مع اتساع حضور التكنولوجيا في حياة الأطفال، وتحول الهواتف الذكية و الألعاب الإلكترونية و منصات التواصل الاجتماعي إلى جزء أساسي من يومهم، لم تعد حماية الطفل في العالم الرقمي مجرد مسألة توعوية، بل أصبحت ضرورة وحقًا أصيلًا من حقوقه.
فبينما تفتح البيئة الرقمية أبوابًا واسعة أمام الأطفال للتعلم والمعرفة والتواصل والتعبير، فإنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر متزايدة، تبدأ من التنمر وانتهاك الخصوصية، وقد تصل إلى الاستدراج والابتزاز والاستغلال والتعرض لمحتوى ضار.
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة نجلاء دسوقي، خبيرة الحماية الرقمية للأطفال، أن حماية الأطفال في البيئة الرقمية لم تعد قضية توعوية فحسب، وإنما أصبحت جزءًا أصيلًا من حقوق الطفل، وفي مقدمتها حقه في الحماية من جميع أشكال العنف والاستغلال والإيذاء، إلى جانب حقه في الخصوصية والأمان، مع ضمان استفادته من التكنولوجيا والمعرفة الرقمية بصورة آمنة تتناسب مع عمره واحتياجاته.
مخاطر متزايدة
وأوضحت الدكتورة نجلاء دسوقي أن التطور المتسارع في التكنولوجيا والانتشار الواسع للمنصات الرقمية والألعاب ووسائل التواصل الاجتماعي، أوجد مساحات جديدة أمام الأطفال للتعلم والتعبير والتواصل، لكنه في الوقت نفسه أوجد مخاطر جديدة تتطلب تطوير أدوات الحماية والوقاية.
وأشارت إلى أن من أبرز هذه المخاطر الاستدراج والابتزاز والتنمر والاستغلال وانتهاك الخصوصية، إلى جانب التعرض للمحتوى الضار الذي قد يؤثر في سلامة الطفل النفسية أو الجسدية أو الاجتماعية.
وأضافت أن واقعة الطفل "علي الدين" أعادت تسليط الضوء على خطورة الاستغلال الرقمي، وعلى ما يمكن أن يحدث عبر المساحات الرقمية المغلقة أو المجهولة، ومن بينها ما يُعرف بالإنترنت المظلم (Dark Web).
وأكدت أن التركيز لا ينبغي أن ينصب على الإنترنت المظلم وحده، لأن عمليات الاستدراج والاستغلال قد تبدأ من منصات وتطبيقات وألعاب يستخدمها الأطفال بصورة يومية، ثم تنتقل إلى محادثات خاصة أو مساحات أكثر سرية، وهو ما يجعل التعامل مع القضية بحاجة إلى رؤية شاملة لا تقتصر على نوع محدد من المنصات أو البيئات الرقمية.
حماية الطفل حق وليست امتيازًا
وشددت الدكتورة نجلاء دسوقي على أن حق الطفل في الحماية لا يسقط بمجرد دخوله إلى العالم الرقمي، مؤكدة أن حقوق الطفل يجب أن تظل مكفولة في البيئة الرقمية، تمامًا كما هي مكفولة في العالم الواقعي.
وقالت إن الطفل لديه الحق في أن يتعلم ويستكشف ويستخدم التكنولوجيا، وفي الوقت نفسه لديه الحق في أن يكون محميًا من الاستغلال والعنف والابتزاز، وكذلك من المحتوى الذي قد يهدد سلامته النفسية أو الجسدية أو الاجتماعية.
وأشارت إلى أن مفهوم "الحماية الرقمية للطفل" يجب أن يقوم على تحقيق التوازن بين الحماية والتمكين، موضحة أن الحل لا يتمثل في عزل الطفل عن التكنولوجيا أو حرمانه من حقه في الوصول إلى المعرفة، كما لا ينبغي تركه بمفرده في مواجهة مخاطر عالم رقمي شديد التعقيد.
وأكدت أن المطلوب هو توفير بيئة رقمية آمنة تتيح للطفل الاستفادة من التكنولوجيا، مع امتلاكه المعرفة والمهارات التي تساعده على التعامل مع المخاطر، إلى جانب وجود منظومة حماية حقيقية حوله.
الأسرة شريك في الحماية وليست جهة عقاب
وأكدت الدكتورة نجلاء دسوقي أن بناء علاقة قائمة على الثقة والحوار داخل الأسرة يمثل خط الدفاع الأول عن الطفل في مواجهة المخاطر الرقمية، موضحة أن الطفل الذي يشعر بالأمان مع والديه يكون أكثر قدرة على الإفصاح عن أي محاولة استدراج أو تهديد أو ابتزاز قد يتعرض لها.
وأضافت:
"نريد أن يعرف كل طفل أنه إذا تعرض لموقف مؤذٍ أو تلقى رسالة أو طلبًا جعله يشعر بالخوف أو عدم الارتياح، فعليه أن يتحدث إلى شخص بالغ يثق به، وأن طلب المساعدة ليس خطأ، وأن الطفل ليس مسؤولًا عن الجريمة التي يتعرض لها".
وأوضحت أن الرقابة الأبوية وإعدادات الخصوصية والحماية الموجودة على الأجهزة والمنصات، تمثل أدوات مهمة في حماية الأطفال، لكنها لا يمكن أن تحل محل التوعية والحوار وبناء المهارات الرقمية.
وأكدت أن الحماية الفعالة تحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين الوعي، والتربية الرقمية، والحوار الأسري، والتقنيات الوقائية، إلى جانب وجود آليات واضحة للإبلاغ والاستجابة السريعة عند وقوع أي خطر.
لا نحمل الطفل مسؤولية مواجهة الخطر
وشددت الدكتورة نجلاء دسوقي على ضرورة تغيير بعض المفاهيم المتعلقة بالسلامة الرقمية، مؤكدة أن الطفل ليس مسؤولًا وحده عن اكتشاف المخاطر أو مواجهة الشخص الذي يحاول استدراجه.
وأوضحت أن مسؤولية الحماية تقع على عاتق الكبار والمؤسسات والمنصات الرقمية والجهات المعنية، وأن التعامل مع مخاطر الاستدراج الرقمي لا ينبغي أن يقوم على تحميل الطفل مسؤولية ما تعرض له.
وأكدت أهمية تعليم الطفل مجموعة من القواعد الأساسية للسلامة الرقمية، من بينها عدم مشاركة بياناته الشخصية أو موقعه أو صوره الخاصة مع الغرباء، وعدم الاستجابة للطلبات غير المناسبة، وكذلك عدم مقابلة أي شخص تعرف إليه عبر الإنترنت دون علم الأسرة وإشرافها.
وفي حالات الابتزاز أو التهديد أو الاستدراج، شددت على ضرورة عدم لوم الطفل أو تخويفه، وإنما يجب تأمينه أولًا، والحفاظ على الأدلة المتاحة، وطلب المساعدة من الجهات المختصة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحمايته.
وأوضحت أن رد فعل الأسرة تجاه الطفل في هذه المواقف يمثل عاملًا بالغ الأهمية، لأن الخوف من العقاب أو اللوم قد يدفع الطفل إلى إخفاء ما تعرض له، بينما يساعده الشعور بالأمان والثقة على طلب المساعدة والإفصاح عن المشكلة في وقت مبكر.
من حماية الطفل إلى تمكينه رقميًا
وأكدت الدكتورة نجلاء دسوقي أن الهدف من الحماية الرقمية ليس صناعة جيل يخاف من التكنولوجيا، وإنما صناعة جيل واعٍ بحقوقه ومسؤولياته، وقادر على استخدام التكنولوجيا بصورة آمنة وناقدة ومسؤولة.
وأوضحت أن التمكين الرقمي للطفل يجب أن يتضمن معرفته بحقوقه في الخصوصية والحماية، وقدرته على اكتشاف محاولات الخداع والاستدراج، ومعرفته بكيفية الإبلاغ عن المحتوى أو السلوك المؤذي.
وأشارت إلى أن الأهم من ذلك كله هو أن يعرف الطفل إلى من يلجأ عندما يشعر بالخطر، وأن يدرك أن طلب المساعدة ليس تصرفًا خاطئًا، وأنه لن يكون مسؤولًا عن الجريمة أو الاستغلال الذي يتعرض له.
وأكدت أن الطفل الذي يمتلك المعرفة والوعي والمهارات الرقمية، إلى جانب وجود أسرة داعمة ومنظومة حماية فعالة، يكون أكثر قدرة على التعامل مع البيئة الرقمية بصورة آمنة، دون أن يعني ذلك تحميله وحده مسؤولية حماية نفسه.
مسؤولية مشتركة
واختتمت الدكتورة نجلاء دسوقي بالتأكيد على أن حماية الأطفال في البيئة الرقمية مسؤولية مشتركة، لا يمكن أن تتحملها الأسرة وحدها، وإنما تتطلب تكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والمنصات الرقمية ومقدمي خدمات الاتصالات والجهات المعنية بحماية الطفل، إلى جانب صانعي السياسات والتشريعات.
وأكدت أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التعامل مع المخاطر الرقمية بعد وقوعها إلى بناء منظومة وقائية واستباقية، تضع مصلحة الطفل وحقوقه في قلب السياسات الرقمية.
وشددت على أن حماية الطفل في العصر الرقمي لا تعني منعه من التكنولوجيا، وإنما تعني توفير البيئة التي تمكنه من استخدامها والاستفادة منها، مع ضمان حقه في الأمان والخصوصية والحماية، ووجود منظومة متكاملة تتدخل لحمايته عندما يتعرض لأي شكل من أشكال العنف أو الاستغلال أو الإيذاء الرقمي.