حماية الذاكرة الوطنية ، وصون مصادر التاريخ، هدف أسمى تسعى الجمعية المصرية للدراسات التاريخية لتحقيقه، باعتبارها إحدى المؤسسات العلمية الرائدة، التي اضطلعت بمسؤولية الحفاظ على جانب أصيل من التراث التاريخي المصري.
ومنذ نشأتها، دأبت الجمعية على جمع الكتب، والمراجع، والوثائق، والمقتنيات النادرة، لتصبح مكتبتها اليوم سجلاً حياً، وشاهداً على مراحل متعددة من تاريخ مصر الحديث والمعاصر.
وفي حوار خاص مع "مجلة أكتوبر"، وتنشره "بوابة دار المعارف" تحدث الدكتور أحمد الشربيني رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، عن دور الجمعية في حفظ الذاكرة الوطنية، وأبرز مقتنياتها، وفي مقدمتها النسخة الأصلية من «وصف مصر»، إلى جانب المكتبات الخاصة التي انضمت إلى مجموعتها، ومشروع رقمنة مقتنياتها، والضوابط التي تضعها لحماية الكتب والمصادر النادرة، فضلًا عن دورها في إعداد أجيال جديدة من الباحثين والمؤرخين، وأهمية الوثائق التاريخية في توثيق حقوق مصر، ودور المدرسة التاريخية المصرية في إعادة قراءة تاريخ البلاد بأقلام أبنائها....وهنا تفاصيل الحوار:

- بداية.. ما دور الجمعية المصرية للدراسات التاريخية فى حماية الذاكرة الوطنية المصرية؟
الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، واحدة من أهم الجمعيات العلمية فى مصر والمنطقة العربية، وتؤدي مقتنياتها دورًا مهمًا فى حماية الذاكرة الوطنية المصرية، لما تضمه من مصادر ومراجع ومواد أولية ذات قيمة كبيرة تساعد فى دراسة تاريخ مصر وتوثيقه.
وقد أُنشئت الجمعية فى نهاية الحرب العالمية الثانية، وكان من أهم أهدافها الحفاظ على تاريخ مصر، والمساهمة فى إعداد جيل من المؤرخين يكتب تاريخ بلاده بأقلام مصرية، ومن هذا المنطلق، اهتمت الجمعية منذ نشأتها بجمع المصادر والمراجع، إلى جانب المادة الأولية التي يعتمد عليها الباحثون فى كتابة التاريخ، وهو ما أسهم فى الحفاظ على جانب مهم من الذاكرة المصرية وإتاحته للأجيال المتعاقبة.

- هل يقتصر دور الجمعية فى حماية الذاكرة الوطنية على حفظ المقتنيات والمصادر التاريخية؟
بالتأكيد لا، فدور الجمعية يتجاوز حفظ المقتنيات إلى بناء الإنسان القادر على التعامل مع هذه المادة التاريخية، نحن نهتم بتكوين جيل من الباحثين والمؤرخين يمتلك مهارات البحث العلمي، وقادرًا على تحمل مسؤولية دراسة تاريخ مصر وكتابته وفق المناهج والاتجاهات الحديثة فى علم التاريخ.
وهذا الأمر بالغ الأهمية، لأن الحفاظ على الذاكرة الوطنية لا يتحقق بمجرد جمع الوثائق والمصادر، وإنما يحتاج إلى باحث يستطيع قراءتها وتحليلها ونقدها والاستفادة منها فى تقديم رؤية تاريخية علمية.
- وماذا عن دور الجمعية فى دعم الباحثين وطلاب الدراسات العليا؟
الجمعية تضم أساتذة التاريخ والمتخصصين والمهتمين بالدراسات التاريخية، إلى جانب طلاب الدراسات العليا فى مختلف الجامعات المصرية، وبالتالي فهي تمثل ملتقى علميًا يجمع أجيالًا مختلفة من الباحثين.
كما تحرص الجمعية على تنظيم حلقات علمية بصورة مستمرة، من خلال السيمنارات والندوات والمؤتمرات التي تتيح للباحثين عرض أعمالهم ومناقشتها، وتبادل الخبرات والأفكار، والتعرف على أحدث الاتجاهات والمناهج فى كتابة التاريخ.

- وكيف تسهم هذه الأنشطة فى تعزيز حماية الذاكرة المصرية؟
هذه الأنشطة تضمن استمرار التواصل بين الأجيال، وتساعد على إعداد باحثين يمتلكون أدوات علمية حديثة للتعامل مع التاريخ ومصادره، وكلما تطورت قدرات الباحث، أصبح أكثر قدرة على قراءة المادة التاريخية بصورة صحيحة، ومراجعة الروايات، والوصول إلى نتائج أكثر دقة وموضوعية.
ومن هنا، فإن دور الجمعية فى حماية الذاكرة الوطنية يقوم على محورين متكاملين: الحفاظ على المصادر والمقتنيات من ناحية، وإعداد الأجيال القادرة على دراستها وكتابة التاريخ منها من ناحية أخرى، وهذه مسؤولية نحرص على استمرارها، لأن الذاكرة الوطنية هي أساس وعي المجتمع بتاريخه وهويته.
- هل تُعقد السيمنارات العلمية فى الجمعية بصورة دورية، أم على فترات متباعدة؟ وهل تنظمون دورات تدريبية إلى جانبها؟
السيمنارات العلمية فى الجمعية تُعقد بصورة دورية ومنتظمة طوال العام الدراسي، من شهر سبتمبر وحتى يوليو، وتتوقف فقط خلال الإجازة الصيفية فى شهر أغسطس، وكل سيمنار يعقد مرة شهريًا بشكل منتظم، بما يتيح للباحثين والمتخصصين متابعة أحدث الدراسات والأبحاث فى مختلف فروع التاريخ.
ولدينا سيمنار متخصص فى تاريخ مصر القديم، ويحظى بحضور كبير من أساتذة التاريخ والمتخصصين فى علم المصريات من مختلف الجامعات المصرية، وهناك أيضًا سيمنار يهتم بدراسة التاريخ اليوناني والروماني، مع التركيز على تاريخ مصر خلال العصرين اليوناني والروماني، وهي مرحلة مهمة فى تاريخ البلاد.

كما تنظم الجمعية سيمنارًا متخصصًا فى التاريخ الإسلامي والوسيط، ويضم لجنة علمية من عدد من أساتذة الجامعات، وله حضور ومتابعة من الباحثين والمهتمين بهذا المجال، إلى جانب ذلك، هناك سيمنار مخصص لدراسة تاريخ مصر فى العصر العثماني، وهي فترة تمتد من عام 1517 وحتى فرض الحماية البريطانية على مصر عام 1914، أي ما يقرب من أربعة قرون، ولذلك تحظى هذه المرحلة باهتمام علمي كبير.
ولدينا أيضًا سيمنار متخصص فى التاريخ المعاصر، ويعقد بصورة دورية، ضمن منظومة الحلقات العلمية التي تنظمها الجمعية.
أما بالنسبة للدورات، فقد شهد هذا العام تنظيم دورة علمية استمرت يومين، نظمها أحد السيمنارات المتخصصة بالجمعية، وركزت على الوثائق والمخطوطات والآثار الفارسية، واستهدفت العاملين والمسؤولين فى مجال الآثار والباحثين المهتمين بهذا النوع من المصادر، وقد شهدت الدورة حضورًا لافتًا، وكانت من الفعاليات التي حققت تفاعلًا كبيرًا خلال الفترة الأخيرة.
وبالتالي، فالجمعية لا تكتفي بتنظيم الندوات والمؤتمرات، وإنما تحرص على وجود حلقات علمية منتظمة ودورات متخصصة، بما يوفر للباحثين مساحة مستمرة للتعلم والنقاش وتبادل الخبرات، ويسهم فى تطوير أدواتهم فى دراسة التاريخ ومصادره.
- ما أبرز ما يجب أن تحافظ عليه مصر للأجيال المقبلة، من وجهة نظركم؟
أعتقد أن أهم ما يجب أن تحافظ عليه مصر للأجيال المقبلة هو تاريخها بكل ما يرتبط به من وثائق وآثار ومصادر ومراجع، لأن فقدان المصدر الذي يشهد على واقعة أو حادثة تاريخية يعني فقدان جزء من هذه الواقعة إلى الأبد، وقد تسقط من حسابات التاريخ بلا رجعة.

ولذلك نحن فى حاجة إلى الحفاظ على آثارنا ووثائقنا ومصادرنا التاريخية، وكذلك المكتبات التي تحتفظ بهذا التراث، ومن بينها دار الوثائق القومية، ودار الكتب، ومكتبة الإسكندرية، ومكتبة جامعة القاهرة وغيرها من المؤسسات التي تضم كنوزًا وثائقية ومعرفية مهمة.
ولا شك، أن الحفاظ على هذه الوثائق والمقتنيات ليس مجرد حفاظ على كتب أو أوراق أو آثار، وإنما هو حفاظ على ذاكرة المجتمع ووجدانه وهويته الوطنية، وكلما نجحنا فى صيانة هذه المصادر وفهرستها ورقمنتها وإتاحتها للباحثين، ضمنا أن تصل صورة تاريخ مصر إلى الأجيال المقبلة بصورة أكثر دقة ووضوحًا.
- بماذا تتميز الجمعية المصرية للدراسات التاريخية عن غيرها من المؤسسات المعنية بالتاريخ؟
أبرز ما يميز الجمعية أنها المؤسسة العلمية المتخصصة فى الدراسات التاريخية فى مصر والشرق الأوسط، وهذا يمنحها مكانة خاصة بين المؤسسات والجمعيات العلمية المعنية بالتاريخ.
ومن أهم ما يميزها أيضًا امتلاكها مكتبة تاريخية فريدة، تمثل حصيلة ما جمعته الجمعية من مصادر ومراجع منذ تأسيسها عام 1945 وحتى اليوم، وتضم المكتبة مجموعات مهمة من مضابط البرلمان المصري، والدوريات والصحف المصرية، وكتاب «وصف مصر»، إلى جانب مصادر ووثائق تتعلق بفترات تاريخية مهمة، من بينها الحملة الفرنسية والعصر العثماني والقرن التاسع عشر.
وخلال السنوات الأخيرة، حرصت الجمعية على إثراء مكتبتها من خلال ضم عدد كبير من المكتبات الخاصة للعلماء والمثقفين، خاصة فى ظل محدودية الإمكانيات المادية التي أثرت على عملية تزويد المكتبة بالمصادر الجديدة، ولذلك أصبح اقتناء المكتبات الخاصة أحد أهم السبل للحفاظ على هذا التراث وإتاحته للباحثين.

ومن أبرز المكتبات التي انضمت إلى الجمعية مكتبة الدكتور رؤوف عباس، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب جامعة القاهرة، وكذلك مكتبة الدكتور جمال زكريا، ومكتبة الكاتب والمؤرخ صلاح عيسى، وهي مكتبة كبيرة ومتنوعة وثرية بالمصادر.
كما انضمت مؤخرًا إلى مكتبة الجمعية المقتنيات التاريخية من مكتبة الدكتور جابر عصفور، إلى جانب مكتبات عدد كبير من الأساتذة والعلماء الذين تبرعت أسرهم بمكتباتهم للجمعية، لتظل هذه المجموعات متاحة للباحثين بدلًا من أن تتفرق أو تضيع.
ومن أحدث هذه الإضافات مكتبة الدكتور علي بركات، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب جامعة حلوان، والتي انضمت إلى مكتبة الجمعية بعد وفاته منذ أشهر قليلة.
وبالتالي، فإن قيمة الجمعية لا تتمثل فقط فى كونها تجمع المتخصصين فى الدراسات التاريخية، وإنما أيضًا فى المكتبة التي تراكمت محتوياتها على مدى عقود، وأصبحت تضم مصادر ومجموعات شخصية تمثل جزءًا من الذاكرة العلمية والتاريخية لمصر.

- ماذا عن مشروع رقمنة الكتب والمقتنيات الموجودة فى الجمعية؟ وهل هناك خطة لإتاحتها للباحثين عبر الإنترنت؟
بالفعل، نحن نعمل فى الجمعية المصرية للدراسات التاريخية بجهودنا الذاتية وإمكاناتنا المحدودة، ومع ذلك بدأنا مشروعًا لإنشاء قاعدة بيانات شاملة لمقتنيات الجمعية، باعتبارها الخطوة الأولى نحو رقمنة هذا التراث وإتاحته.
وقد قطعنا شوطًا مهمًا فى هذا المشروع، وأنجزنا حتى الآن ما يقرب من 50% من قاعدة بيانات مقتنيات الجمعية، ونسير فى هذا الاتجاه بخطوات ثابتة، وبعد الانتهاء من حصر وتسجيل المقتنيات، ستكون الخطوة التالية هي البدء فى عمليات الرقمنة وإتاحة المحتوى للباحثين عبر الإنترنت.
وبالطبع، تحتاج هذه المرحلة إلى إمكانات مادية وتقنية، لكننا فى الجمعية حريصون فى الوقت نفسه على أن تتم عمليات الرقمنة داخل مقر الجمعية، حفاظًا على المقتنيات وضمانًا لسلامتها.
وقد رفضنا بالفعل بعض المقترحات التي كانت تتضمن إخراج أجزاء من المكتبة التاريخية من مقر الجمعية لنقلها إلى جهات أخرى بهدف رقمنتها ثم إعادتها لاحقًا، ونحن متمسكون بأن تتم عملية الرقمنة داخل الجمعية، لأن هذه المقتنيات تمثل جزءًا مهمًا من التراث التاريخي والعلمي، ولا نريد أن نعرضها لأي مخاطر تتعلق بخروجها من مقرها أو صعوبة إعادتها لأي سبب.
هدفنا فى النهاية هو الحفاظ على الأصل وإتاحة محتواه فى الوقت نفسه، بحيث يستطيع الباحثون الوصول إلى هذا التراث والاستفادة منه دون أن يتعرض الكتاب أو الوثيقة الأصلية للتداول أو النقل المتكرر.

- إلى أي جهة تعود تبعية الجمعية المصرية للدراسات التاريخية؟
الجمعية المصرية للدراسات التاريخية تتبع وزارة التضامن الاجتماعي، باعتبارها من الجمعيات الأهلية المسجلة لدى الوزارة، وكانت تتبع فى السابق وزارة الشؤون الاجتماعية قبل أن تنتقل تبعية الجمعيات الأهلية إلى وزارة التضامن الاجتماعي.
وبالتالي، تسري على الجمعية القوانين واللوائح المنظمة لعمل الجمعيات الأهلية فى مصر، سواء فيما يتعلق بتأسيسها أو إدارتها أو ممارسة أنشطتها، والجمعية تعمل تحت إشراف ومتابعة وزارة التضامن الاجتماعي، ونحيط الوزارة علمًا بمختلف أنشطتنا وفعالياتنا، كما تتم انتخابات مجلس إدارة الجمعية تحت إشراف الوزارة، وفقًا للقواعد والضوابط المنظمة لعمل الجمعيات الأهلية.
وهذا الإطار القانوني يضمن انتظام عمل الجمعية وممارسة أنشطتها العلمية والثقافية فى إطار القوانين المنظمة، مع الحفاظ على دورها المتخصص فى خدمة الدراسات التاريخية وحماية الذاكرة الوطنية.

- ألا ترون أن الجمعية المصرية للدراسات التاريخية من الأفضل نقل تبعيتها إلى مجلس الوزراء أو وزارة الثقافة؟
نقل تبعية الجمعية إلى مجلس الوزراء أو وزارة الثقافة أو وزارة التعليم العالي أو أي جهة أخرى، هو قرار يعود إلى الدولة. وبالتأكيد، إذا حدث ذلك، فسيكون أمرًا إيجابيًا للغاية، خاصة أن طبيعة عمل الجمعيات العلمية، مثل الجمعية المصرية للدراسات التاريخية والجمعية الجغرافية، تختلف إلى حد كبير عن طبيعة أنشطة الجمعيات الأهلية الأخرى.
وقد سبق أن سعى عدد من أساتذة الجمعية وأعضاء مجالس إدارتها السابقين، ومن بينهم الدكتور عبد العظيم رمضان والأستاذ الدكتور رؤوف عباس، إلى بحث إمكانية نقل تبعية الجمعية من وزارة التضامن الاجتماعي إلى جهة تكون أكثر ارتباطًا بمجالات الثقافة والتعليم والبحث العلمي، سواء كانت رئاسة مجلس الوزراء أو وزارة التعليم العالي.
- وهل تقف التبعية الحالية عائقًا أمام نشاط الجمعية؟
على العكس، من الأمانة أن أشيد بدور وزارة التضامن الاجتماعي، لأننا لم نواجه أي مشكلة فى ممارسة أنشطتنا العلمية فى ظل التبعية الحالية. بل إن الوزارة تقدم لنا دعمًا ومساندة، ولم نجد اعتراضًا على أي ندوة أو فعالية علمية تنظمها الجمعية، ولذلك يجب الإشادة بهذا التعاون.
لكن إذا رأت الدولة أن نقل تبعية الجمعية إلى جهة أخرى سيكون أكثر ملاءمة لطبيعة دورها، ويسهم فى الحفاظ على الذاكرة الوطنية وحماية التراث التاريخي، فنحن نرحب بهذا الأمر ولا نمانعه.
ف الجمعية المصرية للدراسات التاريخية تؤدي فى النهاية دورًا يتجاوز مفهوم النشاط الأهلي التقليدي، فهي مؤسسة علمية لها تاريخ طويل، وتشارك فى تشكيل الوعي والوجدان التاريخي لقطاع كبير من أبناء المجتمع المصري المهتمين بالتاريخ والدراسات التاريخية، ومن ثم فإن دعمها والحفاظ على مقتنياتها وتطوير إمكاناتها يصب فى مصلحة الذاكرة الوطنية المصرية.

- هل تضم الجمعية أعضاء من غير المتخصصين فى التاريخ؟
نعم، الجمعية لا تقتصر عضويتها على الحاصلين على درجات علمية فى التاريخ، لدينا أعضاء ليسوا من خريجي أقسام التاريخ، ولا يحملون درجات الدكتوراه فى هذا التخصص، لكنهم مهتمون بالدراسات التاريخية ولديهم اهتمام حقيقي بالبحث والمعرفة التاريخية، وهؤلاء يمارسون نشاطهم داخل الجمعية مثلهم مثل باقي الأعضاء، طالما أن اهتمامهم الأساسي ينصب على الدراسات التاريخية.
- هل تمتلك الجمعية مكتبة للكتب والمصادر النادرة؟
نعم، لدينا مكتبة مخصصة للمقتنيات النادرة، وتضم كتبًا ومصادر تاريخية يصعب العثور على نسخ بديلة منها، ولذلك حرصنا على تخصيص مكان مستقل لها بهدف حمايتها والحفاظ عليها.
ونحن نؤمن بأن قيمة المصدر التاريخي الحقيقية تكمن فى إتاحته للباحثين، لكن فى الوقت نفسه فإن التعامل المتكرر مع المصادر النادرة، خاصة إذا لم يكن وفق أسس علمية، قد يؤدي إلى تلفها مع مرور الوقت ويقلل من قدرتها على البقاء.
لذلك وضعنا ضوابط للتعامل مع هذه المقتنيات، بحيث لا تكون متاحة بصورة مفتوحة للجميع، وإنما يتم الاطلاع عليها فى الحالات التي تستدعي ذلك، وللباحثين والمتخصصين الذين يحتاجون إليها فى دراساتهم، مع تنظيم عملية التصوير والاطلاع عليها.

والهدف من هذه الإجراءات ليس حجب المصادر عن الباحثين، وإنما تحقيق التوازن بين إتاحتها والاستفادة منها، وبين الحفاظ عليها من التلف والضياع، حتى تظل متاحة للأجيال المقبلة.
- بالنسبة لكتاب «وصف مصر»، لفت انتباهي أن النسخة الموجودة فى الجمعية تختلف فى شكل مجلداتها عن نسخة أخرى رأيتها فى المجمع العلمي.. فهل كانت كل نسخة تُنتج بشكل مختلف؟
لا أستطيع أن أفيدك بشكل قاطع فيما إذا كانت النسخ الأربعون قد نُسخت من بعضها أم لا، أو ما إذا كانت هناك اختلافات فى طريقة إعدادها وتجليدها، لكن ما أستطيع تأكيده أن النسخة الموجودة فى الجمعية المصرية للدراسات التاريخية نسخة أصلية.
وهذه النسخة أودعت فى الجمعية قبل ثورة يوليو 1952، بل إن «وصف مصر» واللوحات المصاحبة له كانا من أوائل مقتنيات الجمعية منذ تأسيسها، ولذلك فالكتاب يمثل جزءًا أصيلًا من تاريخ الجمعية ومقتنياتها التاريخية.
وأعتقد أن جانبًا مهمًا من مقتنيات الجمعية فى بداياتها كان مرتبطًا بالمكتبات الموجودة فى قصر عابدين والأسرة الحاكمة، خصوصًا فى الفترة التي كان هناك فيها اهتمام بتكوين مجموعات ومكتبات تخدم البحث العلمي وتاريخ مصر.
هل أسفرت أعمال اللجنة التي شُكلت لكتابة تاريخ مصر بأقلام مصرية عن مؤلفات بارزة فى تاريخ مصر؟ وما أهم هذه الأعمال؟
بالفعل، كانت هناك مجموعة من المؤرخين الذين أسهموا فى هذه المرحلة فى إعادة كتابة تاريخ مصر بأقلام مصرية، ومن أبرزهم محمد شفيق غربال، وراشد البراوي، ومحمد فؤاد شكري، إلى جانب عدد من المؤرخين الذين شكلوا نواة مهمة للمدرسة التاريخية المصرية الحديثة.
وقدمت هذه المجموعة عددًا من الدراسات والمؤلفات التي تناولت مراحل مختلفة من تاريخ مصر، وأسست لمرحلة جديدة أصبح فيها المؤرخ المصري أكثر حضورًا فى كتابة تاريخ بلاده، بالاعتماد على المصادر والوثائق والدراسة العلمية، ويمكن القول إن هذه الجهود مثلت بداية حقيقية لتكوين المدرسة التاريخية المصرية، ثم جاء جيل الخمسينيات والستينيات ليستكمل ما بدأه الرواد، ويطور مناهج البحث التاريخي ويوسع مجالات الدراسة.

ولم يتوقف تأثير هذه المدرسة عند حدود مصر، وإنما امتد إلى العالم العربي؛ فقد أسهم عدد من أساتذة التاريخ المصريين فى تأسيس أقسام التاريخ وتطوير الدراسات التاريخية فى جامعات عربية عديدة، من بينها جامعات فى المملكة العربية السعودية والكويت ودول المغرب العربي.
- بالنسبة للجمعية المصرية للدراسات التاريخية، هل كان لها دور فى مراجعة وتنقيح هذه الكتب ؟
أعتقد أننا فى البداية يجب أن ندرك أن التاريخ علم لا توجد فيه إجابة واحدة نهائية؛ فالحدث التاريخي الواحد يمكن أن تكون له أكثر من قراءة وتفسير وتحليل، وكل ذلك يرتبط إلى حد كبير برؤية المؤرخ ومنهجه وثقافته، ولذلك نقول إن التاريخ هو محصلة ذاتية المصدر وذاتية المؤرخ، فحتى الوثيقة التي يعتمد عليها المؤرخ ليست بالضرورة حقيقة مطلقة، لأن صاحب الوثيقة نفسه قد يكون كتبها وفقًا لمعلوماته أو قناعاته أو توجهاته أو الظروف التي أحاطت به وقت كتابة الوثيقة.
ثم يأتي دور المؤرخ، فيقرأ هذه الوثيقة ويفسرها وفق ثقافته ومنهجه ورؤيته، ولذلك يمكن أن يختلف مؤرخان فى تفسير المصدر نفسه والوصول إلى نتائج مختلفة، ومن هنا، فنحن لا نتعامل مع الدراسات التي كتبها مؤرخون أجانب عن تاريخ مصر باعتبارها كتبًا يجب حذفها أو تنقيحها، وإنما نتعامل معها باعتبارها مصادر تحتاج إلى قراءة نقدية ومقارنة، فعندما أقرأ دراسة لمؤرخ أجنبي، أضع ما كتبه أمام مصادر أخرى، وأقارن بين الروايات، ثم أصل إلى النتيجة التي أراها أكثر اتساقًا مع الأدلة المتاحة.

وعلى سبيل المثال، عندما أقرأ ما يكتبه مؤرخ إسرائيلي عن حرب أكتوبر، فمن الطبيعي أن تكون له رؤية مختلفة عن رؤية المؤرخ المصري، وقد لا يصف نتائج الحرب بالطريقة التي يصفها بها المؤرخ المصري، لكنني فى هذه الحالة لا أتجاهل ما كتبه، وإنما أتعامل معه كمصدر، وأضعه بجوار المصادر المصرية والعربية وغيرها، ثم أقوم بالمقارنة والتحليل للوصول إلى استنتاج علمي، وبالتالي، فإن ما كُتب عن تاريخ مصر خلال الفترة الاستعمارية لا نرى أن الحل معه هو مجرد تنقيح الكتب وحذف ما نختلف معه، وإنما الأهم هو أن يطلع الباحث على هذه الدراسات ويفهم سياقها، ثم يمتلك الأدوات التي تمكنه من نقدها وتحليلها ومقارنتها.
ولهذا تمت ترجمة عدد من هذه الدراسات إلى العربية بترجمات علمية واعية، بهدف إتاحة ما كتبه هؤلاء المؤرخون أمام الباحث المصري، حتى يكون قادرًا على النقد والفهم والمقارنة وإعادة بناء الرواية التاريخية.

وهذا فى رأيي هو الدور الأهم الذي يمكن أن تقوم به الجمعية: أن تتيح للباحث مصادر متعددة، وتدربه على التعامل معها بصورة نقدية، بدلًا من أن تقدم له رواية واحدة باعتبارها الحقيقة المطلقة. فالمؤرخ الحقيقي لا يكتفي بما يقوله مصدر واحد، وإنما يبحث ويقارن ويحلل، ثم يكوّن رؤيته الخاصة استنادًا إلى الأدلة.
- هل كانت هناك كتابات مصرية عن تاريخ البلاد خلال فترات الاستعمار، أم أن المؤرخين الأجانب كانوا هم المصدر الأساسي للتأريخ لهذه المراحل؟
بالتأكيد كانت هناك كتابات عن تاريخ مصر، ولم يكن الأمر مقتصرًا على المؤرخين الأجانب، لكن المهم أن نفرق بين وجود كتابات تاريخية وبين وجود مدرسة تاريخية مصرية لها مشروع واضح ومنهج متكامل، وهو الأمر الذي بدأ يتبلور بصورة أكبر منذ ثلاثينيات القرن العشرين وما بعدها.

كما أن بعض الذين كتبوا عن مصر فى تلك الفترة لم يكونوا مصريين بالضرورة، فقد جاء عدد من المثقفين الشوام إلى مصر، وتبنوا رؤية مصرية وقومية عربية، لأن مصر كانت فى ذلك الوقت بيئة حاضنة للتيار القومي العربي، وأسهم هؤلاء فى الحياة الثقافية والصحفية، وأنشأوا عددًا من الصحف والمجلات والمؤسسات الثقافية المهمة.
ومن أبرز الأسماء فى هذا السياق جورجي زيدان، إلى جانب عدد من المثقفين الذين أسهموا فى الكتابة عن التاريخ والمجتمع العربي والمصري، كما كانت هناك كتابات مهمة للإمام محمد عبده، ورشيد رضا، ومواد تاريخية وفكرية نشرتها مجلة «المنار»، فضلًا عن كتابات شكيب أرسلان، وكانت هذه الكتابات تتناول قضايا التاريخ والحضارة وأسباب تقدم الغرب وتأخر الشرق، وتحاول تفسير أسباب التراجع فى مجتمعات صاحبة حضارة عريقة، وهو ما يعكس وجود اهتمام حقيقي بالتاريخ وقضايا المجتمع.
- ما الوثيقة أو نوع الوثائق التي تتمنى إنقاذها من الضياع والحفاظ عليها للأجيال المقبلة؟
أعتقد أن أهم الوثائق التي يجب الحفاظ عليها هي كل الوثائق المرتبطة بقضايا الحدود المصرية، لأنها لا تمثل قيمة تاريخية فقط، وإنما ترتبط أيضًا بالسيادة والحقوق الوطنية.
ولعل قضية طابا تقدم نموذجًا واضحًا لأهمية هذه الوثائق؛ فقد كانت قضية شائكة، وكان البحث فى الوثائق والخرائط التي تثبت حق مصر فى أراضي سيناء أحد العوامل المهمة التي ساعدت على استعادة كل شبر من الأراضي المصرية.
ولهذا فإن الخرائط والوثائق المتعلقة بالحدود تمثل ثروة وطنية حقيقية، ويجب الحفاظ عليها وفهرستها ورقمنتها، لأنها قد تكون فى لحظة ما الدليل الحاسم فى إثبات حق من الحقوق التاريخية والقانونية لمصر.
و الجمعية المصرية للدراسات التاريخية كان لها إسهام فى هذا المجال من خلال عدد من أعضائها، ومن أبرزهم الدكتور يونان لبيب رزق، رحمه الله، الذي كان عضوًا فى اللجنة المعنية بقضية طابا، كما كان عضوًا فى مجلس إدارة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، وأعد كتابًا تناول فيه قضية طابا وأبعادها التاريخية.
وهذا يؤكد أن الوثيقة التاريخية ليست مجرد ورقة قديمة محفوظة فى أرشيف، وإنما قد تتحول إلى شاهد أساسي على حق من حقوق الدولة، ولذلك فإن الحفاظ عليها مسؤولية وطنية وعلمية فى الوقت نفسه.
- هل هناك وثائق موجودة داخل الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، أو كتب ضمن مكتبتها، تم الاستعانة بها فى قضية طابا أو فى أعمال التحكيم؟
نعم، لدينا كتب ومصادر كثيرة تم الاعتماد عليها فى الدراسات التاريخية، لكن بالنسبة إلى الوثائق الخاصة بقضية طابا، فقد جرى البحث عنها والحصول عليها من خلال جهات ومؤسسات أرشيفية متعددة، وفي مقدمتها دار الوثائق القومية المصرية، إلى جانب دور الوثائق الموجودة خارج مصر.
وهنا يجب أن ننتبه إلى أن جزءًا كبيرًا من تاريخ مصر وثائقه موجود خارج البلاد، نتيجة للظروف التاريخية التي مرت بها مصر، فعلى سبيل المثال، خلال فترة الحكم العثماني لمصر، من عام 1517 حتى عام 1914، كانت هناك مراسلات ووثائق متبادلة بين الولاة فى مصر والسلاطين العثمانيين، فبعض هذه الوثائق بقي فى مصر، بينما يوجد جزء آخر فى الأرشيفات التركية.
والأمر نفسه ينطبق على فترة الوجود البريطاني فى مصر، إذ توجد وثائق مهمة تتعلق بتاريخ مصر فى الأرشيف البريطاني، كما توجد وثائق أخرى فى الأرشيف الفرنسي والأمريكي وغيرها من الأرشيفات الأجنبية.
لكن هناك مسألة مهمة تتعلق بإتاحة هذه الوثائق؛ فبعض الدول تضع قيودًا على وثائق معينة، خصوصًا تلك المرتبطة بالأمن القومي أو بالقضايا الحساسة، ولذلك نجد فى الأرشيف البريطاني، على سبيل المثال، وثائق تتعلق بتاريخ مصر مصنفة تحت درجات سرية مثل «Top Secret»، ولا يمكن الاطلاع عليها إلا وفق القواعد والتصاريح التي تحددها الجهات المعنية هناك، ومع مرور الوقت، ووفقًا للقوانين والضوابط المعمول بها، يتم رفع السرية عن بعض الوثائق وإتاحتها للباحثين، بينما تظل وثائق أخرى غير متاحة لفترات أطول بحسب طبيعتها.
وهذا الأمر ليس قاصرًا على الأرشيفات الأجنبية؛ فمصر أيضًا لديها ضوابط تحكم إتاحة الوثائق المرتبطة بالأمن القومي والمصالح العليا للدولة، وبالتالي، فإن التعامل مع الوثائق التاريخية يخضع دائمًا لمعادلة دقيقة بين إتاحتها للباحثين وبين الحفاظ على المعلومات التي تقتضي طبيعتها عدم نشرها إلا فى الوقت الذي تسمح به القوانين والضوابط.
وهذا يوضح أن كتابة تاريخ مصر لا تعتمد فقط على المصادر الموجودة داخل البلاد، وإنما تتطلب فى كثير من الأحيان البحث فى أرشيفات دول أخرى ومقارنة ما تضمه من وثائق بالمصادر المصرية للوصول إلى صورة أكثر اكتمالًا ودقة عن الأحداث التاريخية.
- هل يمكن للجمعية المصرية للدراسات التاريخية أن تقوم بدور أكبر فى تصحيح بعض المنشورات أو المعلومات التاريخية الخاطئة من خلال نشر فيديوهات أو محتوى توعوي؟
بالفعل، نحن لدينا موقع إلكتروني ومنصات على وسائل التواصل الاجتماعي، ونحرص من خلالها على نشر كل ما يتعلق بالقضايا التاريخية التي نناقشها فى ندواتنا ومؤتمراتنا، إلى جانب الحوارات والأنشطة العلمية التي تنظمها الجمعية، ولدينا أيضًا لجنة معنية بنشر ثقافة التاريخ فى المجتمع، وهي لا تقتصر فى عملها على الباحثين والمتخصصين، وإنما تسعى إلى الوصول إلى مختلف فئات المجتمع، وخاصة الشباب وطلاب المدارس.
وتقوم اللجنة بزيارات إلى المدارس الموجودة فى محيط الجمعية، وتنظم لقاءات مع الطلاب للتعريف بأهمية التاريخ وقيمته، وتوضيح دوره فى تشكيل الوعي والهوية الوطنية.
ونحن نؤمن بأن مسؤولية الجمعية لا تقتصر على الباحث المتخصص، وإنما تمتد إلى المجتمع المحيط بها، ولذلك نحاول أن نستخدم مختلف الوسائل المتاحة، سواء الندوات والمؤتمرات أو المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، لنشر المعرفة التاريخية الصحيحة ومواجهة المعلومات المغلوطة.
وأعتقد أن هذه المسألة أصبحت أكثر أهمية فى الوقت الحالي، لأن انتشار المعلومة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة صحتها. ومن هنا تأتي مسؤولية المؤسسات العلمية فى تقديم المعلومة الموثقة بلغة مبسطة تصل إلى الجمهور، وخاصة الأجيال الجديدة.