في ذكرى رحيل تحية كاريوكا.. مسيرة فنية صنعت اسمًا خالدًا في تاريخ الفن المصري

في ذكرى رحيل تحية كاريوكا.. مسيرة فنية صنعت اسمًا خالدًا في تاريخ الفن المصريتحية كاريوكا

فنون20-9-2026 | 09:12

تحل علينا اليوم الأحد، 20 سبتمبر ذكرى رحيل الفنانة الكبيرة تحية كاريوكا، إحدى أبرز نجمات الفن المصري، والتي نجحت بموهبتها الاستثنائية وأسلوبها الخاص وشخصيتها القوية في أن تحتل مكانة مميزة في تاريخ الرقص الشرقي والسينما والمسرح، لتظل واحدة من الأسماء التي تركت بصمة لا تُنسى في تاريخ الفن المصري والعربي.

ولدت تحية محمد علي النيداني عام 1915 في محافظة الإسماعيلية، وظهرت موهبتها الفنية منذ سن مبكرة، إذ مارست الرقص والغناء والتمثيل خلال طفولتها. ومع انتقالها إلى القاهرة بحثًا عن فرصة لتحقيق حلمها الفني، التقت بالراقصة الشهيرة بديعة مصابني، التي اكتشفت موهبتها وضمتها إلى فرقتها عام 1935، لتبدأ من هناك مرحلة جديدة في مسيرتها الفنية.

وفي عام 1940، رشحها الفنان سليمان نجيب لتقديم رقصة منفردة حملت اسم «كاريوكا»، وصممها لها مصمم الرقصات إزاك ديكسون، وكانت مستوحاة من الفيلم الأمريكي الشهير «الطريق إلى ريو». وقدمت تحية الرقصة ببراعة لفتت الأنظار إليها، حتى ارتبط اسمها بها وأصبح الجمهور يعرفها منذ ذلك الوقت باسم تحية كاريوكا. ورغم شعورها بالضيق في البداية من هذا اللقب، تغير موقفها عندما سمعت أحد المهاجرين العرب في الولايات المتحدة يناديها به، فأدركت حينها أنها وصلت إلى درجة من الشهرة تجاوزت حدود مصر.

وكانت بداية دخولها عالم السينما مرتبطة بعلاقتها بالفنان الكبير سليمان نجيب، الذي لعب دورًا مهمًا في حياتها، إذ ساعدها على استكمال تعليمها في مدرسة فرنسية بعدما لاحظ قدرتها الكبيرة على نطق اللغة الفرنسية، وذلك رغم تركها الدراسة في وقت سابق لمساعدة أسرتها. كما علمها فن السولفاج الموسيقي، وكان له دور في تعريفها بالفنان نجيب الريحاني، الذي شاركته لاحقًا بطولة فيلمها الشهير «لعبة الست».

وتحدثت تحية كاريوكا في أكثر من مناسبة عن الدعم الذي حصلت عليه من الفنانة ماري منيب، التي اعتبرتها بمثابة والدتها الثانية، كما أشادت باحتواء نجيب الريحاني لموهبتها ومساندته لها، خاصة في بداياتها التمثيلية. وساعدها الريحاني على التغلب على توترها خلال أولى تجاربها أمام الكاميرا، كما رفع أجرها إلى 2500 جنيه، وهو مبلغ كان يعد ضخمًا في ذلك الوقت.

ورغم تردد تحية كاريوكا في البداية في الوقوف أمام نجيب الريحاني، باعتبارها راقصة ناشئة أمام فنان كبير، فإن اليوم الأول من التصوير غيّر الصورة التي كانت تحملها عنه، بعدما لمست فيه قدرًا كبيرًا من التواضع والتشجيع، بعيدًا عن الصورة التي قد يتوقعها البعض من نجوم الفن الكبار.

ولم تقتصر موهبة تحية كاريوكا على الرقص، فقد أثبتت نفسها أيضًا ممثلة تمتلك حضورًا قويًا وقدرة على تقديم شخصيات متنوعة، ووقفت أمام كبار نجوم السينما، من بينهم يوسف وهبي ونجيب الريحاني، كما شاركت نجوم جيلها، مثل شكري سرحان وعماد حمدي وغيرهما، في عدد من الأعمال المهمة.

وعلى المستوى الشخصي، خاضت تحية كاريوكا تجربة الزواج عدة مرات، وكان من بين أبرز أزواجها المطرب محرم فؤاد، والفنان رشدي أباظة، والمخرج فايز حلاوة.

وكان فيلم «بنت الهوى» مع الفنان يوسف وهبي إحدى المحطات الفارقة في بدايات مسيرتها السينمائية، بينما احتل المسرح مكانة خاصة في قلبها، وكانت تعتبره الفن الأقرب إليها، لما يتميز به من حضور مباشر وتفاعل لحظي مع الجمهور. وكانت ترى أن العاملين في المسرح يشبهون فريق كرة القدم، لما يجمعهم من روح التعاون والعمل الجماعي.

وخلال مسيرتها الفنية، قدمت تحية كاريوكا نحو 200 عمل فني تنوعت بين السينما والمسرح والتلفزيون، ونجحت من خلالها في تقديم أدوار قوية ومتنوعة تركت أثرًا واضحًا في تاريخ الفن المصري.

ففي السينما، بدأت مشوارها كراقصة قبل أن تبرز موهبتها كممثلة في عدد من الأفلام المهمة، من بينها «لعبة الست»، «شباب امرأة»، «شاطئ الغرام»، «إسكندرية كمان وكمان»،

«السقا مات»،«سمارة»،«أم العروسة»، و«الفتوة».

ومع تقدمها في العمر، نجحت في الانتقال إلى أدوار الأم، وقدمتها بأسلوب إنساني مؤثر، من خلال أعمال بارزة مثل «خلي بالك من زوزو»،«أم العروسة»،«صباح الخير يا زوجتي العزيزة»،«الجراج»، و«يا تحب يا تقب». وأسهمت هذه الأدوار في تأكيد قدرتها على التجدد والتنوع، وترسيخ مكانتها كفنانة متعددة المواهب استطاعت مواصلة حضورها الفني في مراحل مختلفة من حياتها.

كما قدمت تحية كاريوكا مجموعة من المسرحيات المهمة، وبدأت تجربتها المسرحية مع الفنان إسماعيل ياسين، قبل أن تؤسس مع زوجها السابق المخرج فايز حلاوة فرقة «تحية كاريوكا المسرحية»، التي قدمت من خلالها 18 مسرحية، من أبرزها «كل الرجالة كده»،«يا الدفع يا الحبس»،«حضرة صاحب العمارة»،«روبابيكيا»،«المعلمة»، و«يحيا الوفد».

وامتدت مسيرتها كذلك إلى الدراما التلفزيونية، حيث شاركت في عدد من الأعمال، من بينها «سر الأرض»،«المنزل الخلفي»،«مخلوق اسمه المرأة»،«صابر يا عم صابر»،«حكايات هو وهي»، و«القلوب عند بعضها»، وغيرها من الأعمال التي أكدت حضورها في مختلف مجالات الفن.

وفي خمسينيات القرن الماضي، قررت تحية كاريوكا اعتزال الرقص والتفرغ للمسرح والأعمال الدرامية، وكانت قد تحدثت عن فكرة الاعتزال قائلة في أحد حواراتها: «على الراقصة أن تتحلى بالذكاء وتعلم جيدًا أن هناك سنًا معينًا للراقصة يجب الاعتزال فيه، حتى لا تشوه الصورة الجميلة التي عرفها بها الناس».

وفي مثل هذا اليوم، 20 سبتمبر عام 1999، رحلت تحية كاريوكا عن عمر ناهز 84 عامًا، بعد تعرضها لأزمة حادة في الجهاز التنفسي، نُقلت على إثرها إلى معهد ناصر الطبي، حيث لفظت أنفاسها الأخيرة.

وبرحيل تحية كاريوكا، فقد الوسط الفني واحدة من الشخصيات الاستثنائية التي أثرت وجدان الجمهور العربي على مدى عقود، إلا أن إرثها الفني ظل حاضرًا، وبقيت أعمالها وشخصياتها جزءًا من ذاكرة الفن المصري، ليظل اسم تحية كاريوكا حكاية فنية لا تنتهي.

أضف تعليق

مصر والسعودية وتحديات الإقليم

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان