النمو القياسي الذي يشهده قطاع التمويل الاستهلاكي أو ما يعرف بـ «التمويل غير المصرفى» المتاح للأفراد بالسوق المصري، كوسيلة لتمويل شراء السلع والخدمات المخصصة للأغراض الاستهلاكية، يؤكد مدى خطورة وتبعات التوسع فى الأنشطة التمويلية دون استحداث ضوابط رقابية جديدة تنظم منح القروض الاستهلاكية للأفراد عبر شركات ومؤسسات غير مصرفية روجت لأعمالها تحت شعار «اشتري دلوقتي .. وادفع بعدين».
ورغم حداثة أنشطة التمويل الاستهلاكي عبر شركات غير مصرفية فى مجتمعنا المصري، كأحد الأدوات الفعالة لتمكين الأفراد من شراء احتياجاتهم من «الإبرة للصاروخ» مع سداد قيمتها بالتقسيط، فقد نجح القطاع فى تقديم خدماته من القروض الاستهلاكية إلى أكثر من ٨ مليون مصري خلال النصف الأول من العام الجاري، بحسب البيانات الصادرة مؤخرًا عن الهيئة العامة للرقابة المالية التي أعلنت بكل فخر وثقة أن قيمة التمويل الاستهلاكي بالسوق المصري خلال تلك الفترة تجاوزت ٧٢ مليار جنيه، بنمو بلغ ٨٨٪ وزيادة أعداد المستفيدين بنحو ٧٥٪ على أساس سنوي.
خطورة منح القروض للأفراد عبر شركات التمويل الاستهلاكي يكمن فى التسهيلات المقدمة للعملاء للحصول على القرض دون التحقق من هوية العميل أو مدى قدرته على سداد الأقساط، وعندها تتحول الأداة الفعالة لمساعدة الناس والعباد على اقتناء احتياجاتهم دون تحمل التكلفة كاملة بشكل فوري وتنظيم حركة الإنفاق وفق ميزانية الأسرة إلى أداة لهدمها بدءًا من عدم القدرة على سداد الأقساط فى مواعيدها المقررة، مرورًا بتراكم المديونية وغرامات التأخير، انتهاءً بمشاكل التعثر والتحصيل التي عادة ما تنتهي فى ساحات المحاكم وأقسام الشرطة.
نمو قطاع التمويل الاستهلاكي فى المجتمع المصري بشكل مبالغ فيه، يشير بوضوح إلى اتساع الفجوة بين مستوى الدخول وزيادة أسعار السلع والمنتجات بالأسواق نتيجة معدلات التضخم المرتفعة، بل يؤكد أيضًا أن هناك شريحة واسعة من المستفيدين اتجهت لمثل هذه النوعية من التمويل لشراء احتياجات غير ضرورية، عن طريق الحصول على أكثر من قرض استهلاكي من شركات أخرى، وهو ما يمثل ضغطًا على العميل ومدى قدرته على سداد الأقساط دون تعثر أو تحمل غرامات التأخير فى ظل الفائدة المرتفعة وفترات السداد السريعة.
بالقطع يجب أن نفتخر بما حققه قطاع التمويل الاستهلاكي غير المصرفى من أرقام نمو «مذهلة»، ونجاحه «المبهر» فى الوصول إلى شرائح واسعة من المستفيدين، لكن علينا أيضاً التعرف والوقوف أمام نسب التعثر فى سداد تلك المديونيات الهائلة، بل التحقق من قانونية وشرعية الطرق التي تتبعها الشركات فى تحصيل المديونيات المتراكمة، ونسب الفائدة والغرامات المفروضة على العميل فى حال تعثره عن السداد، والإجراءات المتبعة ضد الشركات التي تثبت مخالفتها للقواعد والضوابط التي أقرتها الجهات الرقابية لحماية عملاء القروض الاستهلاكية قبل انفجار «قنبلة» التعثر المحتملة نتيجة انتشار ثقافة الاستهلاك والشراء غير المبرر بين فئات كثيرة غير قادرة على السداد فى مجتمعنا المصري.
حمى الله مصر وشعبها العظيم