لم تعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة تشكل تنافساً سياسياً عادياً.. بل أصبحت معركة تكسير عظام بين ائتلاف نتنياهو من جهة والمحكمة العليا مدعومة بالمعارضة من جهة أخري.. فاليمين الإسرائيلي الحاكم يدخلها باحثاً عن تفويض بـ 61 مقعداً في الكنيست ليُسقط سلطة القضاء إلي الأبد، والمعارضة تعتبرها المعركة الأخيرة لإنقاذ البلاد والحفاظ علي استقلال القضاء.. والنتيجة: دولة منقسمة تقف علي أعتاب أزمة دستورية، وتخشي علي انتخاباتها من التدخل السياسي، والعنف الانتخابي، والتلاعب بواسطة الذكاء الاصطناعي.
ذكرت صحيفة «هآرتس»، أن «عصيان أوامر المحكمة العليا هو المسمار الأخير في نعش الديمقراطية»، لأن الانتخابات الإسرائيلية تأتي في وقت يتصاعد فيه الخلاف بين الحكومة والمحكمة، بعد إعلان حكومة نتنياهو أنها ستتحدي قرار المحكمة العليا، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ دولة الاحتلال.
هذا الموقف الحكومي أثار انتقادات واسعة واعتُبر خطوة نحو تحويل النزاع السياسي إلي أزمة دستورية محتملة في دولة لا تمتلك دستورًا مكتوبًا بشكل كامل.
لذا يكتسب توقيت الانتخابات أهمية خاصة، لأن بعض التعديلات التي أقرها الائتلاف الحاكم لم تدخل حيز التطبيق الكامل بعد، ما يجعل تشكيل الكنيست المقبل عاملًا حاسمًا في مصيرها، ففي حال نجاح الائتلاف اليميني سيكون ذلك تفويضاً مباشراً من الإسرائيليين لاستمرار الإصلاح القضائي، ومن هنا ستكون المخاطر عالية لأن القضاء هو الضابط الوحيد علي أداء الحكومة في إسرائيل.
يأتي ذلك في الوقت الذي تتحدي فيه حكومة الاحتلال المحكمة العليا بتصريحاتها وقراراتها، ومن هذا القبيل، ما صرح به وزير العدل سابقًا ياريف ليفين، صاحب فكرة الإصلاحات القضائية في 2022، من أنه سيتجاهل أي حكم للمحكمة إذا مسّ حلفاءه السياسيين، في إشارة إلي تحدٍ مباشر لسلطة القضاء.
من جانبها، رأت المعارضة وحركات المجتمع المدني، أن هذا الموقف يعكس محاولة انقلاب علي النظام القضائي، ويعيد إشعال النقاش حول الإصلاحات القضائية المثيرة للجدل التي أطلقتها الحكومة منذ عودة نتنياهو للسلطة.
ورغم أن مستقبل الديمقراطية المزعومة بدولة الاحتلال الآن في يد السلطة القضائية الإسرائيلية، إلا أن الموقف الشعبي في إسرائيل يعد الأكثر تأثيراً ومازالت تتعلق به آمال كثيرة، حيث أثبت جدارته خلال الفترة الماضية، ونجح في كبح جماح رغبات حكومة نتنياهو، بعد خروج مئات الآلاف من المواطنين إلي الشوارع، وشن حملة شرسة ضد الإصلاحات المقترحة، نجحت في نهاية المطاف في إحباط الجوانب الأكثر جذرية من أجندة ليفين الإصلاحية في ربيع عام 2023، وفشلت الحكومة في إحراز أي تقدم كبير في المبادرة قبل أن يعيد هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 ترتيب أولويات الحكومة.
لكن في أوائل عام 2025، أعاد ليفين إحياء برنامجه المثير للجدل، وخلال الأشهر الـ 18 التالية نجحت الحكومة الإسرائيلية في تمرير العديد من المكونات الرئيسية لبرنامجها لإصلاح القضاء عبر الكنيست، وتحويله إلي قانون، حيث نجحت في تمرير أهم عنصر وهو قانون يغير تكوين اللجنة التي تختار القضاة لجميع المحاكم في البلاد، بما في ذلك المحكمة العليا، وعملية التعيينات نفسها، وبموجب القانون يتمتع الممثلون السياسيون من الائتلاف والمعارضة في لجنة اختيار القضاة بمزيد من السيطرة علي ترشيحات القضاة، وسلطة حصرية لتعيين قضاة المحكمة العليا، الأمر الذي يهدف إلي تجاوز أي شرط للتوافق، وتعيين قضاة متطرفين ذوي توجهات سياسية متحالفة في أعلي محكمة في إسرائيل، وبهذا القانون أصبح ليفين قادراً في جميع الأحوال، سواء مع المعارضة أو الائتلاف المتطرف، علي ملء المحكمة بأكاديميين محافظين متشددين لم يتمكن من تعيينهم في ظل النظام القديم، وسيتمكن المعسكر المعارض من فعل الشيء نفسه مع فقهاء متطرفين يتماشون مع أيديولوجيته.
لكن هذا القانون، بحسب «هآرتس»، لن يدخل حيز التنفيذ إلا بعد أداء أعضاء الكنيست الجدد اليمين الدستورية عقب الانتخابات المقبلة، لذا لم تُجرَ أي تعيينات بموجب النظام الجديد حتي الآن، ويجب أن يستمر الجمود لمدة عام قبل إمكانية تجاوزه. ومن غير الواضح ما إذا كان التشريع سيظل ساري المفعول طوال هذه المدة، وفي حال إقرار التشريع ليصبح قانوناً، تعهدت أحزاب المعارضة بإلغاء هذا الإجراء في حال وصولها إلي السلطة.
ومن الإصلاحات القانونية الرئيسية الأخري قانون تم إقراره في الأيام الأخيرة للكنيست، والذي منح الحكومة القدرة علي تجاهل موقف المدعي العام بشأن شرعية سياسات الحكومة وإجراءاتها، في حين أن موقف المدعي العام الإسرائيلي بشأن أي قضية معينة ملزم للحكومة.
ومن بين المكونات الرئيسية الأخري للإصلاح القضائي الذي تم إقراره كقانون هو تعديل أحد القوانين الأساسية شبه الدستورية في إسرائيل، والذي ألغي قدرة المحاكم علي وقف إجراءات الحكومة من خلال اعتبارها غير معقولة، لكن ريفلين فشل في تمرير هذا القانون، واستطاعت المحكمة العليا إلغاءه بسبعة أصوات مقابل ستة.
ومع ذلك لا يزال الخطر مستمراً حسب «تايمز أوف يسرائيل»، ولا تزال دولة الاحتلال علي عتبة أزمة دستورية قادمة، حيث تسمح إجراءات الكنيست بإعادة طرح مشاريع القوانين التي تجتاز القراءة الأولي بسهولة تامة من قبل الكنيست التالي، ما يعني أنه يمكن أن تظهر مرة أخري في حالة عودة ائتلاف يميني إلي السلطة بعد الانتخابات.
وحسب صحف إٍسرائيل، يمكن أن تؤثر الحرب الدستورية السياسية الدائرة بين القضاء وحكومة الائتلاف علي نزاهة الانتخابات الحالية، حيث نشرت صحيفة «معاريف» تقريراً، تناول المخاوف المتزايدة بشأن نزاهة الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر المقبل، وذكر التقرير، استنادًا إلي استطلاع لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي، أن نحو 75% من الإسرائيليين يشعرون بالقلق إزاء مخاطر تهدد نزاهة انتخابات 2026، بينما قال 43% إنهم متفائلون بمستقبل الحكم الديمقراطي في البلاد.
ونقل التقرير عن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هيرتسوج، تحذيره من التدخل السياسي والعنف، ودعوته للأحزاب والمرشحين والناشطين إلي عدم تحويل الخصوم السياسيين إلي أعداء. كما أشار إلي مخاوف تتعلق بعمل لجنة الانتخابات المركزية، وباحتمال استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أو التدخل الخارجي للتأثير علي الناخبين.
وقال معهد الديمقراطية الإسرائيلي في تقرير له، إن الديمقراطية في إسرائيل تواجه أزمة حقيقة في ظل الانتخابات المقبلة، لأن الإصلاح القضائي الذي طرحه الائتلاف الحكومي يتضمن تغييرات في طريقة اختيار القضاة، وتقليص قدرة المحكمة علي التدخل في بعض قرارات الحكومة، وإعادة تعريف دور المستشارين القانونيين في الوزارات.
لذا فإن عودة الائتلاف الحالي بأغلبية واضحة قد تدفع وزير العدل ياريف ليفين وحلفاءه إلي استكمال مشروع إعادة تشكيل القضاء، أما إذا خسر الائتلاف الأغلبية، فسيصبح استمرار المشروع أكثر صعوبة سياسيًا. ومع ذلك، لا تعني نتيجة الانتخابات وحدها حسم الخلاف، إذ ستظل المحكمة قادرة علي نظر الطعون، كما أن المعسكر المعارض ليس كتلة سياسية متجانسة.
وذكرت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» الأمريكية، في تقرير لها، أن الحكومة علي استعداد لتحدي قرار المحكمة العليا، وهو ما أثار تحذيرات من اقتراب إسرائيل من أزمة دستورية، ونقل التقرير عن قضاة سابقين أن عدم تنفيذ أوامر المحكمة يهدد سيادة القانون، بينما قالت الحكومة إن موقفها لا يمثل رفضًا للالتزام بالأحكام، بل انتقادًا حادًا لقرار قضائي اعتبرته متجاوزًا لصلاحيات المحكمة.