مع دخول حربها مع واشنطن شهرها السابع، وبينما تحكم طهران قبضتها علي مضيق هرمز، فتح الحوثيون جبهة ثانية بالسيطرة علي باب المندب، ما يمنح إيران إمكانية رفع تكلفة الحرب من جهة، والضغط علي خصومها دون الانخراط المباشر في مواجهة شاملة من جهة أخري.
هذا الأمر وضع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام مأزق جديد: فكيف يحافظ علي حرية الملاحة ويحتوي التهديد الحوثي دون الانجرار إلي جبهة عسكرية إضافية؟
في سياق تعليقها علي هذه التطورات، رأت شبكة «سي إن إن»، أن التقدم السريع للحوثيين يمثل تطوراً استثنائياً في صراع ظل مجمداً إلي حد كبير لسنوات، إلا أن بذور تجدد القتال زُرعت منذ أشهر وسط الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل سعي طهران لاستخدام أسعار النفط كورقة ضغط علي الاقتصاد العالمي.
وأضافت الشبكة الأمريكية، أن اليمن والبحر الأحمر يمكن أن يتحولا الآن إلي جبهة ثانية فعلية في الحرب مع إيران، إذ إن سيطرة طهران علي هرمز، إلي جانب تنامي نفوذ الحوثيين علي باب المندب، قد يدفع أسعار النفط إلي مستويات أعلي، وذلك قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في نوفمبر المقبل.
من جانبها، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز»، عن جريجوري برو، المحلل في مجموعة «أوراسيا»، أن «نجاح الحوثيين في اليمن أعاد الكفة لصالح إيران ، التي نجحت في تغيير الوضع الراهن دون العودة إلي حرب شاملة، وهو أمر يبدو أن النظام الإيراني لا يرغب فيه حاليا».
وأشارت الصحيفة الأمريكية، إلي أن وصول أسعار النفط، لفترة وجيزة، إلي نحو 110 دولارات للبرميل، بزيادة تقارب 50% عن مستويات ما قبل الحرب، يمنح إيران ورقة ضغط إضافية، في وقت تشكل فيه أسعار الطاقة المرتفعة خطراً سياسياً علي ترامب وحزبه قبل انتخابات نوفمبر.
واتفقت «بي بي سي» مع هذا التقييم، وذكرت، في تقرير لها، أن التقدم الخاطف للحوثيين فاجأ معظم المراقبين، ورأت أن الحوثيين، ليسوا وحدهم في الميدان؛ فهم يحظون بدعم إيران، وأنه علي الرغم من رفض معظم المحللين وصف الحوثيين بأنهم مجرد «دمي» في يد إيران ، فإن التطورات الأخيرة تفرض واقعاً جديداً ومقلقاً، إذ باتت طهران تفرض سيطرتها علي اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم: مضيق هرمز عند مدخل الخليج العربي، ومضيق باب المندب الذي يُعد بوابة للبحر الأحمر.
ويقول فارع المسلمي، الباحث في مؤسسة «تشاتام هاوس» في لندن: «تسيطر إيران الآن- سواء بشكل مباشر أو عبر وكلائها- علي اثنين من أكثر الممرات الاستراتيجية حيوية وحساسية في الشرق الأوسط والعالم، متحكمة بذلك في أكثر من 35% من تجارة الوقود والنفط العالمية»، مضيفا: «إن هذا يمنحها نفوذاً يوازي قوة القنبلة النووية».
رغم ذلك، تستبعد «بي بي سي»، تدخل الولايات المتحدة في الصراع ضد الحوثيين ، موضحة أن حرب ترامب مع إيران تفتقر بالفعل إلي التأييد الشعبي، فيما قد يؤدي فتح جبهة جديدة إلي التأثير السلبي علي معدلات تأييده وفرص حزبه الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي.
في السياق نفسه، قالت «رويترز»، إن تقدم الحوثيين جنوبا علي طول الساحل اليمني، عزز قدرتهم علي خنق مضيق باب المندب، ومنح طهران نفوذا علي ممري شحن النفط الرئيسيين في المنطقة، وجاء ذلك في وقت صعب بالنسبة لترامب، حيث يواجه بالفعل أدني مستويات تأييد مسجلة، وأدي ارتفاع أسعار البنزين بسبب الحرب إلي تهديد فرص الحزب الجمهوري في الاحتفاظ بالسيطرة علي الكونجرس في انتخابات التجديد النصفي، بينما يسعي في الوقت نفسه إلي مخرج من الحرب مع إيران، عبر حملة ضغط اقتصادي تهدف إلي إرغام طهران علي تقديم تنازلات.
ويقول ستيفن فيرتهايم، الباحث في مؤسسة «كارنيجي للسلام الدولي»، إن « ترامب كان قد تبني قبل أسابيع فقط، استراتيجية تقوم علي خنق الاقتصاد الإيراني مع إبقاء الصراع العسكري عند مستوي منخفض حتي لا يتضرر الاقتصاد الأمريكي، إلا أن تحركات الحوثيين حطمت خطة ترامب».
وأشارت «رويترز»، إلي رد إيران علي الهجمات الأمريكية والإسرائيلية في وقت سابق من العام الحالي بتعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية قبل الحرب. وإذا أغلق الحوثيون باب المندب، فسوف يشكل ذلك ضربة أخري للاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره نحو 7% من إمدادات النفط العالمية، وحوالي 12% من التجارة العالمية.
وتواجه واشنطن، وفق «رويترز»، معادلة صعبة؛ فإغلاق باب المندب سيؤدي إلي ارتفاع أسعار الطاقة وتعطيل التجارة العالمية، لكن الدخول في مواجهة عسكرية مع خصم صمد أمام هجمات سابقة شنتها السعودية والولايات المتحدة سيكون محفوفا بالمخاطر بالنسبة للجيش الأمريكي، المثقل بالفعل بالحرب مع إيران.
كما أن تصدي واشنطن للحوثيين سيعني عمليا إنهاء الاتفاق الذي أبرمه ترامب العام الماضي، والذي تعهدت بموجبه الولايات المتحدة بالتوقف عن قصف الجماعة مقابل وقف الهجمات علي الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما قد يعرض القوات الأمريكية لهجمات صاروخية قادمة من اليمن.
ويحذر مسئولون أمريكيون، من أن العودة للقتال مع الحوثيين قد تتطلب موارد بحرية وجوية كبيرة، وتحويل أصول المخابرات الأمريكية، في ظل الحاجة إلي تحديد مواقع الحوثيين التي تغيرت منذ العام الماضي.
وفي ظل عدم رغبة ترامب في الانخراط المباشر، يري محللون إقليميون، أن استراتيجية إيران تهدف لفرض خيار حاسم علي دول الخليج: إما تحمل المعاناة الاقتصادية المتزايدة الناجمة عن تقييد صادراتها النفطية والضربات الإيرانية، أو الانخراط في تفاهمات مع طهران لحماية التجارة وتدفقات الطاقة والاستقرار الاقتصادي.
وتري صحيفة «الجارديان»، أن تقدم الحوثيين علي طول ساحل البحر الأحمر انطلاقاً من ميناء الحديدة يعزز موقف إيران في مساعيها للتوصل إلي اتفاق مع دول خليجية بشأن السيطرة المستقبلية علي مضيق هرمز، الذي يمثل محور الخلاف الرئيسي بين واشنطن وطهران.
ولفتت الصحيفة البريطانية، إلي أنه «رغم استقلال الحوثيين عن طهران في قراراتهم العملياتية، فإن استمرارهم في مواجهة السعودية يصب بشكل كبير في مصلحة إيران، لأنه قد يدفع الرياض إلي الضغط علي واشنطن لتغيير موقفها تجاه طهران».
أما إذاعة «مونت كارلو الدولية»، فتري أن قوة الورقة الإيرانية الجديدة لا تكمن بالضرورة في إغلاق مضيق باب المندب، فالسيطرة علي المضيق كافية لتكون أكثر قيمة من إغلاقه الذي سيضر بتجارة دول كثيرة، وقد يؤدي إلي استدعاء تدخل عسكري دولي واسع، فيما بقاؤه مفتوحا مع الاحتفاظ بالقدرة علي استهداف سفن محددة يمنح الحوثيين أداة ضغط أكثر فاعلية، فمجرد زيادة مخاطر المرور، وارتفاع أقساط التأمين، واضطرار السفن إلي تغيير مساراتها، كفيل بفرض كلفة اقتصادية كبيرة دون الحاجة إلي إغلاق المضيق فعليا.