد سعت بشدة لتنمية مصالح مشتركة مع الصين، وفي هذا الصدد نجحت في الانضمام إلي تجمع "بريكس"، فضلاً عن التعاون من خلال المنتدي العربي الصيني للتعاون والمنتدي الإفريقي الصيني للتعاون، إلي جانب تنامي العلاقات الصناعية والتجارية والاستثمارية، وكذا التعاون في المجال العسكري من خلال المناورات العسكرية المشتركة (من بينها مناورات «نسور الحضارات) والأهم تطوير واستيعاب السلاح الصيني وضمه لترسانة السلاح المصري.
وناهيك عن تاريخية العلاقات المصرية الصينية، فإن زيارة الزعيم الصيني لمصر – لاشك – تعكس توجهًا استراتيجيًا في سياسة البلدين، مع حرص مصر علي إقامة علاقات متوازنة مع القوي الدولية الرئيسية، تخلق من خلالها القاهرة هامشًا واسعًا للتحرك بما يخدم مصالحها الوطنية.