احترام الزوج لوالدته وحرصه على الاستماع إلى نصائحها لا يمثلان مشكلة في حد ذاتهما، بل يعدان من مظاهر التقدير والوفاء، لكن الأمر قد يصبح مصدر توتر داخل الزواج عندما تتحول الأم من شخص يقدم المشورة إلى طرف حاضر في تفاصيل القرارات الزوجية، أو عندما يصبح رأيها أكثر تأثيرًا من اتفاق الزوجين معًا.
ويوضح الدكتور عبد العزيز آدم، استشاري نفسي، أن تأثر الرجل بوالدته لا يعني تلقائيًا أنه ضعيف الشخصية أو أنه لا يقدر زوجته، فطبيعة العلاقة التي نشأ عليها داخل أسرته تلعب دورًا كبيرًا في طريقة تعامله مع القرارات بعد الزواج، مشيرًا إلى أن المشكلة تبدأ عندما يعجز الزوج عن الفصل بين علاقته بأمه وبين مسؤولياته كشريك في بناء أسرة مستقلة.
ويشير إلى أن بعض الرجال ينشأون في أسر تكون فيها الأم صاحبة الدور الأكبر في اتخاذ القرارات، فيعتاد الابن منذ الصغر الرجوع إليها في كل تفاصيل حياته، بدءًا من الاختيارات البسيطة وصولًا إلى القرارات المهمة. ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا السلوك إلى نمط ثابت يصعب تغييره بعد الزواج، لأن طلب رأي الأم يصبح بالنسبة إليه وسيلة للشعور بالأمان وليس مجرد الحصول على نصيحة.
ويضيف الدكتور عبد العزيز آدم أن الخوف من إغضاب الأم أو الشعور بالذنب تجاهها قد يكون أحد الأسباب التي تجعل الزوج يمنح رأيها مساحة أكبر من اللازم. فقد يشعر الرجل أن رفض اقتراحها أو اتخاذ قرار مخالف لما تريده يعني أنه ابن عاق أو أنه يسبب لها الحزن، فيجد نفسه أمام صراع داخلي بين إرضائها والحفاظ على استقلالية حياته الزوجية. وفي بعض الحالات، لا يكون الزوج مقتنعًا تمامًا بقدرته على اتخاذ القرار بمفرده، خصوصًا إذا اعتاد طوال حياته أن يتلقى التوجيه من أسرته. وهنا يصبح الرجوع إلى الأم نوعًا من البحث عن التأكيد والطمأنينة، فيسألها عن القرارات المتعلقة بالمنزل أو العمل أو تربية الأبناء أو حتى الخلافات الزوجية، بدلًا من مناقشة الأمر أولًا مع زوجته باعتبارها شريكته الأساسية.
ويلفت استشاري الطب النفسي إلى أن الانتقال من دور الابن إلى دور الزوج يحتاج إلى قدر من النضج النفسي والاستقلال العاطفي، موضحًا أن الزواج لا يعني قطع علاقة الرجل بوالدته أو تقليل مكانتها، لكنه يعني أن تتغير طبيعة العلاقة بما يتناسب مع المرحلة الجديدة. ف الزوج يستطيع أن يكون بارًا بأمه ومحافظًا على مشاعرها، وفي الوقت نفسه يمتلك القدرة على اتخاذ قرارات أسرته بالتعاون مع زوجته.
ويحذر من التعامل مع هذه المشكلة باعتبارها منافسة بين الزوجة والأم، لأن وضع الزوج أمام خيار مباشر من نوع «أنا أم والدتك» غالبًا ما يزيد من دفاعه عن أمه ويحول النقاش إلى صراع شخصي، بدلًا من معالجة المشكلة الحقيقية، وهي غياب الحدود الواضحة بين الحياة الزوجية والعائلة الممتدة.
وينصح الدكتور عبد العزيز آدم الزوجة بأن تتحدث مع شريكها عن تأثير الأمر عليها من دون توجيه اتهامات مباشرة إلى والدته، موضحًا أن استخدام عبارات مثل «أنت دائمًا تسمع كلام والدتك» أو «أمك تتدخل في كل شيء» قد يدفع الزوج إلى الدفاع بدلًا من الاستماع. والأفضل أن تشرح له أن هدفها ليس إبعاده عن والدته، وإنما أن تشعر بأن القرارات التي تخص منزلهما يتم اتخاذها أولًا بينهما. كما يؤكد أهمية الاتفاق بين الزوجين على وجود مساحة خاصة لا يتم نقل تفاصيلها إلى الآخرين، حتى لو كانوا من أقرب أفراد العائلة. فالخلافات الزوجية، والقرارات المالية، وتفاصيل العلاقة، وطريقة تربية الأبناء، من الأمور التي تحتاج في الأساس إلى حوار داخلي بين الزوجين، ويمكن طلب المشورة الخارجية عند الحاجة من دون تحويل الآخرين إلى أصحاب قرار.
ويشير إلى أن بناء الحدود لا يعني قطع التواصل مع الأم أو التعامل معها بجفاء، وإنما يعني تحديد الأمور التي يحق لها إبداء رأيها فيها، والأمور التي تظل من اختصاص الزوجين. ويمكن للزوج أن يستمع إلى والدته ويقدر وجهة نظرها، ثم يناقش الأمر مع زوجته ويتخذ القرار الذي يراه مناسبًا لظروف أسرته.
ويؤكد استشاري نفسي أن الزوجة تستطيع أيضًا مساعدة شريكها على تعزيز ثقته بنفسه في اتخاذ القرارات، بدلًا من انتقاده كلما لجأ إلى والدته. فعندما يتخذ الزوج قرارًا بشكل مستقل ويجد من زوجته تقديرًا ودعمًا، قد يصبح أكثر قدرة تدريجيًا على الاعتماد على نفسه وعلى الحوار معها بدلًا من البحث المستمر عن موافقة خارجية. ويفرق الدكتور عبد العزيز آدم بين «البر» و«التبعية»، موضحًا أن بر الوالدين واحترامهما لا يتعارضان مع استقلال الحياة الزوجية، بينما تصبح المشكلة عندما يفقد أحد الزوجين قدرته على اتخاذ قراراته أو يسمح لشخص آخر بأن يحدد شكل حياته الأسرية بشكل مستمر.
ويضيف، أن من المهم أيضًا أن تنظر الزوجة إلى حجم المشكلة بصورة واقعية، فليس كل طلب لرأي الأم دليلًا على وجود خلل في الزواج. أحيانًا تكون الاستشارة مجرد تعبير عن القرب والثقة، بينما يصبح الأمر مقلقًا عندما يكون رأي الأم هو المرجع النهائي في معظم القرارات، أو عندما يتم تجاهل رغبة الزوجة بشكل متكرر، أو عندما تُنقل تفاصيل الحياة الخاصة إليها دون موافقة الطرف الآخر.
ويشدد على أن العلاقة الزوجية الصحية لا تقوم على عزل الزوجين عن أسرتيهما، وإنما على قدرة كل طرف على الحفاظ على علاقاته العائلية مع وجود حدود واضحة تحمي خصوصية الزواج. ف الزوج الناضج يستطيع أن يستمع إلى والدته، و الزوجة تستطيع أن تحترم مكانتها، لكن القرار النهائي في شؤون الأسرة يجب أن يُبنى على الحوار والتفاهم بين الزوجين.
وفي النهاية، يؤكد الدكتور عبد العزيز آدم أن الهدف ليس إبعاد الأم عن حياة ابنها، وإنما مساعدة الزوج على تحقيق التوازن بين بر الوالدين ومسؤوليته تجاه أسرته. وكلما كانت الحدود واضحة، والحوار بين الزوجين قائمًا على الاحترام، قلت فرص تحول النصائح العائلية إلى مصدر دائم للخلاف، وأصبح من الممكن الحفاظ على علاقة جيدة مع الأهل دون أن تفقد الحياة الزوجية استقلاليتها.