تُعد الجبنة القديمة أو «المِش» من أشهر الأطعمة التقليدية على المائدة المصرية، وتحظى بشعبية خاصة في بعض المناطق، إلا أن طريقة تصنيعها وتخزينها تثير عددًا من التساؤلات حول سلامتها الغذائية، بداية من ارتفاع نسبة الملح، ووصولًا إلى ظهور الديدان عليها، فضلًا عن استخدام بعض المواد الكيميائية لحمايتها من الحشرات.
ويستعرض الدكتور أحمد أبو الريش، أخصائي التغذية العلاجية، حقيقة الجبنة القديمة، وما إذا كان ظهور الدود عليها دليلًا على جودتها أو تخميرها الطبيعي، بالإضافة إلى مخاطر استخدام «البوراكس» أو «بورات الصوديوم» في تصنيعها وحفظها.
أصل الجبنة
يوضح الدكتور أحمد أبو الريش أن الجبنة القديمة تُصنع في الأصل من الجبنة القريش، التي يسميها بعض أهالي الصعيد «الجبنة الخضرا».
ويشير إلى أن الجبنة القريش يمكن أن تُصنع من لبن منزوع القشدة، وفي هذه الحالة تكون قليلة الدسم والسعرات الحرارية، كما يمكن تصنيعها من لبن كامل الدسم بقشرته، فتكون أعلى في محتواها من الدهون والسعرات.
وبالتالي، فإن الجبنة القديمة يمكن أن يكون أصلها جبنة قريش قليلة الدسم أو كاملة الدسم، وفقًا لنوع اللبن المستخدم في تصنيعها.
مرحلة التخزين
بعد تصنيع الجبنة القريش، يتم تخزينها لفترة حتى تتحول إلى جبنة قديمة، وخلال هذه المرحلة تُضاف إليها كميات كبيرة من الملح للمساعدة على منع فسادها، في عملية تشبه إلى حد كبير التخليل أو التخمير.
ويحتاج تصنيع الجبنة القديمة إلى ما يُعرف بـ«البادئ»، وهو مادة تساعد على بدء وتسريع عملية التخمير. وفي حالة المِش، يمكن استخدام مِش قديم مضافًا إليه الملح، ثم تُحفظ الجبنة داخل «البلاص» أو الأوعية الفخارية، التي تُعرف أيضًا باسم «الزَّلعة».
سر الأواني الفخارية
وعن سبب تفضيل الأوعية الفخارية في تصنيع المِش مقارنة بالبلاستيك، يوضح الدكتور أحمد أبو الريش أن طبيعة الفخار المسامية تسمح بقدر من تبادل الغازات، كما تساعد على الحفاظ على الرطوبة وتهيئة بيئة مناسبة لعملية التخمير والتعتيق، إلى جانب المساعدة في الحفاظ على درجة حرارة مناسبة خلال فترة التخزين.
وقد تستمر عملية التخزين من 3 إلى 6 أشهر، وقد تمتد في بعض الحالات إلى عام كامل، حتى تصل الجبنة إلى درجة التعتيق المطلوبة.
فوائد غذائية
ويؤكد أخصائي التغذية العلاجية أن الجبنة القديمة تظل في الأساس أحد منتجات الألبان، وبالتالي فهي مصدر للبروتين الذي يحتوي على الأحماض الأمينية الأساسية، إلى جانب الكالسيوم وبعض المعادن ذات القيمة الغذائية.
كما قد تحتوي منتجات الألبان المخمرة على بكتيريا نافعة «بروبيوتك»، وهو ما يمكن أن يمثل جانبًا إيجابيًا من عملية التخمير.
لكن، بحسب الدكتور أحمد أبو الريش، فإن المشكلة الأساسية تكمن في الكمية الكبيرة من الملح التي تُستخدم في تصنيع المِش وحفظه، وبالتالي ارتفاع محتواه من الصوديوم.
الملح والضغط
ويحذر الدكتور أحمد أبو الريش من الإفراط في تناول الجبنة القديمة، خاصة بالنسبة إلى مرضى ارتفاع ضغط الدم، ومرضى الكلى، وكذلك الأشخاص الذين يتبعون أنظمة غذائية تتطلب الحد من تناول الصوديوم.
وينصح عند تناولها بالاكتفاء بكمية صغيرة، مع تقديمها إلى جانب طبق كبير من السلطة، ويمكن إضافة ملعقة من الطحينة أو زيت الزيتون، في إطار وجبة متوازنة وعدم الاعتماد على الجبنة المالحة بكميات كبيرة.
حقيقة الدود
أما الاعتقاد الشائع بأن ظهور الديدان داخل المِش أو عليه دليل على جودته أو اكتمال تخميره، فيؤكد الدكتور أحمد أبو الريش أن هذا الاعتقاد غير صحيح.
ويشير إلى أن ظهور الديدان غالبًا ما يحدث نتيجة تعرض الجبنة للذباب، الذي قد يضع بيضه عليها، ثم يفقس البيض وتظهر اليرقات.
وبالتالي، فإن وجود الديدان ليس دليلًا على جودة المِش ولا على حدوث تخمير طبيعي، وإنما قد يكون مؤشرًا على تعرض المنتج للتلوث وسوء التخزين.
كما أن الديدان قد تحمل ميكروبات ضارة، فضلًا عن أن تعرض الجبنة للذباب يمكن أن يؤدي إلى انتقال بكتيريا ممرضة إليها، ما يزيد من خطر الإصابة بالتسمم الغذائي.
٨
ويشدد على أنه بمجرد ظهور الديدان في الجبنة، فلا ينبغي تناولها، لأنها أصبحت غير صالحة للاستهلاك.
ما البوراكس؟
وينتقل الدكتور أحمد أبو الريش إلى مادة أخرى مثيرة للجدل في تصنيع المِش، وهي «الدنكار» أو «بورات الصوديوم»، التي تُعرف أيضًا باسم «البوراكس»، ويُستخدم بعض صورها في التطبيقات الصناعية، مثل المنظفات والمبيدات وبعض المواد غير الغذائية.
ويوضح أن بعض صناع المِش قد يلجأون إلى استخدامها بهدف منع نمو الديدان والحشرات، وتقليل نمو بعض الميكروبات، والمساعدة على حفظ الجبنة لفترة أطول وإبطاء فسادها.
لكن استخدام هذه المادة في الطعام ليس استخدامًا آمنًا غذائيًا، ولا ينبغي إضافتها إلى الجبنة أو غيرها من الأغذية بهدف الحفظ.
ويشير إلى أن البوراكس ليس مصنفًا باعتباره مادة مسرطنة مباشرة للإنسان، لكنه مادة لها سمية، وقد يرتبط التعرض لها بمخاطر صحية، من بينها أضرار تتعلق بالجهاز التناسلي، خاصة مع التعرض لكميات مرتفعة أو بشكل متكرر.
لذلك، فإن استخدامه في الأغذية يمثل ممارسة غير آمنة، وتوجد تحذيرات من استخدام مركبات البورون مثل حمض البوريك والبوراكس في الأغذية.
بدائل الحفظ
ويؤكد الدكتور أحمد أبو الريش أن صانع الجبنة القديمة يجب ألا يستخدم البوراكس أو أي مادة كيميائية غير مخصصة للاستخدام الغذائي بهدف منع الديدان أو إطالة مدة حفظ المنتج.
ويمكن بدلًا من ذلك الاعتماد على ممارسات التخزين والنظافة الجيدة، مع الإشارة إلى بعض الطرق التقليدية التي تُستخدم في حفظ المِش، مثل وضع بعض حبات الترمس المر، أو استخدام عرق الحلاوة المعروف باسم «شرش الحلاوة»، أو قرون الشطة الحمراء، إلى جانب إمكانية وضع طبقة من الزيت على سطح الجبنة داخل وعاء الحفظ لتكوين طبقة عزل.
ويظل الأهم هو تغطية الوعاء جيدًا، والحفاظ على نظافة مكان التخزين، والالتزام بطرق الحفظ الآمنة، لضمان سلامة المنتج وتقليل فرص تعرضه للحشرات أو التلوث.
وفي النهاية، فإن الجبنة القديمة يمكن أن تكون جزءًا من النظام الغذائي عند تناولها باعتدال، لكن ظهور الديدان عليها أو استخدام مواد غير مخصصة للأغذية مثل البوراكس يحول الأمر من مجرد طريقة تقليدية للحفظ إلى مشكلة تتعلق بسلامة الغذاء