لم يعد الذكاء الاصطناعي يكتفي بكتابة البرامج التي يطلبها الإنسان، أو تحليل البيانات، أو إنتاج الصور والرسوم؛ فخلال الأشهر الأخيرة، بدأت وقائع وتقارير أمنية تكشف تحولًا أكثر عمقًا؛ حيث أشارت إلى أنه هناك نماذج قادرة على البحث، والتحليل، واستخدام الأدوات، وتنفيذ سلسلة متتابعة من المهام، ثم التعامل مع نتائجها وتعديل مسارها للوصول إلى هدف محدد، وهنا يظهر مفهوم " الذكاء الاصطناعي الوكيل أو التنفيذي"Agentic AI؛ فالوكيل لا يكتفي بالإجابة عن سؤال، وإنما يستطيع تقسيم الهدف إلى خطوات، وتنفيذها تباعًا، واستخدام كافة الأدوات المتاحة له، ثم اتخاذ خطوات جديدة بناءً على ما يواجهه من نتائج.
في يوليو 2026، ظهرت واحدة من أكثر الوقائع دلالة على هذا التحول، عندما كشفت OpenAI ، تلك الشركة الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، عن حادث أمني وقع أثناء تقييم قدرات نماذجها السيبرانية؛ لم تكن تلك النماذج تمتلك وصولًا مباشرًا إلى الإنترنت، لكنها تمكنت خلال الاختبار من اكتشاف واستغلال ثغرات في البنية المتوفرة لها للوصول إلى حزم برمجية، واستخدمت ذلك للوصول إلى الإنترنت، ثم واصلت سلسلة من عمليات التصعيد والتحرك واكتشاف الثغرات والبوابات الخلفية، وصولًا إلى أنظمة تابعة لمنصة Hugging Face.
كما أنه في مرحلة لاحقة، تمكنت النماذج من استغلال ثغرات إضافية، والوصول إلى خوادم تابعة للمنصة، والحصول على صلاحيات مرتفعة في أحدها، والوصول إلى بيانات واعتمادات محدودة، بل والأكثر إثارة من ذلك، أن تلك النماذج لم تعمل دائمًا بصورة منفردة؛ بل أظهرت بينها أشكال من التواصل وتبادل المعلومات وتوزيع المهام. لا تكمن خطورة هذه الواقعة فقط في الوصول إلى نظام خارجي، وإنما في "طريقة الوصول إليه"، فتلك النماذج لم تنفذ أمرًا واحدًا محددًا، بل بحثت عن وسيلة لتحقيق الهدف، واكتشف العقبات، وجربت مسارات مختلفة، واستغلت الثغرات التي وجدتها، ثم واصلت العمل عندما تغيرت الظروف، وهنا تبدأ المعادلة في التغير، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تساعد المهاجم في كتابة برنامج خبيث، وإنما أصبح جزءًا من "سلسلة الهجوم نفسها".
وتؤكد دراسة نشرتها Anthropic، المتخصصة في أبحاث وتطوير الذكاء الاصطناعي؛ هذا الاتجاه، فقد حللت الشركة (832) حسابًا ارتبطت بأنشطة سيبرانية ضارة خلال الفترة من مارس 2025 إلى مارس 2026، ورصدت استخدام الذكاء الاصطناعي عبر التكتيكات الأربعة عشر لإطار MITRE ATT&CK، في (482) تقنية فرعية مختلفة، استنادًا إلى آلاف الإجراءات التي رصدتها الدراسة، والأكثر دلالة أن نسبة الجهات التي صنفتها الدراسة ضمن مستويات الخطر المتوسطة أو الأعلى ارتفعت من 33% إلى 56% بين النصف الأول والثاني من فترة الدراسة.
المعنى هنا يتجاوز كتابة الشفرة؛ حيث بدأت نماذج الذكاء الاصطناعي تدخل في مراحل متعددة من دورة الهجوم، من الاستطلاع وجمع المعلومات، وصولاً إلى تنفيذ المهام، ثم الانتقال بين المراحل المختلفة وربطها ببعضها، وبذلك تصبح الهجمات المحتملة أسرع، وأقل تكلفة، وأكثر قابلية للتوسع، وأقل اعتمادًا على وجود أعداد كبيرة من الخبراء في كل مرحلة من مراحل العملية.
لكن التطور الأكثر إثارة؛ جاء في سبتمبر 2026، عندما كشفت Anthropic عن استخدام أحد نماذجها المسمى Claude، من جانب أفراد تابعين لأحد الخلايا في شمال اليمن؛ لتطوير أسلحة موجهة؛ وبحسب تقرير الشركة، استُخدم Claude Code للمساعدة في تطوير برمجيات التوجيه والملاحة والتحكم في أنظمة طيران، بما في ذلك دمج نظام طيار آلي مفتوح المصدر مع حاسوب طيران من فئة الهواتف الذكية، وكتابة برمجيات التحكم وتقدير الموقع، وضبط الإعدادات، وتشغيل عمليات البناء والمحاكاة، ولم يتوقف الأمر عند استخدام نموذج واحد؛ إذ استخدم هؤلاء الأفراد عدة نسخ من النموذج في الوقت نفسه، بحيث تتولى إحداها البرمجة، وأخرى البحث، وثالثة مراجعة الشفرة، والأكثر دلالة أن العملية دخلت في دورة اختبار وتحسين؛ "تصميم، ومحاكاة، واختبار، وتحليل للفشل، ثم تحسين للتصميم". ومع ذلك، لم تجزم Anthropic بأن هؤلاء الأفراد نجحوا في إنتاج سلاح تشغيلي، ولم تقل إن الصاروخ أصبح جزءًا من منظومة عسكرية جاهزة لشن هجمات، لكن جوهر القضية يبقى قائمًا، فنحن أمام نموذج ذكاء اصطناعي يؤدي أجزاء من العمل الهندسي الذي كان يتطلب في السابق خبرات بشرية متخصصة، ويساعد في الانتقال من مرحلة كتابة الشفرة إلى دورة أكثر تعقيدًا من التصميم والاختبار والتحسين.
وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة، ماذا يستطيع النظام أن ينجز إذا مُنح هدفًا، وأدوات، وصلاحيات، ووقتًا كافيًا؟، الخطر المستقبلي لا يكمن فقط في أن يكتب الذكاء الاصطناعي برنامجًا خبيثًا، وإنما في قدرته على ربط سلسلة كاملة من المهام؛ جمع المعلومات، وتحليل الهدف، واكتشاف نقاط الضعف، وتجربة وسائل مختلفة، وتغيير الخطة عند الفشل، ثم الاستمرار في العمل، وعندما يعمل عدة وكلاء في الوقت ذاته، تصبح السرعة عاملًا استراتيجيًا جديدًا؛ إذ يمكن نظريًا تشغيل عدد كبير من العمليات بالتوازي، في الوقت الذي يحتاج فيه المدافع إلى وقت؛ كبير إلى حد ما، لمراجعة كل عملية وفهمها والاستجابة لها.
وهنا يظهر السؤال الأصعب؛ ماذا يحدث عندما تخرج هذه القدرات من حدود المختبرات؟،
ففي 9 سبتمبر 2026، جاء تحذير آخر من داخل صناعة الذكاء الاصطناعي نفسها، فقد أعلن الباحث Jacob Coxon "جاكوب كوكسون" استقالته من Anthropic، محذرًا من سباق متسارع نحو أنظمة أكثر قدرة على تحسين نفسها، ومن احتمال ألا تتطور إجراءات السلامة بالسرعة نفسها، وبعد استقالته، قال Evan Hubinger"إيفان هوبينجر"، الباحث في علوم المواءمة لدى Anthropic، إنه يرى احتمالًا يتجاوز 10% لأن تؤدي أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى قتل البشر جميعًا خلال العقد المقبل، مع إقراره بأن مشكلة مواءمة الذكاء الفائق لم تُحل بعد، وفي اتجاه آخر، قال Elon Musk "إيلون ماسك" في مقابلة مع The Economist إن الذكاء الاصطناعي قد يتجاوز مجموع الذكاء البشري خلال نحو خمس سنوات، وإنه يرى أنه من غير المرجح أن يظل البشر مسيطرين عليه بعد عشر سنوات.
قد تبدو هذه التوقعات بعيدة، وربما يختلف الخبراء بشدة حول احتمالاتها وتوقيتها، لكنها تطرح سؤالًا حاضرًا بالفعل، ولا يحتاج إلى انتظار ظهور "ذكاء فائق" للإجابة عنه؛ هل تستطيع قدرة الإنسان على الرقابة ومواكبة سرعة تطور الآلة؟؛ فنحن لسنا أمام حرب بين البشر والآلات حتى الآن، وليس الخطر الحالي أن الذكاء الاصطناعي "قرر" مهاجمة البشرية.
الخطر الأكثر واقعية هو أن البشر يمنحونه، تدريجيًا، مزيدًا من المعرفة والأدوات والصلاحيات والاتصال بالإنترنت والقدرة على اتخاذ قرارات متتابعة، ثم يضعونه أمام أهداف معقدة ويطلبون منه الوصول إليها بأقل قدر من التدخل البشري، ومن الأمن السيبراني إلى تطوير البرمجيات المرتبطة بالأسلحة، يبدو الاتجاه واحدًا؛ زيادة قدرة الآلة على تنفيذ سلسلة أطول من المهام، بدلًا من الاكتفاء بالإجابة عن سؤال واحد.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم؛ متى يصبح الذكاء الاصطناعي أذكى من البشر؟، بل السؤال الأخطر هو؛ متى تصبح سرعة وقدرة الأنظمة الذكية أكبر من قدرة المؤسسات والدول على فهمها ومراقبتها وإيقافها؟، فقد يبدأ الخطر قبل أن تتجاوز الآلة عقل الإنسان بكثير؛ عندما تصبح قادرة على اتخاذ آلاف القرارات المتتابعة في الوقت الذي يحتاج فيه الإنسان إلى مراجعة قرار واحد، وعندما يصبح اكتشاف الهجوم أبطأ من تنفيذه، وعندما تستطيع الآلة الدخول في دورة كاملة من التصميم والاختبار والتحليل والتحسين، عندها لن تكون المشكلة أن الآلة أصبحت تفكر مثل الإنسان، بل أن الإنسان قد يصبح أبطأ من أن يلحق بما تستطيع الآلة أن تفعله.