قبل أكثر من ستة أشهر، وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعد العالم بحرب قصيرة على إيران، لا تتجاوز مدتها من 4 إلى 5 أسابيع، لكن الأسابيع تحولت إلى شهور، والوعود إلى رماد.. واليوم يقف العالم أمام واقع مختلف تماماً: مواجهة مفتوحة، بلا سقف زمني، وبلا نهاية فى الأفق.. وما بدأه ترامب كضربة سريعة، تحول إلى استنزاف طويل.. وصراع ممتد، يصعب التكهن بموعد انتهائه.
مع تعثر الحسم العسكرى مع إيران ، حاول الرئيس ترامب ، خلال الفترة الماضية، تحويل الأمر من مواجهة عسكرية إلى ضغط اقتصادى طويل بحثًا عن مخرج يمكن تقديمه على أنه انتصار، ومع ذلك، شهدت الأيام الماضية تصعيدًا عسكريًا جديدًا، بلغت ذروته الثلاثاء الماضى، عندما استهدفت القوات الأمريكية مواقع تابعة لـ الحرس الثورى الإيراني ، شملت مواقع للدفاع الجوى، وأنظمة رادار، وأصولاً، ومنشآت بحرية وقدرات لزرع الألغام، ومواقع للاتصالات.
وعقب ذلك، أعلنت إيران تنفيذ عملية، وصفتها بأنها «حاسمة»، استهدفت القواعد والمصالح الأمريكية فى المنطقة، وقال الحرس الثورى، إنه قصف مواقع أمريكية فى الأردن والعراق والبحرين والكويت.
ومع تسارع وتيرة التطورات الميدانية يوما بعد آخر، يبرز السؤال الأهم:
كيف يمكن قراءة المشهد الآن؟ وهل أصبحت نهاية هذا الصراع درباً من المستحيل.. أم أن هناك نافذة ما لاتفاق قريب قد يفتح الباب أمام التهدئة؟!
وفى هذا السياق، أكد موقع «يورو نيوز» تزايد المخاوف من تحول الحرب الأمريكية - الإيرانية، إلى صراع طويل الأمد، مشيرا إلى غياب أية مؤشرات واضحة على قرب نهايتها، لافتا إلى أن الشرق الأوسط تحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة، فيما تضغط أسعار النفط المتصاعدة بثقلها على الاقتصاد العالمى.
وأضاف الموقع، أنه لا يبدو أن هناك مؤشرات جدية على استئناف المسار الدبلوماسى، إذ لم تُظهر واشنطن أو طهران استعدادًا للعودة إلى طاولة المفاوضات منذ انهيار اتفاق سلام مؤقت توصل إليه الطرفان فى إسلام آباد فى يونيو الماضى.
من جانبها، أوردت وكالة الأنباء الألمانية، مقالًا لـ «جيمس إم. ليندسى»، زميل أول فى السياسة الخارجية الأمريكية بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكى، أوضح فيه أنه لا يرى للصراع نهاية تلوح فى الأفق.
وقال ليندسى، إن النظام الإيرانى لم يشهد انهيارًا، ولم يستسلم، رغم الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية المكثفة التى قتلت عددًا كبيرًا من قادة البلاد، وألحقت دمارًا واسعًا بالبنية التحتية العسكرية، وبعد تعثر ترامب على الصعيد العسكرى، يأمل الرئيس الأمريكى أن تؤدى الضغوط الاقتصادية إلى إخضاع القيادة الإيرانية.
ومع ذلك، يقول ليندسى، إن احتمال اضطراب الاقتصاد العالمى وإثارة أزمة دبلوماسية مع الصين هما السببان وراء تشكيك كثير من الخبراء فى أن تمضى الإدارة الأمريكية قُدمًا فى تنفيذ تهديدها بفرض عزلة عالمية كاملة على إيران .
وأكدت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، أن «حرب ترامب على إيران تحولت إلى مأزق من صنع الرئيس نفسه، بلا أهداف واضحة، أو استراتيجية محددة أو نهاية تلوح فى الأفق» . وأوضحت الصحيفة، أن ترامب الذى تولى مقاليد الحكم وهو ينتقد الحروب التى لا تنتهى، وجد نفسه يقود نسخته الخاصة منها. فقد دخل الحرب فى 28 فبراير متوقعًا أن تكون حملة عسكرية خاطفة، لكنه بعد نصف عام بات مترددًا بين استئناف القصف واسع النطاق، وبين التوصل إلى اتفاق ينهى الحرب بشروط يمكنه قبولها.
وقالت الصحيفة، إن أبرز مفارقات الحرب تتمثل فى أن أحد أهم أهدافها، وهو تغيير المعادلة السياسية فى إيران، لم يتحقق. فقد قُتل المرشد الإيرانى على خامنئى فى الضربات الأولى، لكن النظام لم يسقط، وخَلَفه ابنه مُجتبى، بينما بقيت البنية الحاكمة فى طهران قائمة، وقادرة على الرد.
وأشارت «نيويورك تايمز»، إلى أن القدرات العسكرية الإيرانية تعرضت لأضرار جسيمة، خصوصا سلاح الجو والبحرية، لكن ذلك لم ينهِ قدرتها على ضرب القواعد الأمريكية وحلفائها فى المنطقة، أما برنامجها النووى فقد تعرض لأضرار بالغة، لكنه لم يختفِ. ووفق تحليل الصحيفة، لا تزال إيران ترفض التخلى عن البرنامج النووى، فى حين يرى محللون أن بإمكانها إعادة بناء أجزاء منه.
أما شبكة «سى إن إن» الأمريكية، فذكرت فى تقرير لها، أن صورة الصراع بدأت تتغير، بعدما انتقلت واشنطن إلى الضغط الاقتصادى والعسكرى على طهران.
وقالت «سى إن إن»، إن النظام الإيرانى لايزال قائمًا، وتحتفظ طهران بقدرات صاروخية وأوراق نفوذ إقليمية، ومع ذلك، عندما أعادت الولايات المتحدة فرض حصارها العسكرى على الموانئ الإيرانية، وفرضت عقوبات على تجارة النفط، بالتزامن مع تحرك الجيش الأمريكى لتأمين الممرات الملاحية وحماية السفن التجارية، أدت هذه الإجراءات إلى فرض حصار فعّال على صادرات النفط الإيرانية، فيما تعافت حركة الشحن العالمية، واستقرت أسعار الطاقة بدرجة ملحوظة.
وترى «سى إن إن»، أن استمرار هذا الاتجاه يعنى أن الضغط الاقتصادى يتزايد على طهران، وأن فقدان إيران القدرة على احتكار حركة المضيق سيؤدى إلى تراجع نفوذها سريعًا، مشيرة إلى أن إيران دخلت الحرب وهى تعانى أصلًا من العقوبات وسوء الإدارة الاقتصادية، مضيفة أن صندوق النقد الدولى يتوقع انكماش الاقتصاد الإيرانى بأكثر من 5 بالمئة هذا العام، مع اقتراب التضخم من 70بالمئة، كما تراجعت قيمة العملة الإيرانية، وارتفعت أسعار السلع الأساسية، بينما قًدر مسئول فى وزارة العمل الإيرانية فقدان أكثر من مليون وظيفة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب.
وختمت الشبكة الأمريكية، تقريرها، بأن الحرب قد تستمر حتى نهاية ولاية ترامب وما بعدها، مؤكدة أن لكل طرف نقطة انهيار محتملة، وخلصت إلى أن المرحلة الحالية من الصراع، وللمرة الأولى منذ بدايته، تبدو فى صالح واشنطن أكثر من طهران.
من جهتها، ذكرت وكالة «رويترز»، أنه بعد ستة أشهر من شن الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، أصبحت الحرب التى وصفها الرئيس دونالد ترامب بأنها «رحلة قصيرة» مأزقا ضج به كثيرون، ويهدد بتقويض رئاسته، وأضافت، أن إيران لم تستسلم، ولا تزال حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تشهد اضطرابات شديدة،
ولا يوجد مسار واضح لإنهاء الصراع الذى توقع ترامب ذات يوم أن ينتهى فى غضون أربعة أسابيع.
وأشار تقرير رويترز، إلى أن المزيد من الضربات العسكرية لن يجبر إيران على تقديم تنازلات، لتعود الولايات المتحدة إلى حملة الضغط الاقتصادى أملا فى إلحاق المزيد من الضعف بالحكومة الإيرانية.