يوم مكافحة التسويف.. لماذا نؤجل ما نعرف أننا بحاجة إلى إنجازه؟

يوم مكافحة التسويف.. لماذا نؤجل ما نعرف أننا بحاجة إلى إنجازه؟صورة تعبيرية

منوعات6-9-2026 | 14:19

«سأفعل ذلك لاحقًا».. جملة تبدو بسيطة ونرددها كثيرًا، لكنها قد تتحول مع الوقت إلى عادة تجعل المهام الصغيرة تتراكم، والمواعيد النهائية تقترب، و الضغط النفسي يزداد.

وفي الوقت الذي قد يبدو فيه التسويف للوهلة الأولى مجرد كسل أو ضعف في إدارة الوقت، فإن الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ إذ قد يكون مرتبطًا بالخوف من الفشل، أو القلق من صعوبة المهمة، أو الشعور بعدم الكفاءة، أو محاولة الهروب مؤقتًا من مشاعر مزعجة يثيرها القيام بالمهمة.

ويأتي يوم مكافحة التسويف في 6 سبتمبر من كل عام كمناسبة غير رسمية للتذكير بأهمية التوقف عن تأجيل المهام، والبدء بخطوة عملية تجاه ما ظل مؤجلًا. وفي عام 2026، يوافق هذا اليوم الأحد 6 سبتمبر.

ما هو التسويف؟ ولماذا نؤجل مهامنا؟ يمكن تعريف التسويف بأنه تأجيل متعمد لمهمة أو مسؤولية دون وجود ضرورة حقيقية لذلك، رغم إدراك الشخص أن التأجيل قد يؤدي إلى نتائج سلبية في المستقبل. ولا يرتبط التسويف دائمًا بعدم الرغبة في العمل، إذ تشير التفسيرات النفسية إلى أنه قد يكون مرتبطًا بطريقة تعامل الإنسان مع مشاعره.

ففي بعض الأحيان، لا يحاول الشخص الهروب من المهمة نفسها بقدر ما يحاول تجنب المشاعر التي تثيرها، مثل الملل أو القلق أو الخوف من الفشل. وهناك مجموعة من العوامل التي قد تزيد من احتمالية التسويف، من أبرزها: 1- صعوبة المهمة أو عدم جاذبيتها: كلما بدت المهمة مملة أو شاقة أو معقدة، أصبح تأجيلها أكثر إغراءً، خاصة إذا كان هناك نشاط أسهل أو أكثر متعة يمكن القيام به بدلًا منها. 2- الخوف من الفشل: القلق من عدم إنجاز المهمة بالمستوى المطلوب قد يدفع الشخص إلى تجنب البدء بها من الأساس، لأن التأجيل يمنحه راحة مؤقتة من مواجهة احتمال الفشل.

3- ضعف الشعور بالكفاءة: عندما يشك الإنسان في قدرته على إنجاز مهمة معينة، قد يبدو التأجيل بالنسبة إليه أسهل من مواجهة المهمة والشعور بأنه غير قادر على إتمامها.

4- سهولة الوصول إلى المشتتات: الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو وغيرها من الأنشطة الممتعة تمنح الشخص مكافأة فورية، مقارنة بمهمة قد لا تظهر فوائد إنجازها إلا بعد ساعات أو أيام.

5- تفضيل المكافأة القريبة: قد يختار الإنسان نشاطًا ممتعًا في الوقت الحالي، حتى لو كان يعرف أن المهمة المؤجلة أكثر أهمية بالنسبة إليه على المدى الطويل. وتشير مراجعات واسعة لأبحاث التسويف إلى ارتباطه بعدد من العوامل، من بينها صعوبة المهمة وتأخر المكافأة والشعور بالكفاءة الذاتية والاندفاعية، إلى جانب بعض جوانب ضبط النفس والتنظيم والانتباه. هل التسويف يعني أن الشخص كسول؟ ليس بالضرورة. اعتبار التسويف دليلًا على الكسل فقط من أكثر التصورات الشائعة، لكنه لا يعكس الصورة كاملة. فقد يكون الشخص قادرًا على قضاء ساعات طويلة في نشاط آخر، لكنه يجد صعوبة شديدة في البدء بمهمة معينة لأنها تثير لديه الملل أو القلق أو الشعور بعدم الكفاءة. ولهذا ينظر الباحثون إلى التسويف باعتباره سلوكًا تتداخل فيه عوامل متعددة، من بينها الدافعية وتنظيم المشاعر وضبط السلوك، وليس مجرد نقص في الرغبة في العمل. وقد يمنح التأجيل الشخص شعورًا بالراحة في اللحظة الأولى، لأنه يبعده مؤقتًا عن المشاعر غير المريحة المرتبطة بالمهمة.

إلا أن هذه الراحة قصيرة المدى قد تتحول لاحقًا إلى ضغط وقلق أكبر، خاصة مع اقتراب الموعد النهائي. كيف يؤثر التسويف في حياتنا؟ ليس كل تأجيل يمثل مشكلة. ففي بعض الأحيان قد يؤجل الإنسان مهمة لأن هناك أمرًا أكثر أهمية يحتاج إلى اهتمامه أولًا.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التأجيل إلى نمط متكرر يؤثر في الدراسة أو العمل أو المسؤوليات اليومية أو جودة الحياة والرفاه النفسي. ومن أبرز الآثار التي قد تنتج عن التسويف: ارتفاع الضغط النفسي: تراكم المهام قد يجعل الشخص يشعر بأنه محاصر أمام قائمة طويلة من الأمور التي لم ينتهِ منها. زيادة الشعور بالذنب: عندما يدرك الإنسان أنه كان يستطيع إنجاز المهمة في وقت سابق، فقد يبدأ في لوم نفسه وجلد ذاته. تراجع جودة العمل: إنجاز المهمة في اللحظات الأخيرة يقلل الوقت المتاح للمراجعة والتعديل وتصحيح الأخطاء. التأثير في الأداء الدراسي والمهني: ربطت أبحاث سابقة بين التسويف وبعض مؤشرات الأداء الأكاديمي، كما يمكن أن يؤثر التأجيل المتكرر في الالتزام بالمسؤوليات المهنية. تكرار دائرة التسويف: الراحة المؤقتة التي يشعر بها الشخص بعد تأجيل المهمة قد تعزز السلوك وتجعله أكثر قابلية للتكرار في المستقبل. ومع ذلك، فإن تأجيل بعض المهام من وقت إلى آخر لا يعني بالضرورة وجود مشكلة مرضية، إذ يصبح الأمر أكثر أهمية عندما يتكرر بصورة واضحة ويؤثر في المسؤوليات اليومية أو جودة الحياة.

كيف يمكن التغلب على التسويف؟ لا توجد طريقة واحدة تصلح للجميع، لكن هناك مجموعة من الاستراتيجيات التي يمكن أن تساعد على تقليل الحواجز أمام البدء، وتحويل المهمة الكبيرة أو الغامضة إلى خطوات بسيطة يمكن تنفيذها.

ومن أبرز هذه الطرق: قسّم المهمة الكبيرة إلى خطوات صغيرة: بدلًا من كتابة «إنهاء التقرير» كهدف ضخم، يمكن البدء بخطوات محددة مثل فتح الملف، وكتابة العنوان، ثم جمع المصادر، وبعدها البدء في أول فقرة. ابدأ بخطوة صغيرة جدًا: ليس المطلوب في البداية إنهاء المهمة بالكامل، وإنما كسر حاجز البدء. ففي كثير من الأحيان تكون أصعب خطوة هي اتخاذ الخطوة الأولى. حدد وقتًا واضحًا للبدء: عبارة «سأعمل عليها لاحقًا» تترك الباب مفتوحًا لمزيد من التأجيل، بينما تحديد موعد واضح للبدء يجعل القرار أكثر التزامًا. تخلص من المشتتات: يمكن وضع الهاتف بعيدًا أو إغلاق الإشعارات خلال فترة العمل لتقليل فرص الانشغال بأمور أخرى. ذكّر نفسك بالفائدة: بدل التركيز فقط على مدى صعوبة المهمة، حاول التفكير في الشعور بالراحة والإنجاز الذي ستحصل عليه بعد إتمامها. كافئ نفسك على التقدم: يمكن أن يكون إنجاز جزء من المهمة سببًا للحصول على استراحة قصيرة أو القيام بنشاط ممتع.

لا تنتظر الشعور بالحماس: في كثير من الأحيان لا يأتي الدافع قبل البدء، وإنما يبدأ في الظهور بعد اتخاذ الخطوة الأولى وتحقيق قدر من التقدم. وتشير دراسات حديثة إلى أهمية الاستراتيجيات التي تقلل الشعور بالنفور من المهمة وتزيد إدراك الشخص لقيمتها، كما وجدت بعض التجارب أن التخطيط المقترن بتوقع العقبات وتحديد طريقة التعامل معها قد يساعد على تقليل التسويف في ظروف معينة.

أضف تعليق

مصر والصين .. شراكة الحضارات ترسم خريطة المستقبل

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان