يا أبا عبيدة،
ها نحن نكتب إليك بعد أن صار بيننا وبين صوتك جدارٌ من الغياب، وبعد أن غاب ذلك الصوت الذي كان يخرج من وراء اللثام، فيدخل القلوب قبل الآذان، ويترك في النفوس أثرًا لا تمحوه الأيام.
ها نحن نكتب إليك وما زالت سماء غزة تُلبسها ثوبًا من الدخان، وما زالت أرضها تمشي حافيةً فوق جراحها، وما زالت القلوب تتلمس في عتمة الليل خيطًا من نور.
سلامٌ عليك من مدينةٍ ما زالت، رغم كل ما نزل بها، تعرف كيف ترفع رأسها إلى السماء.
يا أبا عبيدة،
ما أقسى أن يرثي المرء صوتًا!
فالوجوه تغيب، والصور تبلى، والأسماء تخفت في دفاتر السنين، أما بعض الأصوات فتظل معلّقةً في فضاء الذاكرة، كلما هبّت على القلب ريح الحنين أعادتها إلينا، كأن صاحبها لم يبرح مكانه.
يا أبا عبيدة،
كنتَ عندنا صوتًا للثبات في زمنٍ كثرت فيه الأصوات المرتجفة، وكنتَ في عيوننا شاهدًا على مرحلةٍ حاول فيها المحتلون الجبناء أن يجعلوا من قوتهم حقيقةً مطلقة، فإذا بالحقيقة نفسها تنهض من تحت الركام لتقول: ليست القوة حقًا، وليس الظلم قدرًا.
كنا ننتظرك لأننا نثق أن هناك روايةً أخرى غير الرواية التي يكتبها الجبناء بمداد القوة الكاذبة.
كان صوتك الواثق المطمئن يخرج من وراء اللثام كأنه شرارةٌ تشقّ ستارة العتمة؛ فيسمعه المؤمنون فيستعيدون الثبات، ويستمع إليه الغاصبون الذين أرادوا طمس الحقيقة فيجدون أمامهم حقيقة لا تخضع لسطوة الصورة ولا لضجيج الدعاية.
ثم جاء الغياب.
وما أمرّ الغياب حين يكون لصوتٍ ألفته القلوب!
كأن غزة فقدت نافذةً كانت تطل منها على نفسها.
كأن حرفًا سقط من كتابها، وبقي السطر ينزف مكانه.
غبتَ، وبقي صوتك.
وهل يموت الصوت حين يسكن في ذاكرة القلب؟
لا يموت الصوت يا أبا عبيدة، أتعرف لماذا؟
لأنك ابن أرضٍ علمت أبناءها ألا ينحنوا إلا لمن خلقهم، وألا يصمتوا إلا ليجددوا الاستماع لوعد ربهم.
وكأن الأرض نفسها كانت تتحدث بلسانك:
وكَفِّي صلبةٌ كالصخر .. تخمش من يلامسها
أنا لا أكره الناس.. ولا أسطو على أحد
ولكني إذا ما جعت.. آكل لحم مغتصبي
حذار حذار من جوعي.. ومن غضبي
يا أبا عبيدة،
هكذا هي غزة حين تضيق بها الدنيا؛ لا تخرج من رحمها كراهية الإنسان، وإنما يخرج منها وجع الأرض حين تُنتزع منها حقوقها، وغضب المظلوم حين يطول عليه الظلم.
ولأنها أرضٌ لا تعرف أبناءها بالألقاب، ولا تقيس الرجال بما ورثوا من أسماء، كان فخرها دائمًا بمن حملوا التراب في أيديهم، وبمن تعلموا من الشمس الوقوف قبل أن يتعلموا من الكتب الكلام:
أبي من أسرة المحراث.. لا من سادةٍ نُجُبِ
وجدِّي كان فلاحًا .. بلا حسبٍ ولا نسبِ
يُعلِّمني شموخَ الشمس.. قبل قراءة الكتب
يا أبا عبيدة،
ما أحوجنا إلى هذا الشموخ الآن!
إلى شموخ الشمس حين تطلع كل صباحٍ بعد أن تقضي الليل كله خلف الأفق.
إلى شموخ الزيتونة حين تعصف بها الريح، فتهتز أغصانها ولا تضطرب جذورها.
إلى شموخ غزة وهي تحمل أسماء أبنائها في قلبها، وتمضي.
يا أبا عبيدة،
كم من غارسٍ مضى وبقيت شجرته، وكم من يدٍ غابت وبقي أثرها في التراب. حتى ليخيّل إليك أن الزيتون نفسه قد صار صاحب ذاكرة، وأنه كلما مرّ على جذعه طيف غارسٍ قديم، ارتجف حنينًا وقال:
لو يذكر الزيتون غارسه.. لصار الزيت دمعا!
يا حكمة الأجداد لو من لحمنا.. نعطيك درعا!
يا أبا عبيدة،
كم يشبه هذا الزيتون غزة!
تبكي أبناءها، ثم تظل واقفة.
تُقتلع بعض أغصانها، ثم تبحث جذورها عن الماء.
تُحاصر، ثم تفتح في صدرها مكانًا آخر للحياة.
يا أبا عبيدة،
هكذا تمضي فلسطين في طريقها؛ لا لأنها لم تتعب، بل لأنها تعلمت أن التعب ليس نهاية الطريق.
ولذلك، حين كثرت الأشواك في الطريق، لم يكن أمامها إلا أن تمدّ يديها إلى ما بقي فيها من قوة، وأن تقول، وهي تنفض عن عينيها غبار السنين:
إنّا سنقلع بالرموش الشوكَ والأحزانَ ... قلعا !
يا لها من رموشٍ ضعيفةٍ في عين اللغة، لكنها في عين المحنة تصبح أظافرًا تحفر في الصخر!
ويا لها من أحزانٍ ظنّ الليل أنها ستثقل الروح حتى القاع، فإذا بها تتحول إلى قوةٍ أخرى، وإلى سببٍ جديدٍ للوقوف.
يا أبا عبيدة،
هكذا لا تكون الخُضرة مجرد لونٍ للأشجار، بل وعدًا بأن ما تحت التراب لم يمت.
سنظل في الزيتون خضرته ، وحول الأرض درعا !!
سنظل.
تلك الكلمة وحدها تكفي لتختصر أعوامًا من الوجع.
سنظل، لأن من عاش للأرض لا يستطيع أن يخلعها من قلبه كما يخلع ثوبًا.
سنظل، لأن فلسطين ليست مساحةً على خريطة، وإنما ذاكرةٌ وبيتٌ وشجرةٌ ومقبرةٌ ومفتاحٌ ودعاء أم، وقبل ذلك وبعده... عقيدة .
سنظل، لأن الاحتلال مهما بالغ في قوته لا يستطيع أن يجعل الباطل حقًا، ولا أن يجعل الذاكرة نسيانًا، ولا أن يجعل الظلم قدرًا أبديًا.
ولهذا يبقى السؤال واقفًا في وجه التاريخ، كأنه حجرٌ لا يستطيع أحدٌ أن يتجاوزه:
الأرض، والفلاح ، والإصرار ، قل لي: كيف تقهر...
هذي الأقانيم الثلاثة، كيف تقهر ؟
يا أبا عبيدة،
ها نحن نصل إلى آخر الرسالة، ولا ندري أَنَبكيك أم نبكي أنفسنا بعدك.
سنترك للحزن حقه؛ فلك في القلب دمعةٌ لا تجف، ولك في الذاكرة موضعٌ لا يطاله النسيان.
لكننا لن نجعل من ذكراك قبرًا لآمالنا.
سنرفع رؤوسنا إلى السماء، ونقرأ الوعد الذي يسكب في القلب طمأنينةً حين تضيق السبل:
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
سنرفع أعيننا إلى السماء، حيث لا تستطيع الطائرات أن تحجبها، ولا تستطيع الجدران أن تبلغها، ونقول بطمأنينة المؤمن الذي يعرف أن الأمر كله لله:
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
لا نعرف متى يأتي الفجر، ولا كيف يجيء النصر، ولا بأي صورةٍ يكتب الله نهاية كل ظلم؛ ولكننا نعرف أن الله لا يخلف وعده، وأن الليل ليس إلهًا، وأن الظلم ليس أبديًا، وأن الأرض لا تبقى إلى الأبد تحت قدم الغاصب.
يا أبا عبيدة،
نم قرير العين.
لقد غاب صوتك، لكن غزة لم تصمت.
وغاب وجهك، لكن فلسطين لم تغب.
وبكت المدينة، ثم مسحت دموعها، ونظرت إلى الأفق.
هناك، في أقصى الليل، خيطٌ صغير من نور.
قد لا تراه العين المتعبة.
لكنه موجود.
وسيأتي اليوم الذي تتسع فيه غزة للشمس، ويصبح البحر بحرًا لا مرآةً للخوف، وتفتح الأمهات أبوابها لأبنائها لا لتودعهم، ويجري الأطفال في الأزقة لا بحثًا عن مكانٍ يختبئون فيه، بل بحثًا عن كرةٍ وكتابٍ وشجرةٍ وسماء.
وسيظل الزيتون أخضر.
وستبقى الأرض تعرف أسماء أصحابها.
وسيظل في قلب فلسطين مكانٌ للحلم، مهما حاول الليل أن يملأه بالرماد.
فابكِ يا غزة من شئتِ، وابكي طويلًا؛ فلك أن تحزني على من أحببتِ.
ثم ارفعي رأسك.
فإن الذي أودع الفجر في رحم الليل قادرٌ على أن يفتح ل فلسطين أبوابًا لا تراها الآن.
يا أبا عبيدة،
إن الليل مهما طال لا يستطيع أن يكون فجرًا.
وإن الركام مهما ارتفع لا يستطيع أن يكون أفقًا.
وإن الحزن مهما ثقل لا يستطيع أن يقتل الحلم.
يا أبا عبيدة… الفجرُ موعدُنا.