"صعق بالكهرباء، تعرية قسرية، اعتداءات وإذلال جنسي، تهديد بالكلاب، إجبار على اتخاذ أوضاع مؤلمة، حرمان من النوم، وتصوير المعتقلين في أوضاع مهينة".. لم تكن تلك مجرد شهادات عابرة عن سجن عراقي سيئ السمعة، بل كانت جزءًا من واحدة من أكثر فضائح الاحتلال الأمريكي للعراق، الذي كان التابع الأقوى لزلزال 11 سبتمبر.
في عام 2004، كشفت صور التقطها جنود أمريكيون داخل سجن أبو غريب قرب بغداد عن مشاهد لمعتقلين عراقيين يتعرضون للإهانة والمعاملة الوحشية، لتتحول القضية إلى فضيحة عالمية هزت صورة الولايات المتحدة، وتفتح في الوقت نفسه أسئلة لم تُغلق حتى اليوم حول المسؤولية القانونية عن الانتهاكات التي تعرض لها المعتقلون.
وبعد أكثر من عقدين، وصلت معركة ثلاثة عراقيين كانوا من بين معتقلي أبو غريب إلى واحدة من أهم ساحات القضاء الأمريكي. ففي نوفمبر 2024، أصدرت هيئة محلفين أمريكية حكمًا بإلزام شركةCACI Premier Technology، المتعاقدة مع الحكومة الأمريكية لتقديم خدمات الاستجواب في أبو غريب، بدفع 42 مليون دولار لثلاثة عراقيين، بعدما خلصت الهيئة إلى مسؤوليتها عن التآمر لارتكاب التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة.
واستأنفت الشركة على قرار المحكمة وطالبت في دفاعها بمحاكمة الجيش الأمريكي، كونه الجهة التي يجب أن تُلام وليس الشركة المقاولة، إلا أن المحكمة بعد ذلك رفضت الاستئناف، وقضت بدفع 42 مليون دولار للضحايا تعويضًا عما عاشوه، بحسب أسوشيتد برس.
شهادات تدمع لها العين
خرج العشرات من سجن أبو غريب بمجموعة شهادات لوسائل الإعلام الدولية يروون فيها ما عانوه في أثناء فترة اعتقالهم بالسجن.
بشار النعيمي يروي في إحدى شهاداته مع وسائل الإعلام، كيف كان يضع السجانون الأمريكيون صاعق الكهرباء ليصعقوا أجسادهم في مناطق حساسة بالجسم، معربًا عن دهشته من أن يكون هناك هذا الكم من الأشخاص الجاثمين على ظهورهم أو بطونهم بشكل مشين ويعانون فيه من أوجاع غير محتملة، ولا يستطيعون التحرك من الألم، ويوجد شخص يقف ينظر لهذا المشهد أمامه مباشرةً ولا يشعر بأي ذرة شفقة، بل يضحك عليهم!
عصا المكنسة
أما علي القيسي، الذي لم يكن سوى طالب عندما اعتقلته القوات الأمريكية بالعراق، فيروي كيف كانت القوات الأمريكية تتفنن في تعذيبهم من خلال وضع عصا المكنسة المكسورة في مناطق حساسة بأجسادهم لتنزف نزيفًا مبرحًا، كما كانوا يعلقونهم أيضًا بشكل مهين.
حفل استقبال
يروي علي القيسي أنهم عندما كانت تصل مجموعة جديدة من المسجونين، يتم تجريدهم جميعًا من ملابسهم ووضعهم في ساحة الاستقبال بالسجن، ويُعطى كل شخص رقمًا يعبر عنه، ثم يربطونهم في أوضاع غير مريحة ويلقونهم فوق بعضهم، ويظلون أيامًا عاريين تمامًا على هذا الوضع المشين.
التعذيب بالموسيقى
تفننت القوات الأمريكية آنذاك في أساليب التعذيب، إذ تعرض علي القيسي إلى تعذيب بشكل مختلف أيضًا، وهو أن ينام على بطنه ويتم ربطه بقوة، ثم توضع سماعات كبيرة جدًا عند أذنه، ويتم تشغيل موسيقى عالية جدًا عند أذنيه لفترة طويلة، ويذكر علي أنه ظل يسمع هذه الموسيقى بعد إغلاقها ليوم كامل دون توقف، فضلًا عن حرمانهم من النوم تمامًا.
لجأت القوات الأمريكية، وفقًا للشهادات المختلفة، إلى انتهاكات عرض المسجونين، إلا أن علي القيسي يروي أنه في أثناء الاستجواب كانت تدخل ضابطات أمريكيات وتقوم بحركات غير لائقة في أثناء عقدها التحقيق مع المسجونين، فضلًا عن إقدامها على أفعال مشينة في أثناء التحقيق.
كما أشارت الصور التي اضطرت الحكومة للإفراج عنها إلى التعذيب بالكلام وانتهاكات مشينة للكرامة الإنسانية والجسدية والنفسية.
انتصار تحول إلى خيبة
في 28 أغسطس 2026، وبعد أشهر من قرار للمحكمة العليا الأمريكية غيّر الإطار القانوني للدعاوى المقامة بموجب قانون المسؤولية التقصيرية للأجانب، ألغت محكمة الاستئناف الأمريكية للدائرة الرابعة حكمها السابق الذي أيد تعويضات الضحايا، وأمرت بإسقاط القضية دون تحيز.
وبعد 18 عامًا من التقاضي، وجد ثلاثة من ضحايا أبو غريب أنفسهم أمام مفارقة قاسية، هيئة محلفين أمريكية صدقت روايتهم ومنحتهم 42 مليون دولار، قبل أن يؤدي تطور قانوني لاحق إلى إلغاء الحكم.
وقال صلاح العجيلي، وفقًا لما نقلته الصحف الأمريكية: "ما فعلناه في سعينا إلى المساءلة لمدة 18 عامًا عن التعذيب الذي تعرضنا له في أبو غريب كان أمرًا كبيرًا. لقد وثقنا بهيئة محلفين أمريكية بقصصنا، وصدقونا وانحازوا إلينا، وهذا هو الجزء الأكثر أهمية في القضية، سيظهر التاريخ أن المحكمة العليا هي التي حرمتنا من العدالة".