صدر حديثاً كتاب جديد بعنوان « الحشاشين من الدولة العباسية إلى جيش هولاكو» للكاتب الصحفي والباحث السياسي السيد الحراني وهو كتاب بحثي واستقصائي طويل يتناول واحدة من أكثر الجماعات إثارة للجدل في التاريخ الإنساني ويعيد قراءة قصة الحشاشين من خلال محاولة الفصل بين الوقائع التاريخية وبين الروايات والأساطير التي تراكمت حول الجماعة على مدار قرون طويلة
ويأخذ الكتاب القارئ في رحلة تمتد من القرن الحادي عشر الميلادي مع ظهور حسن الصباح وصعود الدعوة النزارية مرورًا بتأسيس دولة القلاع وسيطرة الصباح على قلعة آلموت وصولًا إلى المواجهات مع السلاجقة والقوى الإقليمية المختلفة ثم سقوط آلموت أمام جيوش هولاكو سنة 1256م وما أعقب ذلك من تحولات في تاريخ الجماعات النزارية.
ويقدم الكتاب رحلة بحثية تمتد عبر 450 صفحة موزعة على 14 فصلًا إلى جانب المعاجم والتسلسلات الزمنية ويتوقف أمام السياق السياسي والمذهبي الذي سبق ظهور الحشاشين كما يبحث في الصراع بين العباسيين و السلاجقة والفاطميين والإسماعيليين والتنافس على السلطة والنفوذ داخل العالم الإسلامي في القرن الخامس الهجري وهي البيئة التي ساعدت على ظهور الدعوة النزارية وصعود حسن الصباح.
ويطرح الكتاب منذ صفحاته الأولى سؤالًا محوريًا حول شخصية حسن الصباح وكيف استطاع رجل واحد أن يؤسس تنظيمًا ظل اسمه مرتبطًا بالغموض والاغتيال السري لقرون طويلة ويقول السيد الحراني في تصريحات خاصة إن أكبر خطأ يمكن الوقوع فيه عند قراءة تاريخ الحشاشين هو التعامل معهم باعتبارهم أسطورة جاهزة وليس باعتبارهم ظاهرة تاريخية لها سياق سياسي ومذهبي واجتماعي واضح.
ويضيف الحراني أن هدفه لم يكن البحث عن حسن الصباح الأسطوري وإنما البحث عن حسن الصباح التاريخي كما يمكن أن يظهر من خلال المصادر والروايات المتعارضة وما يمكن مقارنته بينها للوصول إلى صورة أكثر توازنًا مؤكدًا أن شخصية الصباح لا يمكن فهمها بعيدًا عن التحولات الكبرى التي شهدها العالم الإسلامي في تلك الفترة وعن الصراع على السلطة والنفوذ بين القوى المختلفة.
ويتتبع الكاتب وكتابة رحلة حسن الصباح منذ بداياته مرورًا برحلته إلى مصر وما ارتبط بالشدة المستنصرية ثم انتقاله إلى مناطق أخرى وصولًا إلى جبال الديلم حيث بدأت المرحلة الأهم في مشروعه السياسي والتنظيمي كما يتناول عملية السيطرة على قلعة آلموت التي تحولت إلى المركز الأبرز للدولة النزارية وإلى أحد أشهر الرموز المرتبطة بتاريخ الحشاشين.
ويرى المؤلف أن أهمية آلموت لم تكن مرتبطة فقط بموقعها الجغرافي وتحصيناتها العسكرية وإنما بكونها مثلت نموذجًا مختلفًا لفكرة الدولة والتنظيم في ذلك العصر حيث اعتمدت الجماعة على شبكة من القلاع والمراكز المحصنة وعلى العمل السري والدعوة والتنظيم الدقيق في مواجهة قوى سياسية وعسكرية كانت تفوقها في كثير من الأحيان من حيث العدد والإمكانات.
ويشير الكتاب إلى إن آلموت لا يمكن فهمها فقط باعتبارها قلعة شهيرة ارتبطت باسم حسن الصباح وإنما باعتبارها نموذجًا لدولة بنت جانبًا كبيرًا من قدرتها على البقاء على الجغرافيا والتحصين والسرية والتنظيم موضحًا أن دراسة القلاع تساعد على فهم الطريقة التي استطاع بها التنظيم الحفاظ على وجوده في مواجهة الحملات العسكرية المتعاقبة.
ويفتح الكتاب ملفًا آخر شديد الإثارة يتعلق بالرواية الشهيرة عن استخدام الحشيش في السيطرة على أتباع حسن الصباح وإيهامهم بأنهم دخلوا الجنة قبل تكليفهم بتنفيذ عمليات الاغتيال وهي الرواية التي أصبحت واحدة من أكثر القصص ارتباطًا باسم الحشاشين في الذاكرة الشعبية العربية والأوروبية على حد سواء.
ويتعامل الحراني مع هذه الرواية باعتبارها واحدة من أكثر عناصر الأسطورة انتشارًا ويضعها تحت الاختبار من خلال قراءة نقدية للروايات التي نقلتها المصادر المختلفة ومحاولة التمييز بين ما يمكن إثباته تاريخيًا وبين ما ظهر في روايات الخصوم أو الرحالة الأوروبيين في مراحل لاحقة ويؤكد الحراني أن شهرة الرواية لا تعني بالضرورة ثبوتها التاريخي.
حيث يرى إن قصة حدائق الجنة والحشيش من أكثر الروايات التي احتاجت إلى مراجعة نقدية لأن بعض القصص التاريخية تتحول مع مرور الوقت إلى حقائق بسبب كثرة تكرارها وليس بسبب قوة الأدلة التي تستند إليها مشددًا على ضرورة التعامل مع هذه الروايات باعتبارها مادة تحتاج إلى الفحص والمقارنة وليس باعتبارها حقائق نهائية لا تقبل النقاش.
ويتناول الكتاب في جانب آخر استراتيجية الاغتيال السياسي التي أصبحت من أكثر السمات ارتباطًا بتاريخ الحشاشين حيث يبحث في عدد من العمليات التي ارتبطت بالتنظيم وفي مقدمتها اغتيال الوزير السلجوقي نظام الملك وما تلاها من عمليات وصراعات مع القوى السياسية والعسكرية المختلفة وصولًا إلى مراحل الصراع مع صلاح الدين الأيوبي.
ويرى الحراني أن الخنجر عند الحشاشين لم يكن مجرد سلاح وإنما تحول إلى رسالة سياسية وأن الهدف لم يكن دائمًا قتل أكبر عدد ممكن من الخصوم وإنما الوصول إلى شخصية بعينها وإحداث تأثير يتجاوز حجم العملية نفسها موضحًا أن الاغتيال كان جزءًا من استراتيجية أوسع اعتمدت على السرية والخوف والرمزية السياسية.
ويخصص الكتاب مساحة واسعة لدراسة جغرافيا دولة القلاع من خلال رصد عدد من أهم المراكز والتحصينات التي ارتبطت بتاريخ الدولة النزارية وفي مقدمتها آلموت ولمبسر وكردكوه وقلاع قهستان وشاه دز حيث يبحث الكتاب في طبيعة المناطق الجبلية والطرق والتحصينات والعوامل الجغرافية التي ساعدت التنظيم على الاحتفاظ بمراكزه لفترات طويلة.
ويؤكد المؤلف أن دراسة القلاع ليست مجرد إضافة جغرافية إلى الكتاب وإنما مدخل أساسي لفهم التجربة النزارية نفسها لأن الجغرافيا ساعدت على صناعة القوة وأتاحت للتنظيم مواجهة قوى تمتلك جيوشًا أكبر منه ويقول إن دولة القلاع تمثل نموذجًا تاريخيًا لكيفية توظيف المكان والتحصين والتنظيم في مواجهة التفوق العددي والعسكري للخصوم.
ويتوقف الكتاب كذلك أمام حقيقة تاريخية يرى المؤلف أنها غابت عن كثير من الروايات الشعبية وهي أن وفاة حسن الصباح سنة 1124م لم تكن نهاية الدولة النزارية ولم تؤد إلى سقوط آلموت فقد واصلت الدولة وجودها لأكثر من قرن بعد وفاة مؤسسها وشهدت مراحل متعددة من التحولات السياسية والتنظيمية والاستراتيجية فيقول الحراني إن من الأخطاء الشائعة اختصار تاريخ الحشاشين كله في شخصية حسن الصباح وكأن الدولة انتهت بوفاته مؤكدًا أن الصباح كان المؤسس الأبرز لكن الدولة التي أسسها استمرت بعده وتغيرت استراتيجياتها وتحالفاتها وتكيفت مع ظروف سياسية مختلفة ولذلك فإن الكتاب لا يتوقف عند الرجل وإنما يتابع الكيان الذي تركه خلفه حتى سقوط آلموت.
وتصل رحلة الكتاب إلى واحدة من أهم المحطات في تاريخ الدولة النزارية وهي المواجهة مع المغول وسقوط آلموت سنة 1256م أمام جيوش هولاكو حيث مثل هذا الحدث نقطة تحول رئيسية أدت إلى انهيار الكيان السياسي الذي استطاع الصمود لسنوات طويلة أمام قوى إقليمية متعاقبة.
ويؤكد الباحث أن هولاكو أنهى دولة القلاع لكنه لم يستطع أن يمحو الجماعة من التاريخ بالكامل موضحًا أن سقوط آلموت يمثل نهاية مرحلة سياسية أكثر مما يمثل نهاية تاريخ النزارية وأن الجماعات النزارية تفرقت وتغيرت أشكال وجودها عبر القرون بعد سقوط الدولة ودخول المنطقة في مرحلة جديدة من التاريخ.
ولا يتوقف الكتاب عند سقوط الدولة النزارية وإنما يتابع المسار الذي تحولت خلاله قصة الحشاشين إلى أسطورة عالمية انتقلت من القلاع الإيرانية إلى كتب الرحالة الأوروبيين ثم إلى الأدب والسينما والثقافة الشعبية الحديثة وهو ما جعل صورة الحشاشين في المخيلة الإنسانية أكثر اتساعًا من حقيقتهم السياسية والتاريخية
ويقول الحراني إن هناك فرقًا بين دراسة الحشاشين كظاهرة تاريخية وبين دراسة صورتهم في المخيلة الشعبية موضحًا أن الأولى تحتاج إلى نقد المصادر والمقارنة بين الروايات بينما تمثل الثانية موضوعًا تاريخيًا قائمًا بذاته لأنها تكشف كيف تتحول الوقائع إلى أساطير وكيف تستطيع قصة واحدة أن تعيش مئات السنين بعد انتهاء الظروف التي صنعتها.
ويؤكد الحراني على أن منهج الكتاب يقوم على عدم التعامل مع أي رواية تاريخية باعتبارها حقيقة نهائية لمجرد أنها مشهورة وعدم رفض أي رواية لمجرد أنها غريبة وإنما اعتماد المصدر والسياق والمقارنة وإمكانية التحقق باعتبارها أدوات أساسية في قراءة التاريخ ومحاولة الاقتراب من صورة أكثر دقة للأحداث والشخصيات
ويقول الحراني إن التاريخ ليس حكاية واحدة يرويها طرف واحد وإنما شبكة من الشهادات والروايات والمصالح ولذلك فإن مهمة الباحث هي أن يضع هذه الروايات أمام القارئ وأن يساعده على رؤية الفارق بين الواقعة والتفسير والأسطورة مؤكدًا أن الكتاب لا يقدم نفسه باعتباره الكلمة الأخيرة في تاريخ الحشاشين وإنما باعتباره محاولة لإعادة فتح الملف من زاوية نقدية.
ويرى الباحث أن أهمية دراسة الحشاشين لا تتوقف عند الماضي لأن التجربة تكشف عددًا من الآليات التي يمكن دراستها تاريخيًا مثل التنظيم والسرية والرمزية السياسية واستثمار الجغرافيا والخوف في صناعة النفوذ لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة عدم تحويل التاريخ إلى نموذج جاهز لإسقاطه على تنظيمات معاصرة لأن ذلك قد يفسد القراءة التاريخية.
ويقول الحراني إن الدولة النزارية سقطت لكن الحكاية لم تسقط معها وأن آلموت انتهت كعاصمة لدولة القلاع لكن صورتها بقيت في الذاكرة التاريخية والأدبية والسياسية حتى اليوم موضحًا أن السؤال الأهم بالنسبة إليه ليس فقط من كان حسن الصباح وإنما كيف نصنع نحن صورة الشخصيات والجماعات التاريخية وكيف تستطيع رواية واحدة أن تعيش قرونًا رغم أن الأدلة حولها قد تكون أقل بكثير من شهرتها.
ويقدم كتاب « الحشاشين ـ من الدولة العباسية إلى جيش هولاكو» في مجمله رحلة واسعة تبدأ من البيئة السياسية والمذهبية التي سبقت ظهور الدعوة النزارية مرورًا ب حسن الصباح وآلموت ودولة القلاع وأساطير الحشيش وحدائق الجنة والاغتيالات السياسية وصولًا إلى الصراع مع السلاجقة ثم المغول وسقوط الدولة سنة 1256م وما تلاه من تحولات.
وبذلك يحاول السيد الحراني أن يضع الحشاشين في مكانهم الطبيعي داخل التاريخ لا داخل الأسطورة فقط وبعيداً عن الخيالات الدرامية والمسلسلات التليفزيونية التي تحاول توظيف التاريخ لخدمة السياسة يعيد الكتاب طرح السؤال الذي ظل حاضرًا طوال قرون أين تنتهي حقيقة التاريخ وأين تبدأ صناعة الأسطورة وهل كان الحشاشون بالفعل كما صورتهم الحكايات أم أن التاريخ الحقيقي كان أكثر تعقيدًا من الصورة التي وصلت إلينا عبر الروايات والرحلات والأدب والثقافة الشعبية.
الجدير بالذكر أن السيد الحراني كاتب صحفي وباحث سياسي وروائي مصري، تخرج في كلية الاعلام بجامعة القاهرة. عمل في عدد من كبرى المؤسسات الصحفية المصرية، من بينها اخبار اليوم، الاهرام، المصري اليوم، الوطن، مصراوي، الفجر، والبوابة. وعضو سابق في لجنة الاعلام بالمجلس القومي للمرأة، وعضو حالي بالجمعية المصرية للدراسات التاريخية ونقابة الصحفيين ونقابة اتحاد الكتاب ونقابة السادة الأشراف.
وكتب مذكرات عدد من الشخصيات البارزة في الفكر والسياسة والفن، من بينهم الدكتور مصطفى محمود، الدكتور سعد الدين ابراهيم، الدكتور رفعت السعيد، المفكر جمال البنا، رجل الاعمال احمد الريان، الفنانة ماجدة الصباحي، الفنانة فاتن حمامة، والفنان نور الشريف. وقدم برنامجا تلفزيونيا بعنوان «مسافر بين الشك واليقين»، وله عدد من المؤلفات الفكرية والروائية، من بينها روايات «مارد»، «قضية الكوراني»، وكتب «الجماعات الاسلامية من تاني»، «الفيلسوف المشاغب»، «الوثائق المجهولة للاخوان المسلمين»، «ملعون ابو الواقع»، «فلسفة الموت»، و«الاخوان القطبيون».