يعرف معظم الناس العسل الأبيض والعسل الأسود، لكن هناك مُحلٍّ طبيعي آخر لا يحظى بالقدر نفسه من الاهتمام، وهو دبس التمر، الذي يتميز بمذاقه المركز واحتوائه على عدد من المركبات الغذائية والنباتية التي جعلته محل اهتمام في بعض الدراسات العلمية.
ويستعرض الدكتور محمد خلف، أخصائي التغذية العلاجية، عددًا من الفوائد التي ارتبطت بدبس التمر، موضحًا أن قيمته لا تقتصر على كونه مادة للتحلية، وإنما ترتبط أيضًا بما يحتويه من مركبات نباتية ومضادات أكسدة ومعادن، مع ضرورة تناوله باعتدال وعدم التعامل معه باعتباره علاجًا بديلًا للأدوية.
مقاومة البكتيريا
يوضح الدكتور محمد خلف أن بعض الدراسات المعملية تناولت تأثير دبس التمر ومركباته النباتية على أنواع من البكتيريا، ومن بينها بكتيريا مثل الإشريكية القولونية (E. coli) والمكورات العنقودية (Staphylococcus).
وقد أظهرت بعض النتائج المخبرية أن المركبات الموجودة في التمر ومنتجاته يمكن أن يكون لها تأثير مثبط لنمو بعض أنواع البكتيريا، كما قد تؤثر في تكوين الأغشية الحيوية التي تساعد بعض البكتيريا على الالتصاق بالأسطح.
لكن هذه النتائج لا تعني أن دبس التمر يمكن اعتباره"مضادًا حيويًا طبيعيًا" أو أن تناوله يعالج العدوى البكتيرية لدى الإنسان، فالدراسات المعملية تختلف عن التجارب السريرية، ولا يمكن استبدال المضادات الحيوية الموصوفة طبيًا بدبس التمر.
المركبات الفينولية
ويشير الدكتور محمد خلف إلى أن دبس التمر يحتوي على مجموعة من المركبات النباتية، من بينها المركبات الفينولية ومضادات الأكسدة، وهي مواد ترتبط بقدرة الجسم على مقاومة الإجهاد التأكسدي.
وقد اهتمت دراسات مختلفة ب المركبات الفينولية الموجودة في التمر ومنتجاته، نظرًا لخصائصها المضادة للأكسدة والالتهاب في التجارب المعملية.
ومن هنا ظهرت أبحاث تبحث في إمكانية ارتباط هذه المركبات بدعم وظائف الكبد وتقليل بعض مؤشرات الإجهاد التأكسدي، لكن لا ينبغي تفسير ذلك باعتبار أن تناول دبس التمر "ينظف الكبد من السموم" أو يعالج تلف الكبد؛ فالكبد نفسه هو العضو الرئيسي المسؤول عن عمليات الاستقلاب والتخلص من العديد من المواد الضارة في الجسم.
والدة الأوكسيتوسين
وتحدث الدكتور محمد خلف كذلك عن ارتباط التمر بهرمون الأوكسيتوسين، الذي يلعب دورًا مهمًا في انقباضات الرحم أثناء الولادة.
وقد تناولت بعض الدراسات تأثير تناول التمر في أواخر الحمل على بعض مؤشرات المخاض، ووجدت نتائج تشير إلى احتمال وجود فوائد في بعض الحالات، لكن ذلك لا يعني أن دبس التمر يحتوي على هرمون الأوكسيتوسين بالمعنى الذي يجعل تناوله بديلًا للهرمون أو علاجًا لتقلصات الرحم.
كما لا يمكن القول إن دبس التمر يسهّل الولادة بصورة مؤكدة لدى جميع النساء، وإنما تظل الأدلة المتعلقة بتناول التمر خلال أواخر الحمل موضوعًا بحثيًا، وتحتاج الحامل إلى استشارة الطبيب قبل الاعتماد عليه كوسيلة للمساعدة على الولادة.
طاقة سريعة
ومن المزايا الغذائية الواضحة ل دبس التمر أنه مصدر للسكريات الطبيعية، إذ يحتوي على الجلوكوز والفركتوز، وبالتالي يمكن أن يوفر الجسم بالطاقة.
لكن وصفه بأنه يجمع بين "الطاقة السريعة والمستدامة" يحتاج إلى قدر من الدقة، لأن دبس التمر يظل في النهاية مصدرًا مركزًا للسكريات، وسرعة ارتفاع سكر الدم بعد تناوله تعتمد على الكمية وطريقة تناوله وتركيب الوجبة والحالة الصحية للشخص.
ولهذا، فإن تناوله مع أطعمة تحتوي على البروتين أو الدهون أو الألياف قد يبطئ عملية الهضم والامتصاص مقارنة بتناوله منفردًا.
معادن مهمة
ويحتوي دبس التمر على مجموعة من المعادن، من بينها البوتاسيوم والمغنيسيوم والكالسيوم والفوسفور والحديد، وإن كانت الكميات تختلف باختلاف نوع المنتج وطريقة تصنيعه وتركيزه.
ويعد البوتاسيوم والمغنيسيوم من المعادن المهمة للعديد من الوظائف الحيوية في الجسم، بما في ذلك عمل العضلات والأعصاب والحفاظ على توازن السوائل وضغط الدم.
لكن وجود هذه المعادن في دبس التمر لا يعني أنه علاج لارتفاع ضغط الدم أو اضطراب سكر الدم، كما أن الكمية التي يحصل عليها الشخص من ملعقة أو ملعقتين لا تكفي بالضرورة لتغطية احتياجاته اليومية منها.
الأعصاب والالتهاب
ويشير الدكتور محمد خلف إلى وجود دراسات بحثت في تأثير بعض المركبات الموجودة في التمر على مسارات مرتبطة بالالتهاب والإجهاد التأكسدي في الخلايا العصبية.
وقد أظهرت بعض الدراسات المعملية والحيوانية تأثيرات محتملة لمركبات التمر في مؤشرات مرتبطة بالالتهاب العصبي.
إلا أن الانتقال من هذه النتائج إلى القول إن دبس التمر "يعالج التهاب الأعصاب" أو يمكن استخدامه بدلًا من الأدوية يحتاج إلى دراسات سريرية على البشر تثبت هذه الفائدة، ولذلك لا ينبغي إيقاف أي علاج موصوف طبيًا واستبداله بدبس التمر.
وصحة الأسنان
ومن النقاط التي تستحق الاهتمام أيضًا ما يتعلق بصحة الفم والأسنان.
فقد بحثت بعض الدراسات المعملية في تأثير المركبات النباتية الموجودة في التمر على بعض أنواع البكتيريا المرتبطة بصحة الفم، بما في ذلك قدرة البكتيريا على الالتصاق بالأسطح وتكوين الأغشية الحيوية.
لكن هذا لا يعني أن دبس التمر يحمي الأسنان من التسوس بشكل مباشر، خصوصًا أنه يحتوي على السكريات، وتناول السكريات بكثرة أو تكرار تناولها يمكن أن يزيد خطر التسوس.
لذلك تظل العناية بالأسنان وتنظيفها بالفرشاة والمعجون المحتوي على الفلورايد وتقليل تناول السكريات من أهم وسائل الوقاية من التسوس والتهابات اللثة.
استخدامات متعددة
ويتميز دبس التمر بسهولة استخدامه في النظام الغذائي، إذ يمكن إضافته إلى بعض الأطعمة والحلويات والمشروبات باعتباره أحد مصادر التحلية.
ويمكن استخدامه مع الطحينة، وهي تركيبة شائعة تجمع بين مصدر للسكريات ومصدر للدهون والبروتين، وقد يساعد وجود الدهون والبروتين على إبطاء سرعة امتصاص السكريات مقارنة بتناول الدبس وحده.
لكن ذلك لا يعني أن خلط دبس التمر بالطحينة "يمنع" ارتفاع سكر الدم؛ فالكمية الإجمالية من السكريات والطاقة تظل عاملًا مهمًا، خاصة لدى الأشخاص المصابين بالسكري أو مقاومة الإنسولين.
الاعتدال أولًا
ويؤكد الدكتور محمد خلف أن القاعدة الأساسية عند تناول أي نوع من المحليات هي الاعتدال، حتى لو كان مصدره طبيعيًا.
فكون دبس التمر منتجًا طبيعيًا لا يجعله خاليًا من السعرات أو السكريات، والإفراط في تناوله قد يؤدي إلى زيادة استهلاك السكر والطاقة، وهو أمر قد لا يكون مناسبًا لمن يعانون من زيادة الوزن أو السكري أو اضطراب سكر الدم.
لذلك يمكن إدخاله ضمن نظام غذائي متوازن بكميات مناسبة، بدلًا من التعامل معه باعتباره غذاءً علاجيًا أو بديلًا للأدوية.
وفي النهاية، فإن دبس التمر يجمع بين الطعم الحلو وبعض المركبات النباتية والمعادن، وقد أظهرت الأبحاث اهتمامًا بخصائص عدد من مكوناته المضادة للأكسدة والالتهاب، إلى جانب تأثيرات محتملة في بعض الدراسات المعملية.
لكن الفوائد الغذائية المحتملة لا تعني أنه علاج للعدوى أو التهاب الأعصاب أو أمراض الكبد، ولا أنه بديل للمضادات الحيوية أو الأدوية الموصوفة طبيًا.
والأفضل هو الاستفادة منه كأحد خيارات التحلية ضمن نظام غذائي متوازن، مع الالتزام بالكمية المناسبة، وتذكر القاعدة الأساسية: "كلوا واشربوا ولا تسرفوا".