أكدت المهندسة إنجي اليماني، المدير التنفيذي لصندوق دعم الصناعات البيئية والريفية بوزارة التضامن الاجتماعي، أن الصندوق يمتلك تاريخًا يمتد لنحو 70 عامًا، ويعكس اهتمام الدولة المصرية منذ وقت مبكر بدعم الصناعات المرتبطة بالبيئة والمجتمعات الريفية، موضحة أن إعادة هيكلة الصندوق استهدفت تطوير دوره بما يتماشى مع توجهات وزارة التضامن الاجتماعي في مجال التمكين الاقتصادي.
وقالت اليماني، في تصريحات خاصة لموقع «خمسة سياسة»، إن إعادة الهيكلة جاءت بهدف جعل الصندوق أحد المكونات الفاعلة في منظومة التمكين الاقتصادي، وبما يتوافق مع المنظومة المالية الاستراتيجية للتمكين الاقتصادي التي جرى العمل على إنشائها بتوجيه رئاسي في سبتمبر 2024، لدراسة التجارب والنماذج المختلفة للتمكين والتمويل الاقتصادي في عدد من دول العالم والاستفادة منها بما يتناسب مع الواقع المصري.
منظومة تجمع جهود التمكين الاقتصادي
وأوضحت أن الدراسات التي أجريت كشفت عن وجود العديد من البرامج التمويلية وبرامج التمكين الاقتصادي بالفعل داخل مصر، سواء من خلال الجهات الحكومية أو القطاع الخاص أو مؤسسات المجتمع المدني، إلا أن هذه البرامج كانت تقدم من خلال جهات متعددة.
وأضافت أن إنشاء المنظومة المالية الاستراتيجية للتمكين الاقتصادي استهدف جمع هذه الجهود تحت مظلة واحدة، بما يسمح بتكامل الخدمات والبرامج المقدمة للفئات الأكثر احتياجًا، ويساعد على توفير المناخ المناسب للعمل والإنتاج والتطوير.
وأشارت إلى أن المنظومة أُنشئت بقرار من رئيس مجلس الوزراء في أكتوبر 2025، وكان القرار يضم في بدايته 17 جهة، بينما ارتفع عدد الجهات المشاركة حاليًا إلى 56 جهة، تضم عددًا من الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، للعمل بصورة مشتركة في مجال التمكين الاقتصادي.
«التمكين» مرحلة مختلفة عن الحماية والرعاية
وشددت اليماني على أن التمكين الاقتصادي يمثل أحد المحاور الرئيسية لعمل وزارة التضامن الاجتماعي إلى جانب الحماية والرعاية، موضحة أن التمكين يختلف عن تقديم المساعدة المباشرة، لأنه يقوم على بناء قدرات المستفيد وتمكينه من الاعتماد على نفسه والمشاركة في النشاط الإنتاجي.
وقالت إن التمكين الاقتصادي هو الجزء الأكثر تحديًا، لأنه لا يقتصر على تقديم خدمة للمستفيد، وإنما يتطلب أن يكون لدى الشخص نفسه الاستعداد والقدرة والرغبة في بدء رحلة جديدة نحو العمل والإنتاج.
التثقيف المالي والرقمي جزء أساسي من رحلة التمكين
وأشارت المدير التنفيذي لصندوق دعم الصناعات البيئية والريفية إلى أن التمكين لا يقتصر على توفير التمويل، وإنما يشمل كذلك التوعية والتدريب وبناء القدرات، لافتة إلى اهتمام الصندوق بالجمع بين التثقيف المالي والتثقيف الرقمي.
وأوضحت أن الهدف هو أن يحصل المستفيد على الخدمة المالية بصورة رقمية وآمنة، مع رفع وعيه بكيفية التعامل مع الأدوات والتطبيقات المالية الحديثة.
وضربت مثالًا بأهمية التوعية بالحفاظ على كلمات المرور، قائلة إن كلمة المرور بالنسبة للمستفيد تمثل مفتاح منزله، وبالتالي لا ينبغي مشاركتها مع أي شخص، مؤكدة أن التوعية المالية الرقمية أصبحت جزءًا أساسيًا من برامج التمكين التي تقدمها الوزارة والصندوق لمختلف الفئات.
تجربة الفيوم ودعم الصناعات القابلة للتصدير
وتطرقت اليماني إلى تجربة المشروعات في محافظة الفيوم، موضحة أن المحافظة تمتلك نماذج قوية من الصناعات التي يمكن أن تصل منتجاتها إلى الأسواق الخارجية، وهو ما يفتح المجال أمام زيادة القيمة الاقتصادية للمشروعات وتحسين فرص أصحابها.
وأكدت أن العمل لا يتوقف عند الجانب الإنتاجي فقط، وإنما يشمل الاهتمام بالمرأة العاملة داخل المشروعات، والتعرف على احتياجاتها والتحديات التي تواجهها، إلى جانب العمل على تطوير قدراتها في مجال المشروع وفي جوانب الحياة المختلفة.
وأوضحت أن بعض المشروعات تتضمن توفير خدمات مساندة للمرأة العاملة، من بينها الحضانة، بما يساعدها على الاستمرار في العمل مع توفير مكان مناسب لرعاية أطفالها.
تعاون مع بنك مصر لدعم المشروعات متناهية الصغر
وكشفت اليماني عن وجود بروتوكول تعاون مع بنك مصر في إطار العمل على دعم المشروعات متناهية الصغر، موضحة أن الهدف لا يقتصر على التمويل، وإنما يمتد إلى تعزيز الشمول المالي وريادة الأعمال والتثقيف المالي والرقمي.
وأضافت أن الصندوق يعمل على التوسع الجغرافي في المحافظات، موضحة أن خدماته وصلت حاليًا إلى 22 محافظة، مع استمرار العمل على الوصول إلى جميع المحافظات.
التوسع عبر الجمعيات لتسريع الوصول للمستفيدين
وأوضحت أن الصندوق، بعد إعادة هيكلته، كان أمامه أكثر من مسار للتوسع، من بينها تقديم التمويل بصورة مباشرة للمستفيدين، أو الاعتماد على الجهات الموجودة بالفعل داخل المحافظات، وعلى رأسها الجمعيات والمؤسسات التي تمتلك القدرة على تقديم التمويل، والحاصلة على التراخيص اللازمة من الجهات المختصة.
وأكدت أن الصندوق اختار خلال السنوات الأولى من إعادة الهيكلة الاعتماد بصورة كبيرة على هذه الجهات، بهدف الإسراع في الوصول إلى المستفيدين وعدم الانتظار لسنوات طويلة حتى يتم بناء شبكة جديدة من الفروع أو منافذ تقديم الخدمات.
سلاسل القيمة تضمن استدامة المشروعات
وقالت اليماني إن أحد أهم محاور العمل يتمثل في الاعتماد على الميزة النسبية لكل مجتمع محلي عند تنفيذ المشروعات، والعمل على بناء سلاسل قيمة مجتمعية تضمن وجود سوق للمنتجات داخل المجتمع نفسه.
وأوضحت أن الفكرة تقوم على ربط المشروعات ببعضها، بحيث يمكن أن يكون إنتاج المشروع الأول مدخلًا للمشروع الثاني، بينما يوفر المشروع الثاني احتياجات مشروع آخر، وهو ما يخلق دورة اقتصادية متكاملة داخل المجتمع.
وأكدت أن توفير السوق يمثل عنصرًا أساسيًا في استدامة المشروعات، لأن المشكلة في بعض المشروعات لا تكون في الإنتاج ذاته وإنما في عدم وجود سوق قادر على استيعاب المنتج، ولذلك يركز الصندوق على دراسة احتياجات السوق وربط مراحل الإنتاج والتسويق والتمويل والتدريب.
التمكين يبدأ من التدريب وينتهي بالوصول إلى الأسواق
وشددت اليماني على أن الصندوق يعمل وفق رؤية متكاملة لدورة التمكين الاقتصادي، تبدأ بالتدريب ورفع القدرات، ثم تمويل المشروعات متناهية الصغر، وتطوير المنتج، والوصول إلى الأسواق، إلى جانب التدريب من أجل التشغيل.
وأضافت أن منظومة التمكين الاقتصادي تتضمن مجموعة متكاملة من الخدمات، بما يسمح بالانتقال بالمستفيد من مرحلة التأهيل إلى مرحلة الإنتاج والعمل، بدلًا من الاقتصار على تقديم دعم مالي منفصل عن باقي احتياجات المشروع.
التعاون بين بنك ناصر والبريد للتوسع في تقديم الخدمات
وأشارت إلى أن التوسع في الانتشار الجغرافي للخدمات لا يعتمد فقط على إنشاء فروع جديدة، وإنما يتم من خلال الشراكات مع الجهات التي تمتلك بالفعل شبكة واسعة من المنافذ.
وأوضحت أن التعاون بين بنك ناصر الاجتماعي والبريد المصري يمثل نموذجًا لذلك، موضحة أن بنك ناصر يمتلك نحو 99 فرعًا، بينما يمتلك البريد المصري شبكة تضم نحو 4700 فرع، وهو ما يتيح الاستفادة من الانتشار الجغرافي للبريد في الوصول بالخدمات إلى أكبر عدد ممكن من المستفيدين.
وأكدت أن هذا النموذج يساعد على توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات دون الحاجة إلى انتظار إنشاء أعداد كبيرة من الفروع الجديدة، بما يوفر الوقت والتكلفة ويساعد على الوصول إلى المستفيدين في مختلف المناطق.
رسالة التضامن: التمكين بدلًا من انتظار المساعدة
ووجهت المهندسة إنجي اليماني رسالة تؤكد أن وزارة التضامن الاجتماعي تعمل من خلال مختلف آلياتها وأذرعها للوصول إلى الفئات الأولى بالرعاية، سواء عبر صندوق «قادرون باختلاف» أو صندوق دعم الصناعات البيئية والريفية أو المشروعات والجمعيات أو بنك ناصر الاجتماعي وغيرها من الأدوات التابعة للوزارة.
وأكدت أن الهدف النهائي هو الوصول إلى المواطن وتقديم الخدمات التي تساعده على الانتقال من مرحلة الاحتياج إلى مرحلة القدرة على العمل والإنتاج.
وأضافت أن نجاح برامج التمكين لا يقاس فقط بعدد المشروعات التي تم تنفيذها، وإنما بالتغيير الذي يحدث في ثقافة المستفيد نفسه، خاصة عندما تتحول المرأة من انتظار الدعم إلى امتلاك القدرة على إدارة مشروعها والتعامل مع احتياجاتها الاقتصادية بثقة واستقلالية.
وقالت اليماني إن العمل في مجال التنمية يرتبط دائمًا بالسعي المستمر لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، مشيرة إلى أن فرق العمل تواصل جهودها لإنجاز الملفات والبرامج المرتبطة بتمكين الفئات المستهدفة، انطلاقًا من إيمانها بأن التنمية الحقيقية تبدأ عندما يمتلك الإنسان القدرة والأدوات التي تساعده على بناء مستقبله بنفسه