مع ازدياد الحديث حول المخاطر على مستوى المديرين التنفيذيين ومسؤولي الحكومات، بدا أن غالبية الأمريكيين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي قد يدمر البشرية يومًا ما، وهو ما بدا في النتائج الجديدة لاستطلاع رأي أجرته صحيفة "بوليتيكو"، التي تُبرز مدى عمق مخاوف العامة بشأن التكنولوجيا سريعة التطور، وكيف تبلورت آراء الرأي العام حول الذكاء الاصطناعي بسرعة.
فقبل بضعة أشهر فقط، كان الذكاء الاصطناعي مفهومًا غامضًا بالنسبة للكثير من الأمريكيين، أما الآن، فيتسابق المشرعون من كلا الحزبين لفهم كيفية السيطرة على نموه. بينما بشكل عام، يقول نحو ثلثي الأمريكيين إن هناك خطرًا متوسطًا على الأقل من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي المتقدم إلى تدمير البشرية، وتؤيد هذه النظرة أغلبية من مختلف الأحزاب والأجناس والفئات العمرية.
ووفق الاستطلاع، يُرجّح أن يرى الأمريكيون الذين صوّتوا لنائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس، عام 2024 هذا الخطر بنسبة أكبر "70%" من أولئك الذين صوّتوا للرئيس دونالد ترامب "60%"
ووفقًا لما يُقارب نصف البالغين في الولايات المتحدة، يُحذّر خبراء الذكاء الاصطناعي من خطر حقيقي يتمثل في أن هذه التقنية "ستقضي علينا جميعًا"، لأنهم يؤمنون بذلك حقًا. بينما يعتقد 26% فقط أن هؤلاء القادة يفعلون ذلك كحيلة تسويقية لإضفاء مظهر القوة والأهمية على منتجات شركاتهم.
كشف الاستطلاع عن ميل الأمريكيين إلى إبطاء أو إيقاف تطوير الذكاء الاصطناعي للحد من مخاطره، بحجة أن الذكاء الاصطناعي وصل إلى مستوى متقدم بما فيه الكفاية، بدلًا من مواصلة بناء نماذج أكثر تطورًا، بل إن آراءهم انقسمت بين مؤيد ومعارض لتطوير أكثر مسؤولية حتى لو كان ذلك يعني التخلف عن دول أخرى، كالصين.
لكن يبدو أن ناخبي ترامب أكثر انقسامًا، إذ يفضّل 44% منهم إيقاف التطوير، وهي نسبة أعلى بقليل من نسبة 40%، الذين يدعون إلى الاستمرار لأن الذكاء الاصطناعي لا يزال بإمكانه تحقيق فوائد كبيرة.
وتشير نتائج الاستطلاع لما وصفته "بوليتيكو" بـ"مشكلة سياسية متفاقمة للرئيس الأمريكي"، إذ رفض الدعوات المتزايدة لإبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي، وشدد على ضرورة حفاظ الولايات المتحدة على تفوقها التنافسي على الصين.
وحتى مع بدء قادة التكنولوجيا في دق ناقوس الخطر، لا يزال ترامب يصرّ على أن الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات ستكون "أعظم محرك للتنمية الاقتصادية في التاريخ" و"لن يتم إيقافها" خلال فترة رئاسته. وفي سلسلة منشورات على منصة "تروث سوشيال"، الاثنين الماضي، وصف المخاوف بشأن الذكاء الاصطناعي بأنها "خدعة".
لكن قد تنبع بعض مخاوف الأمريكيين بشأن التهديد الوجودي للذكاء الاصطناعي من عدم ارتياحهم العام لهذه التقنية. ففي مجموعة من السيناريوهات التي تم اختبارها في الاستطلاع، أعربت أغلبية المشاركين عن شعورهم بعدم الارتياح لاستخدام الذكاء الاصطناعي في حياتهم اليومية.
على النقيض من رسائل ترامب، جاءت التحذيرات الأخيرة من قادة الصناعة لتجبر الديمقراطيين والجمهوريين على التعامل مع التوتر في واشنطن بين تخفيف المخاطر المحتملة وضمان عدم تخلف الولايات المتحدة عن الصين تكنولوجيًا.
وبالفعل، يدرس بعض الديمقراطيين تشكيل لجنة مختارة في مجلس النواب تُعنى ب الذكاء الاصطناعي حال استعادوا السيطرة على المجلس، نوفمبر المقبل. في المقابل، دعا آخرون صراحة إلى حظر الذكاء الاصطناعي الخارق، حتى قبل تحذيرات قادة الصناعة، نهاية الأسبوع الماضي.
تنقل "بوليتيكو" عن السيناتور الديمقراطي كريس مورفي، الذي كان من منتقدي تطوير الذكاء الاصطناعي غير الخاضع للرقابة، إن مخاوف الذكاء الاصطناعي تمثل "قضية مهيمنة" بالنسبة للناخبين.
وقال: "علينا أن نمنع الذكاء الاصطناعي من تسميم أطفالنا وثقافتنا وتدمير ملايين الوظائف. هذه أزمة ملحة، وقد أوضح دونالد ترامب موقفه من شركات الذكاء الاصطناعي، وعلى الحزب الديمقراطي أن يطرح هذا السؤال على الناخبين، نوفمبر المقبل".
ولا يعتزم الديمقراطيون السماح لمخاوف الذكاء الاصطناعي بأن تطغى على قضية القدرة على تحمل التكاليف كأولوية قصوى في رسائله الانتخابية، خلال انتخابات التجديد النصفي، لكنهم يتابعون النقاش الدائر عن كثب، ومن المرجح أن يصبح قضية بارزة عام 2028.
وأشار سيناتور كارولاينا الشمالية الجمهوري توم تيليس، إلى أن قطاع الذكاء الاصطناعي "يحتاج إلى الاجتماع ووضع مجموعة من المبادئ التشغيلية التي تحدد ما إذا كان المستخدم معتمدًا أم لا، ثم تحديد ما يجب على الكونجرس فعله لربط هذه المبادئ ببعضها".
وأضاف: "نحن على بُعد خطوة واحدة من عواقب الذكاء الاصطناعي السلبية، نتيجة لتجاوزات في هذا المجال، التي ستكون بمثابة قانون دود-فرانك للذكاء الاصطناعي، وهذا أسوأ توقيت ممكن لأن الصين لن تُبطئ من وتيرتها".