مع الأشهر الأولى من عمر الطفل، قد تتحول كل صرخة أو انتفاخ في البطن أو تغير في شكل الحفاضة إلى مصدر قلق للأم، خصوصًا إذا بدأت تسمع نصائح متكررة من المحيطين بها بضرورة تغيير نوع اللبن بدعوى أن الطفل يعاني من «عدم تحمل اللاكتوز».
لكن هل كل مغص أو براز لين يعني بالفعل أن الطفل لا يستطيع هضم اللاكتوز؟ وهل تغيير اللبن بشكل متكرر يمكن أن يكون هو الحل؟ يوضح الدكتور عبدالرحمن شوقي، استشاري طب الأطفال، أن فهم طبيعة اللاكتوز وطريقة هضمه، والتمييز بين التغيرات الطبيعية في الجهاز الهضمي للرضيع والأعراض المرضية، يساعد الأم على تجنب قرارات عشوائية قد لا يكون الطفل بحاجة إليها.
سكر طبيعي
اللاكتوز هو سكر الحليب الطبيعي، ويوجد بصورة طبيعية في حليب الأم، كما يوجد في معظم أنواع ألبان الرضع الصناعية.
ولا يستطيع الجهاز الهضمي امتصاص اللاكتوز في صورته الأصلية، لذلك يحتاج الجسم إلى إنزيم يسمى اللاكتيز Lactase، يوجد على سطح خلايا الأمعاء الدقيقة، وتتمثل مهمته في تكسير اللاكتوز إلى سكريات أبسط يستطيع الجسم امتصاصها والاستفادة منها.
وينتج عن عملية الهضم هذه الجلوكوز والجلاكتوز، وهما من السكريات التي تدخل في العمليات الحيوية المختلفة، ومنها توفير الطاقة والمساهمة في بناء ونمو الجسم والجهاز العصبي.
وعندما ينخفض نشاط إنزيم اللاكتيز أو يحدث خلل في قدرة الأمعاء على هضم اللاكتوز، يمكن أن يصل جزء من هذا السكر إلى القولون دون هضم كامل، وهنا تبدأ مجموعة من الأعراض التي قد تثير قلق الأم.
ماذا يحدث؟
عندما يصل اللاكتوز غير المهضوم إلى الأمعاء الغليظة، تقوم البكتيريا الموجودة بصورة طبيعية في القولون بتخميره، وينتج عن ذلك غازات مثل الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون، ما قد يؤدي إلى زيادة الانتفاخ والغازات والمغص.
كما يمكن أن يسهم وجود اللاكتوز غير المهضوم في سحب الماء إلى داخل الأمعاء، وبالتالي يصبح البراز أكثر ليونة أو مائية.
وقد تؤدي زيادة حموضة البراز الناتجة عن عملية التخمر إلى تهيج الجلد المحيط بمنطقة الحفاضة، خصوصًا إذا كان الطفل يتبرز مرات عديدة خلال اليوم، فتظهر التسلخات والاحمرار.
لكن المهم هنا أن وجود براز لين أو غازات وحدهما لا يكفيان لتشخيص عدم تحمل اللاكتوز، لأن الجهاز الهضمي للرضيع يمر بتغيرات طبيعية كثيرة خلال الشهور الأولى من العمر.
أنواع مختلفة
عدم تحمل اللاكتوز ليس حالة واحدة بالضرورة، وهناك أنواع مختلفة منه، تختلف في أسبابها وتوقيت ظهورها ومدى استمرارها.
النوع الثانوي
يحدث عدم تحمل اللاكتوز الثانوي عندما تتأثر بطانة الأمعاء نتيجة مشكلة أخرى، مثل التهاب المعدة والأمعاء أو بعض حالات الحساسية الغذائية أو غيرها من الحالات التي تؤثر في خلايا الأمعاء المنتجة لإنزيم اللاكتيز.
وفي هذه الحالة قد ينخفض نشاط الإنزيم لفترة مؤقتة، ثم يتحسن تدريجيًا مع تعافي بطانة الأمعاء وعلاج السبب الأساسي.
ويُعد هذا النوع من أهم الأسباب التي يجب التفكير فيها عندما تظهر أعراض عدم تحمل اللاكتوز لدى طفل كان يهضم الحليب بصورة طبيعية في السابق.
النوع الخلقي
أما عدم تحمل اللاكتوز الخلقي فهو حالة نادرة جدًا، ترتبط بخلل وراثي يؤدي إلى نقص شديد في إنتاج إنزيم اللاكتيز منذ الولادة.
وتظهر الأعراض عادة مبكرًا جدًا، مع إسهال مائي شديد يبدأ بعد تناول الحليب، ويمكن أن يؤدي إلى الجفاف إذا لم يتم التعامل معه سريعًا.
وهذه الحالة تحتاج إلى تقييم طبي دقيق ونظام تغذية مناسب تحت إشراف متخصص، وليس مجرد تغيير عشوائي لنوع اللبن.
النوع الأولي
أما النوع الأولي فيرتبط بانخفاض نشاط إنزيم اللاكتيز تدريجيًا مع التقدم في العمر، ويظهر بصورة أكبر لدى الأطفال الأكبر سنًا والمراهقين والبالغين، وليس هو الصورة المعتادة لدى الرضع.
وهنا تظهر أهمية عدم إطلاق تشخيص «عدم تحمل اللاكتوز» على كل رضيع يعاني من الغازات أو تغير البراز.
الطبيعي والمرضي
من أكثر الأمور التي تسبب ارتباكًا للأم الجديدة أن بعض الوظائف الطبيعية في الجهاز الهضمي للرضيع قد تبدو وكأنها أعراض مرضية.
ومن ذلك المنعكس المعدي القولوني، وهو رد فعل طبيعي يحدث عندما تمتلئ المعدة بالطعام، فيزداد نشاط القولون، وقد يتبرز الطفل أثناء الرضاعة أو بعدها مباشرة.
ولا يعني ذلك تلقائيًا أن الطفل يعاني من الإسهال، خصوصًا إذا كان البراز ضمن الشكل المعتاد لعمره، وكان الطفل يرضع جيدًا وينمو بصورة طبيعية ولا تظهر عليه علامات الجفاف أو المرض.
مغص الرضع
أما مغص الرضع، فهو من المشكلات الشائعة خلال الأشهر الأولى، وقد يظهر في صورة نوبات بكاء متكررة، غالبًا في أوقات معينة من اليوم، مع وجود غازات أو انتفاخ.
وفي كثير من الحالات يكون براز الطفل طبيعيًا ويستمر في اكتساب الوزن والنمو بصورة جيدة.
ولهذا، فإن المغص وحده لا يعني أن الطفل يعاني من عدم تحمل اللاكتوز، ولا يعني بالضرورة أنه يحتاج إلى تغيير اللبن.
علامات مقلقة
في المقابل، تصبح الصورة أكثر احتياجًا للتقييم الطبي عندما يكون هناك إسهال مائي متكرر ومستمر، أو تهيج شديد ومتكرر في منطقة الحفاضة، أو تراجع في الرضاعة، أو ضعف في اكتساب الوزن، أو ظهور علامات للجفاف.
كما ينبغي الانتباه إلى العلاقة الزمنية بين تناول الحليب وظهور الأعراض، وإلى وجود تاريخ حديث لالتهاب أو نزلة معوية، لأن هذه التفاصيل تساعد طبيب الأطفال على تحديد السبب بصورة أدق.
التشخيص أولًا
ويؤكد الدكتور عبدالرحمن شوقي أن التشخيص لا ينبغي أن يعتمد فقط على ملاحظة الأم أن «البراز سايب» أو أن الطفل يعاني من المغص.
فالطبيب يبدأ عادة بأخذ التاريخ المرضي بصورة دقيقة، ومعرفة طبيعة الرضاعة، وعدد مرات التبرز، وشكل البراز، ووجود قيء أو حرارة أو أعراض أخرى، إلى بجانب متابعة وزن الطفل وطوله ومقارنتهما بمنحنيات النمو المناسبة لعمره.
وفي بعض الحالات قد يطلب الطبيب فحوصًا للبراز، ومنها قياس درجة حموضة البراز أو بعض الاختبارات التي تبحث عن وجود سكريات غير ممتصة، لكن نتائج هذه الفحوص لا ينبغي تفسيرها بمعزل عن الحالة السريرية للطفل.
فقد تتأثر بعض نتائج تحليل البراز بحالات أخرى، ولا يكفي وجود نتيجة غير طبيعية بمفردها لإثبات أن الطفل يعاني من عدم تحمل اللاكتوز.
الخطر الحقيقي
قد يبدو الأمر في البداية مجرد مغص أو تغير في الحفاضة، لكن إذا كان الطفل يعاني بالفعل من إسهال شديد ومستمر، فإن الخطر الأساسي يصبح فقدان السوائل والأملاح.
وقد يؤدي استمرار المشكلة دون تقييم مناسب إلى الجفاف، خاصة لدى الرضع، كما يمكن أن يؤثر استمرار الإسهال وسوء امتصاص العناصر الغذائية في اكتساب الوزن والنمو.
كذلك، فإن تكرار التبرز مع زيادة حموضة البراز قد يؤدي إلى تسلخات مؤلمة في منطقة الحفاضة، وهو ما يزيد انزعاج الطفل وبكاءه.
لذلك، فإن الهدف ليس فقط التخلص من المغص، وإنما اكتشاف السبب الحقيقي للأعراض والحفاظ على تغذية الطفل ونموه.
خطة العلاج
يعتمد العلاج على السبب، ولذلك لا يوجد نوع واحد من العلاج يناسب جميع الأطفال.
في حالات عدم تحمل اللاكتوز الثانوي، يكون علاج السبب الأساسي والسماح للأمعاء بالتعافي جزءًا مهمًا من الخطة. وقد يوصي الطبيب في بعض الحالات بتقليل كمية اللاكتوز أو استخدام تركيبة منخفضة أو خالية من اللاكتوز لفترة محدودة، ثم إعادة إدخال الحليب المحتوي على اللاكتوز تدريجيًا عندما تتحسن الحالة.
ولا ينبغي للأم أن تتخذ قرار تغيير اللبن أو إيقافه من تلقاء نفسها، لأن بعض الأعراض التي تبدو متشابهة قد يكون سببها مختلفًا تمامًا، وقد يحتاج الطفل إلى تقييم لحساسية بروتين حليب البقر أو مشكلات أخرى.
الرضاعة الطبيعية
وفي حالة الرضاعة الطبيعية، لا ينبغي للأم أن توقف الرضاعة من نفسها لمجرد الاشتباه في عدم تحمل اللاكتوز.
فحليب الأم يحتوي على اللاكتوز بصورة طبيعية، كما يوفر للطفل عناصر غذائية ومكونات مناعية مهمة.
وفي الحالات التي تحتاج إلى تعديل في الرضاعة أو النظام الغذائي، يجب أن يكون القرار مبنيًا على تقييم طبي، وليس على نصيحة متداولة بين الأمهات أو تجربة تغيير اللبن مع كل نوبة مغص.
إنزيم اللاكتيز
وفي بعض الحالات قد يصف الطبيب مستحضرات تحتوي على إنزيم اللاكتيز للمساعدة في هضم اللاكتوز، لكن استخدامها لا يكون بصورة عشوائية، كما أن الحاجة إليها تختلف حسب السبب وشدة الأعراض وعمر الطفل ونوع تغذيته.
لذلك، لا ينبغي اعتبار نقط إنزيم اللاكتيز حلًا عامًا لكل طفل يعاني من المغص أو الغازات.
حماية الجلد
إذا كان الطفل يعاني من إسهال متكرر أدى إلى تهيج منطقة الحفاضة، تصبح حماية الجلد جزءًا مهمًا من الرعاية.
ويُفضل تغيير الحفاضة بصورة متكررة وتنظيف المنطقة بلطف وتجفيفها جيدًا، ويمكن استخدام كريمات حاجزة تحتوي على أكسيد الزنك للمساعدة على حماية الجلد من الرطوبة والمواد المهيجة.
أما إذا كان الاحمرار شديدًا أو ظهرت تشققات أو بثور أو لم يتحسن رغم العناية، فيحتاج الطفل إلى تقييم طبي لاستبعاد وجود التهاب أو عدوى جلدية.
يوضح الدكتور عبدالرحمن شوقي، استشاري طب الأطفال، أن أكثر الأخطاء شيوعًا هو الربط المباشر بين مغص الرضيع أو ليونة البراز وبين عدم تحمل اللاكتوز.
ويؤكد أن تقييم الطفل يجب أن يعتمد على الصورة الكاملة، وفي مقدمتها حالته العامة، ونمط الرضاعة، ووجود إسهال حقيقي من عدمه، ووزنه ومنحنى نموه، بالإضافة إلى أي أعراض مصاحبة.
ويشير إلى أن بعض حالات عدم تحمل اللاكتوز لدى الرضع تكون مؤقتة، خصوصًا عندما تحدث بصورة ثانوية بعد التهاب أو مشكلة أثرت في بطانة الأمعاء، ولذلك لا ينبغي تغيير اللبن بصورة دائمة دون تشخيص واضح.