قال وزير الاقتصاد الوطني الفلسطيني محمد العامور، إن حكومة الاحتلال الإسرائيلي احتجزت أموال المقاصة الفلسطينية التي تجاوزت 6 مليارات دولار، مشيرًا إلى أن معدل البطالة في الأراضي الفلسطينية بلغ 46% خلال عام 2025، بواقع 28% في الضفة الغربية و78% في قطاع غزة.
جاء ذلك في كلمة فلسطين خلال الجلسة الافتتاحية للدورة الـ118 للمجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، التي انطلقت اليوم بمقر الأمانة العامة للجامعة العربية.
وأوضح العامور أن فلسطين تمر بواحدة من أصعب مراحل تاريخها الحديث، مشيرًا إلى أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية وثق، منذ مطلع عام 2025، أكثر من 3 آلاف اعتداء للمستوطنين أسفرت عن سقوط شهداء فلسطينيين أو إلحاق أضرار بالممتلكات.
وأضاف أن الشعب الفلسطيني يتعرض لأبشع صور القتل والدمار والتهجير، واستهداف ممنهج لمقومات الحياة، وتدمير للمساكن والمنشآت والبنية التحتية، فضلًا عن تقييد الحركة والتجارة والإنتاج، بما يمثل تحديًا غير مسبوق لقدرة الاقتصاد والمجتمع الفلسطيني على الصمود والاستمرار.
وأشار إلى أن التحديات لا تقتصر على الحرب والدمار في قطاع غزة، وإنما تمتد إلى الضفة الغربية التي تشهد تصعيدًا متواصلًا في ممارسات الاحتلال، من توسع استيطاني ومصادرة للأراضي وإقامة الحواجز والبوابات، إلى جانب اعتداءات المستوطنين على المواطنين وممتلكاتهم وأراضيهم الزراعية ومنشآتهم الصناعية والتجارية.
وأوضح أن التقارير الرسمية الفلسطينية تشير إلى تجاوز اعتداءات الاحتلال والمستوطنين 11 ألف اعتداء خلال النصف الأول من العام الجاري، تركزت في محافظات رام الله والخليل ونابلس، بينما وثق مكتب الأمم المتحدة أكثر من 1330 اعتداء للمستوطنين خلال العام الجاري، أسفرت عن استشهاد 77 فلسطينيًا، بينهم 18 طفلًا، على أيدي جيش الاحتلال والمستوطنين.
وأضاف أن هذه الأرقام تتقاطع مع المعطيات الأمنية الإسرائيلية التي أظهرت ارتفاعًا في اعتداءات المستوطنين بنسبة 63% خلال النصف الأول من العام الجاري، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
وقال العامور إن هذه الاعتداءات شملت الاستيلاء على الأراضي وتجريفها، واقتلاع الأشجار، وإحراق المنشآت الزراعية والمركبات، ونهب الممتلكات وسرقة المواشي، إلى جانب الإغلاقات والحواجز التي تقطع أوصال الجغرافيا الفلسطينية، معتبرًا أن هذه الممارسات ليست حوادث فردية أو معزولة، وإنما نمط منهجي متصاعد.
وأكد أن الواقع الفلسطيني لا يمكن تناوله دون التوقف عند الحصار الاقتصادي والمالي الذي تفرضه حكومة الاحتلال، موضحًا أن هذا الحصار لا يقتصر على احتجاز أموال المقاصة، التي تشكل نحو 68% من الإيرادات العامة، وفرض الاقتطاعات والحجوزات عليها، وإنما يمتد إلى فرض قيود مشددة على حركة الأشخاص والبضائع، ومنع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، وتقييد النفاذ إلى الأراضي والموارد والأسواق، وتعطيل حركة التجارة والاستثمار، فضلًا عن الضغوط المتزايدة على النظام المصرفي والعلاقات المالية الفلسطينية مع العالم الخارجي.
وأشار إلى أن هذه السياسات تضغط في الوقت ذاته على الموازنة العامة والمؤسسات الوطنية والقطاع الخاص والعمال والمزارعين والتجار والمستثمرين والأسر الفلسطينية، بهدف إضعاف قدرة الاقتصاد على العمل وتقويض إمكانيات الحكومة في تقديم الخدمات الأساسية.
وكشف العامور عن بلوغ فائض الشيكل في السوق الفلسطينية نحو 5.5 مليار دولار، مشيرًا إلى أن احتجاز أموال المقاصة وأزمة فائض الشيكل انعكسا سلبًا على الأداء الاقتصادي بمختلف مكوناته، حيث انكمش الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 بنسبة 24% مقارنة بعام 2023، وتراجع أداء سوق العمل، ليبلغ معدل البطالة 46% خلال العام نفسه.
وأكد أن الحكومة الفلسطينية، رغم الظروف الراهنة، ماضية في رؤيتها القائمة على وحدة الأرض والمؤسسات والقانون والإدارة، وعلى أن تكون الضفة الغربية، بما فيها القدس الشريف، وقطاع غزة جزءًا من منظومة وطنية واحدة، باعتبار ذلك متطلبًا أساسيًا للاستقرار الإقليمي وإعادة الإعمار وقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وأضاف أن الحكومة تمضي على الصعيد السياسي في ترسيخ الحياة الديمقراطية وتجديد الشرعيات الوطنية، مشيرًا إلى تنظيم العملية الانتخابية لمؤسسات المجتمع المحلي وعدد من مؤسسات القطاع الخاص، وتحديد موعد إجراء الانتخابات التشريعية في نوفمبر من العام الجاري.
وعلى المستوى الاقتصادي، أوضح العامور أن الحكومة تعمل على إعادة تنشيط الاقتصاد وتحديث البيئة القانونية وحماية الإنتاج الوطني والاستعداد لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار، مشيرًا إلى إصدار قانون المنافسة الذي دخل حيز التنفيذ العام الماضي، والعمل على إصدار قانون الإعسار، وإصدار قانون التجارة الإلكترونية، إلى جانب استكمال تحديث قانوني الشركات والشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وقال إن الحكومة أطلقت «بوابة الأعمال» لتسهيل تسجيل الشركات إلكترونيًا، وأنجزت الاستراتيجية الوطنية الأولى للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وأسست المجلس الاستشاري الاقتصادي لضمان شراكة مؤسسية دائمة مع القطاع الخاص، وتواصل تنفيذ برنامج دعم المنتج الوطني لخفض العجز التجاري وتوفير فرص العمل.
وأكد أن التحدي الأكبر أمام الاقتصاد الفلسطيني لا يتمثل في نقص القدرة وإنما في صعوبة الوصول، موضحًا أن العمال ممنوعون من الوصول إلى أماكن عملهم، والمنتجات تواجه قيودًا تحول دون وصولها إلى الأسواق، والمزارعين يواجهون قيودًا على الوصول إلى أراضيهم ومواردهم، فيما يواجه النظام المصرفي تهديدات تمس علاقاته بالعالم الخارجي.
ودعا العامور إلى فتح الأسواق العربية أمام المنتجات الفلسطينية، وإقامة شراكات تجارية واستثمارية تتعامل مع فلسطين باعتبارها سوقًا وشريكًا اقتصاديًا، إلى جانب توفير دعم عربي يضمن استمرارية المؤسسات الفلسطينية ويوفر للاقتصاد بيئة مناسبة للتطور والازدهار.
وقال إن كل قيد يُرفع عن الوصول يتحول إلى إنتاج وتشغيل ونمو، مؤكدًا أن الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى من يعلمه كيف يعمل، وإنما إلى فتح الطريق أمامه، بما يمكّنه من التحول من متلقٍ للدعم إلى شريك في التجارة والإنتاج داخل العالم العربي.