مشروعات غيّرت وجه مصر والصين..عمل رأيته بعيني

مشروعات غيّرت وجه مصر والصين..عمل رأيته بعينيسماح عطية

الرأى5-9-2026 | 13:54

هناك مدن لا تكفي زيارة واحدة لاكتشافها، ودول لا يمكن اختصار تجربتها في أرقام أو صور، وهناك تجارب تنموية عندما تراها بعينيك تعيد النظر في كثير من الأفكار التي تحملها قبل السفر. هذا تحديدًا ما حدث معي خلال زيارتي إلى الصين للمشاركة في دورة تدريبية للصحفيين والإعلاميين.

ذهبت إلى الصين وأنا أحمل فضول الصحفية التي تريد أن ترى كيف استطاعت دولة بحجم الصين أن تصنع هذا التحول الهائل، وكيف انتقلت خلال عقود من دولة نامية إلى واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية في العالم. كنت أبحث عن إجابات في المشروعات والأرقام، لكنني اكتشفت أن الإجابة الحقيقية كانت في الشارع، وفي حركة المدن، وفي القطارات التي لا تتوقف، وفي المصانع، ومراكز التكنولوجيا، وفي تفاصيل الحياة اليومية.

والأهم أنني اكتشفت شيئًا لم أكن أتوقعه. كلما رأيت مشروعًا صينيًا ضخمًا، كان مشروع مصري حاضرًا في ذهني. كلما شاهدت قطارًا سريعًا يشق المدن، تذكرت شبكة النقل الحديثة التي تتشكل في مصر. وكلما رأيت مدينة جديدة تمتد في اتجاهات مختلفة، تذكرت العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة وغيرها من مشروعات التوسع العمراني. وكلما دخلت منطقة صناعية أو شاهدت مشروعًا للطاقة النظيفة، وجدت نفسي أعود بالسؤال إلى مصر: ماذا فعلنا خلال السنوات الأخيرة؟ وإلى أين وصلنا؟

من هنا بدأت بالنسبة لي المقارنة، لا بين بلدين مختلفين تمامًا في المساحة وعدد السكان والإمكانات، وإنما بين تجربتين وضعتا التنمية وتحديث الدولة والبنية الأساسية في مقدمة الأولويات، وبين قيادتين سياسيتين حملتا رؤية طويلة المدى وحاولتا تحويلها إلى مشروعات ملموسة على الأرض.

في الصين، لم تكن التنمية مشروعًا منفصلًا عن الدولة، وإنما منظومة متكاملة. طرق تقود إلى مدن، ومدن تحتاج إلى قطارات، وقطارات تربط مناطق الإنتاج بالأسواق، ومصانع تحتاج إلى طاقة، وطاقة تحتاج إلى بنية تحتية، وكل ذلك يحتاج إلى تكنولوجيا وتعليم ورقمنة وكوادر بشرية. هكذا بدت لي الصورة من بكين إلى منغوليا الداخلية، ومن المدن الكبرى إلى المناطق التي تتحرك هي الأخرى في اتجاه المستقبل.

وكانت زيارة منغوليا الداخلية وعاصمتها هوهوت من أكثر محطات الرحلة تأثيرًا بالنسبة لي؛ لأنني رأيت هناك كيف يمكن لدولة أن تجمع بين الحداثة والحفاظ على الهوية، وبين التكنولوجيا والتراث، وبين المشروعات العملاقة والحياة اليومية للمواطن. لم أشعر أن الصين تريد أن تتخلى عن ماضيها وهي تبني مستقبلها، بل على العكس، بدا واضحًا أن الاعتزاز بالحضارة والتاريخ يسير جنبًا إلى جنب مع الاستثمار في العلم والتكنولوجيا.

وعندما عدت بذاكرتي إلى مصر، وجدت أن السنوات الأخيرة حملت هي الأخرى تغييرًا واسعًا في شكل الدولة ومقدراتها. منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي رئاسة الجمهورية، شهدت مصر تنفيذ مجموعة ضخمة من مشروعات البنية الأساسية والنقل والطاقة والعمران، وأصبحت هذه المشروعات جزءًا من المشهد اليومي للمصريين.

وبحسب البيانات الرسمية المعلنه بلغ إجمالي تكلفة خطة تطوير وتحديث منظومة النقل خلال الفترة من 2014 إلى 2024 نحو تريليوني جنيه، منها نحو 530 مليار جنيه للطرق والكباري، كما تم تنفيذ نحو 6500 كيلومتر من الطرق الجديدة من إجمالي مستهدف يبلغ 7000 كيلومتر، إلى جانب تطوير ورفع كفاءة الطرق القائمة.

لكن ما لفت انتباهي أكثر أن مفهوم النقل في مصر لم يعد يتوقف عند إنشاء الطرق والكباري، وإنما أصبح جزءًا من تصور أوسع لإعادة رسم خريطة الحركة والسكان والاستثمار. فهناك القطار الكهربائي الخفيف LRT، والمونوريل، و القطار الكهربائي السريع، ومترو الأنفاق، والأتوبيس الترددي BRT، إلى جانب تطوير السكك الحديدية والموانئ والمناطق اللوجستية.

وتصل شبكة القطار الكهربائي السريع المخطط لها إلى أكثر من 2000 كيلومتر عبر ثلاثة خطوط، تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط وتمتد إلى صعيد مصر، بينما يمتد الخط الأول لمسافة 660 كيلومترًا من العين السخنة إلى مرسى مطروح مرورًا ب العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين والإسكندرية.

وأنا أتابع شبكة القطارات الصينية، كان من السهل أن أفهم المعنى الأعمق وراء هذه المشروعات. فالقطار ليس مجرد وسيلة مواصلات، وإنما أداة لإعادة تشكيل الاقتصاد. عندما تختصر المسافة بين مدينة وأخرى، فإنك لا تختصر وقت المواطن فقط، وإنما تفتح سوقًا جديدة، وتسهّل حركة العمال والبضائع، وتدعم السياحة، وتعيد توزيع الاستثمارات والفرص.

وهنا بدت لي العاصمة الإدارية الجديدة مثالًا آخر على محاولة مصر إعادة رسم خريطة العمران. مدينة جديدة في قلب الصحراء لم تكن مجرد تجمع سكني، وإنما مشروع متكامل يضم مؤسسات ومناطق أعمال وخدمات وبنية أساسية جديدة.

وفي قلب هذا المشروع ظهر التعاون المصري الصيني بوضوح من خلال حي المال والأعمال المركزي، الذي شاركت شركات صينية في تنفيذه، والذي يضم عددًا كبيرًا من الأبراج الإدارية والتجارية والسكنية، وفي مقدمته البرج الأيقوني.

والمشهد نفسه تكرر في مشروع القطار الكهربائي الخفيف LRT، الذي يربط مناطق شرق القاهرة ب العاصمة الإدارية والعاشر من رمضان. فالمشروع لا يربط محطات فقط، وإنما يربط بين تصور عمراني جديد وشبكة نقل تتناسب معه. وفي عام 2025 تم توقيع اتفاق للمرحلة الثالثة من المشروع بقيمة تعادل نحو 332 مليون دولار، بما يعكس استمرار التعاون بين البلدين.

ومن العمران والنقل انتقلت الشراكة إلى الصناعة. ففي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، أصبحت المنطقة الصناعية الصينية «تيدا» نموذجًا واضحًا لما يمكن أن تفعله الجغرافيا عندما تلتقي برأس المال والتكنولوجيا. وتضم المنطقة أكثر من 200 شركة صينية باستثمارات تتجاوز 3 مليارات دولار، وتوفر أكثر من 70 ألف فرصة عمل وفق البيانات الحكومية المصرية.

وفي ديسمبر 2025، تم توقيع عقود ثلاثة مشروعات صناعية صينية جديدة في المنطقة باستثمارات إجمالية بلغت نحو 1.15 مليار دولار، بما يؤكد أن التعاون لم يعد قائمًا فقط على تنفيذ مشروعات البنية الأساسية، وإنما يتحرك أيضًا في اتجاه الإنتاج والتصنيع.

وهنا تتضح قيمة الموقع المصري بالنسبة إلى الصين ، وقيمة الخبرة الصينية بالنسبة إلى مصر. فمصر تمتلك قناة السويس، والموقع الذي يربط آسيا بأوروبا، والسوق المحلية، والامتداد العربي والأفريقي، بينما تمتلك الصين قاعدة صناعية ضخمة وخبرات تكنولوجية وهندسية وسلاسل إمداد عالمية. وعندما تلتقي هذه العناصر يمكن أن يتحول التعاون إلى قيمة اقتصادية حقيقية للطرفين.

ولم تتوقف الشراكة عند الأرض. فقد امتدت إلى الفضاء من خلال التعاون في مجال الأقمار الصناعية، ومن أبرز ثماره القمر الصناعي المصري EgyptSat-2، ليصبح التعاون المصري الصيني ممتدًا من الطرق والقطارات والمصانع إلى التكنولوجيا والفضاء.

لكن إذا كانت هذه هي الصورة التي رأيتها في مصر بعد أن عدت من الصين، فإن الصين نفسها تقدم أرقامًا تكشف حجم التحول الذي حققته خلال العقود الماضية.

بنهاية عام 2025 تجاوز إجمالي طول شبكة السكك الحديدية العاملة في الصين 165 ألف كيلومتر، بينها أكثر من 50 ألف كيلومتر من السكك الحديدية فائقة السرعة، وهي أكبر شبكة من نوعها في العالم. وخلال عام 2025 وحده أضافت الصين 3109 كيلومترات من خطوط السكك الحديدية الجديدة، منها 2862 كيلومترًا من خطوط السكك الحديدية فائقة السرعة.

عندما تسمع هذه الأرقام، قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد سباق في إنشاء خطوط القطارات، لكن ما رأيته بعيني جعلني أفهم الأمر بصورة مختلفة. الصين لا تبني القطارات باعتبارها مشروعات منفصلة، وإنما باعتبارها جزءًا من مشروع اقتصادي واجتماعي متكامل. فالزمن في التجربة الصينية أصبح عنصرًا من عناصر الإنتاج، والمسافة أصبحت رقمًا يمكن تقليله، والمدينة أصبحت مرتبطة بمحيطها الاقتصادي وليس معزولة عنه.

وهذا يقودنا إلى واحدة من أكثر التجارب التي ارتبطت باسم الرئيس الصيني شي جين بينج ، وهي تجربة مكافحة الفقر. فبحسب البيانات الرسمية الصينية، خرج نحو 98.99 مليون شخص من سكان الريف من دائرة الفقر وفق معيار الفقر المعتمد آنذاك، وأزيلت جميع المحافظات المصنفة فقيرة من قائمة الفقر بنهاية عام 2020.

لكن اللافت أن مكافحة الفقر لم تعتمد على المساعدات وحدها، وإنما ارتبطت ببناء البنية الأساسية التي تسمح للمواطن بأن يصبح جزءًا من الاقتصاد. فقد تم إنشاء أو إعادة بناء نحو 1.1 مليون كيلومتر من الطرق الريفية، وإضافة نحو 35 ألف كيلومتر من السكك الحديدية في المناطق الفقيرة، مع التوسع في الاتصالات والألياف الضوئية والجيل الرابع.

الفكرة هنا تستحق التوقف أمامها طويلًا: لا يكفي أن تساعد المواطن الفقير اليوم، بل يجب أن تبني له الطريق الذي يصل به إلى المدرسة والمستشفى والسوق والعمل، وتوفر له الكهرباء والمياه والاتصالات، ثم تفتح أمامه المجال ليصبح منتجًا داخل الاقتصاد.

وعندما ننظر إلى مصر نجد مشروع «حياة كريمة» الذي يتحرك في اتجاه مختلف لكنه يلتقي معه في فكرة أساسية، هي أن التنمية لا يجب أن تتوقف عند المدن الكبرى. فالمبادرة تستهدف آلاف المشروعات في القرى، وتشمل مياه الشرب والصرف الصحي والكهرباء والغاز والطرق والصحة والتعليم والاتصالات، وتشير البيانات الحكومية إلى تنفيذ أكثر من 22 ألف مشروع حتى مطلع 2026، باستثمارات بلغت مئات المليارات من الجنيهات.

وهنا أدركت أن ناطحات السحاب ليست وحدها مقياس التنمية. فالمشروع الذي يصل إلى قرية نائية بمياه نظيفة أو صرف صحي أو مدرسة أو وحدة صحية يمكن أن يغير حياة الإنسان بصورة لا تقل أهمية عن مشروع ضخم في قلب العاصمة.

أما الطاقة، فهي قصة أخرى تكشف حجم التحدي في البلدين. ففي مصر كان ملف الكهرباء والطاقة أحد أكبر التحديات خلال السنوات الماضية، وشهدت البلاد إنشاء محطات عملاقة، من بينها محطات العاصمة الإدارية الجديدة وبني سويف والبرلس، بقدرة إجمالية تبلغ 14.4 جيجاوات، إلى جانب مشروعات الطاقة المتجددة، وفي مقدمتها مجمع بنبان للطاقة الشمسية ومشروعات طاقة الرياح في جبل الزيت.

وفي الصين وصلت الأرقام إلى مستويات هائلة. ففي عام 2025 وحده تجاوزت الإضافات الجديدة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية 430 مليون كيلووات، بينما بلغ إجمالي قدرات المركبة المتصلة بالشبكة من الرياح والطاقة الشمسية نحو 1.84 مليار كيلووات، بما يمثل 47.3% من إجمالي القدرة الكهربائية المركبة في الصين.

مرة أخرى، لا تكمن أهمية الرقم في حجمه فقط، وإنما في دلالته. الدول التي تريد أن تصنع المستقبل لا تنتظر المستقبل، وإنما تبني أدواته من الآن، والطاقة واحدة من أهم هذه الأدوات.

ومع ذلك، فإن وضع مصر و الصين في مقارنة رقمية مباشرة سيكون أمرًا غير منطقي. ف الصين دولة يزيد عدد سكانها على المليار نسمة، وتمتلك قاعدة صناعية وسوقًا داخلية وإمكانات اقتصادية مختلفة جذريًا عن مصر. ومصر بدورها تمتلك موقعًا جغرافيًا فريدًا، وموارد بشرية، وسوقًا كبيرة، وقناة السويس، وامتدادًا عربيًا وأفريقيًا، وتواجه تحديات مختلفة.

ما يمكن مقارنته إذن ليس حجم الناتج أو عدد السكان، وإنما طريقة التفكير في المستقبل، وقدرة الدولة على تحويل الرؤية إلى خطط، والخطط إلى مشروعات، والمشروعات إلى أثر يشعر به المواطن.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية تجربة الرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر، وتجربة الرئيس شي جين بينج في الصين، بعيدًا عن اختلاف النظامين السياسيين وطبيعة الدولتين. فالقضية التي لفتت انتباهي هي أن المشروعات الكبرى لا يمكن أن تعيش وحدها، وإنما تحتاج إلى رؤية ومتابعة وتنفيذ واستمرار.

في مصر ظهرت هذه الرؤية في العاصمة الإدارية الجديدة، والعلمين الجديدة، وشبكة الطرق، والمونوريل، و القطار الكهربائي الخفيف، و القطار الكهربائي السريع، وتطوير الموانئ، ومشروعات الطاقة، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ومبادرة حياة كريمة.

وفي الصين ظهرت في شبكة القطارات فائقة السرعة، والمناطق الصناعية، والمدن الجديدة، ومشروعات الطاقة المتجددة، وبرامج مكافحة الفقر، والبنية الرقمية، والاستثمار الواسع في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وفي الحالتين يظل العامل البشري هو كلمة السر. فلا توجد مدينة جديدة من دون مهندس وعامل، ولا قطار سريع من دون علم وتكنولوجيا، ولا مصنع متطور من دون عامل مدرب، ولا اقتصاد قوي من دون تعليم وبحث علمي.

وربما كان هذا هو الدرس الأهم الذي حملته معي من الصين.

لقد رأيت دولة تعتز بتاريخها وحضارتها، لكنها لا تعيش عليهما. التنين الصيني حاضر في الثقافة والهوية، لكن الصين الحديثة لا تتوقف عند صورة التنين، وإنما تحاول أن تجعل العلم والتكنولوجيا والإنتاج جزءًا من قوتها الجديدة.

وفي مصر، هناك حضارة عمرها آلاف السنين، وهناك الفرعون الذي يمثل واحدًا من أعظم الرموز الحضارية في التاريخ. لكن التحدي أمامنا هو ألا يتحول التاريخ إلى مجرد ذكرى، وإنما إلى دافع لصناعة المستقبل.

ولهذا أعتقد أن التعاون المصري الصيني يمكن أن يصبح أكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة. فمبادرة الحزام والطريق تمثل إطارًا واسعًا لهذا التعاون، خاصة أن المصالح الاستراتيجية للبلدين تلتقي في نقاط عديدة.

مصر تمتلك الموقع وقناة السويس والسوق والامتداد العربي والأفريقي، و الصين تمتلك الصناعة والتكنولوجيا ورأس المال والخبرات الهندسية وسلاسل الإمداد. ومنذ تدشين الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين عام 2014، توسعت العلاقات لتشمل البنية الأساسية والنقل والطاقة والصناعة والفضاء والاستثمار.

وفي عام 2025 وصل عدد الشركات الصينية العاملة في مصر، بحسب البيانات الحكومية، إلى نحو 2800 شركة باستثمارات تتجاوز 8 مليارات دولار، بينما بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 16 مليار دولار خلال عام 2024.

وهذا يعني أن العلاقة بين القاهرة و بكين تجاوزت مرحلة العلاقات السياسية التقليدية، وأصبحت مرتبطة بالاقتصاد والمشروعات والاستثمار ونقل الخبرة والتكنولوجيا.

لكن الصحفي الذي يسافر إلى بلد آخر لا ينبغي أن يعود بصورة تذكارية فقط.

هذه هي القناعة التي ترسخت لدي خلال الرحلة.

لقد وقفت في الصين وأنا أحمل اسم مصر، وقلت في ختام الدورة التدريبية إنني أتمنى أن أكون عند حسن ظن وطني، وأن أستطيع من خلال قلمي وعملي الصحفي أن أكون جسرًا حقيقيًا للتواصل بين مصر والصين، وأن أنقل الصورة التي رأيتها بكل أمانة ومهنية.

وبعد العودة، اكتشفت أن مسؤولية الصحفي أكبر من نقل ما شاهده. فالمطلوب أن يسأل: ماذا يمكن أن نتعلم؟ وماذا يمكن أن نطور؟ وماذا يمكن أن نبني بإمكاناتنا؟

فالاستفادة من التجربة الصينية لا تعني استنساخها، لأن مصر ليست الصين، و الصين ليست مصر. لكن كل دولة تستطيع أن تتعلم من الأخرى، وأن تستفيد من تجاربها، وأن تختار ما يتناسب مع ظروفها ومواردها واحتياجات مواطنيها.

والمرحلة المقبلة في مصر تحتاج، في تقديري، إلى أن تنتقل ثمار المشروعات العملاقة بصورة أعمق إلى الاقتصاد الحقيقي، من خلال توطين التكنولوجيا، وتعميق التصنيع، ودعم البحث العلمي، وتطوير التعليم، وزيادة الصادرات، وتعظيم الاستفادة من الموانئ والمناطق الصناعية، وربط البنية الأساسية بفرص العمل والإنتاج وتحسين جودة الحياة.

عندها فقط يصبح الطريق والقطار والمدينة والمصنع والطاقة حلقات في سلسلة واحدة اسمها التنمية.

عندما كنت في الصين، رأيت مدينة تتغير كلما تحركت. رأيت قطارًا يختصر المسافات، ومنطقة صناعية تغير اقتصاد مدينة، وتكنولوجيا تدخل تفاصيل الحياة اليومية، وشعبًا يواصل العمل على مشروع يبدو أحيانًا أكبر من قدرة الفرد على تخيله.

لكنني رأيت شيئًا أهم من كل ذلك.

رأيت قيمة العمل.

فالمشروعات العملاقة لا تُبنى بالكلام، والمدن الجديدة لا تقوم بالشعارات، والتكنولوجيا لا تولد من الأمنيات. خلف كل مشروع مهندسون وعمال وباحثون وطلاب ومسؤولون يعملون يومًا بعد يوم، ويكررون المحاولة حتى يتحول المخطط إلى واقع.

وهذا هو الدرس الذي عدت به إلى مصر.

لقد رأيت الصين بعيني، لكنني عندما عدت إلى مصر رأيت بلدي أيضًا بعين جديدة.

رأيت الطرق، والعاصمة الإدارية، والمدن الجديدة، والقطارات، ومشروعات الطاقة، وحياة كريمة، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ورأيت في الوقت نفسه حجم ما تحقق وحجم ما يزال مطلوبًا.

ولذلك لا أرى أن السؤال الصحيح هو: من الأفضل، مصر أم الصين؟

السؤال الأهم هو: من يستطيع أن يتعلم أسرع، ويعمل أكثر، ويحوّل الإمكانات إلى إنجاز؟

فالمستقبل لا يكون بالضرورة لمن بدأ أولًا، وإنما لمن يملك القدرة على التعلم، والتطوير، والاستمرار.

التنين والفرعون.. حضارتان قديمتان، لكن التحدي أمامهما اليوم واحد: كيف تتحول الحضارة إلى قوة، والمعرفة إلى إنتاج، والعلم إلى تكنولوجيا، والمشروعات إلى حياة أفضل للمواطن؟

في النهاية، لا تصنع الدول مستقبلها بالشعارات.

تصنعه بالإرادة.. والعلم.. والعمل.

أضف تعليق

مصر والصين .. شراكة الحضارات ترسم خريطة المستقبل

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان