الملح بين الضرورة والاعتدال.. هل تقليل الصوديوم يرفع مقاومة الإنسولين؟

الملح بين الضرورة والاعتدال.. هل تقليل الصوديوم يرفع مقاومة الإنسولين؟الملح

منوعات25-9-2026 | 19:33

يُعد الملح من المكونات الأساسية في النظام الغذائي، إذ يحتوي على الصوديوم الذي يحتاجه الجسم للقيام بوظائف حيوية، من بينها نقل الإشارات العصبية وتنظيم توازن السوائل والمساعدة في عمل العضلات.

لكن في المقابل، فإن الإفراط في تناول الصوديوم يرتبط بارتفاع ضغط الدم وزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

ومع انتشار نصائح تدعو إلى تقليل الملح، تظهر أحيانًا معلومات مضادة تحذر من أن خفضه بشدة قد يؤدي إلى مشكلات أخرى، من بينها زيادة مقاومة الإنسولين. فما الذي تقوله الدراسات فعلًا؟ وهل يعني ذلك أن الملح يجب أن يكون موجودًا بكميات كبيرة في الطعام؟

دراسة على أسبوع

يقول الدكتور عماد سلامة، أخصائي التغذية العلاجية، إن هناك دراسة منشورة في دورية Metabolism بحثت تأثير اتباع نظام منخفض الملح على حساسية الإنسولين لدى أشخاص أصحاء.

وشملت الدراسة 152 شخصًا من الرجال والنساء الأصحاء، وخضع المشاركون لنظام منخفض الملح لمدة 7 أيام، ثم لنظام مرتفع الملح لمدة 7 أيام، بترتيب عشوائي. وأظهرت النتائج ارتفاع مؤشر مقاومة الإنسولين HOMA-IR خلال فترة النظام منخفض الملح مقارنة بالنظام مرتفع الملح.

لكن هذه النتيجة تحتاج إلى قراءة دقيقة؛ فالدراسة تشير إلى ارتباط بين اتباع النظام منخفض الملح وزيادة مؤشر مقاومة الإنسولين خلال فترة الدراسة، ولا تعني أن الامتناع عن الملح لمدة أسبوع يؤدي إلى الإصابة بمرض السكري.

كما أن الدراسة نفسها أشارت إلى أن تأثير هذه النتائج على تطور مرض السكري وأمراض القلب يحتاج إلى مزيد من البحث.

الصوديوم أساسي

وأوضح الدكتور عماد سلامة أن الصوديوم من المعادن الأساسية التي يحتاج إليها الجسم، إذ يشارك في الحفاظ على توازن السوائل، ونقل الإشارات العصبية، ووظائف الخلايا الطبيعية، كما يرتبط بعمل العضلات.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الصوديوم عنصر أساسي، لكن المشكلة تبدأ عند تناوله بكميات زائدة، إذ يرتبط ارتفاع استهلاكه بارتفاع ضغط الدم، وهو أحد عوامل الخطورة المهمة لأمراض القلب والسكتة الدماغية.

لذلك، فإن الرسالة الصحية لا تتمثل في اعتبار الملح مادة ضارة يجب منعها تمامًا، ولا في اعتباره مادة ينبغي الإكثار منها، وإنما في الوصول إلى كمية مناسبة من الصوديوم وفق احتياجات الجسم والحالة الصحية للفرد.

أين تكمن المشكلة؟

ويشير أخصائي التغذية العلاجية إلى أن كثيرًا من الأشخاص يحصلون على الصوديوم ليس فقط من ملح الطعام الذي يضاف إلى الوجبات، ولكن أيضًا من الأطعمة المصنعة والمعلبة والوجبات الجاهزة والمخللات والصلصات والمقرمشات وغيرها.

وتلفت منظمة الصحة العالمية إلى أن جزءًا كبيرًا من الصوديوم في الأنظمة الغذائية يأتي من الأطعمة المصنعة، وليس فقط من الملح الذي يضاف أثناء إعداد الطعام أو على المائدة.

ولهذا فإن تقليل الأطعمة شديدة التصنيع قد يكون وسيلة عملية للحد من الصوديوم، بدلًا من التعامل مع ملح الطعام وحده باعتباره المصدر الوحيد.

أثناء الحمية

ويربط الدكتور عماد سلامة بين بعض الأعراض التي قد يشعر بها الشخص في بداية اتباع نظام غذائي وبين التغيرات التي تحدث في كمية السوائل والطعام المتناول، خصوصًا عند تقليل الكربوهيدرات بشكل كبير.

لكن الشعور بالإرهاق أو الصداع أو التشنجات أثناء الحمية لا يمكن اعتباره تلقائيًا دليلًا على نقص الصوديوم؛ فقد تكون لهذه الأعراض أسباب متعددة، من بينها انخفاض السعرات أو الجفاف أو تغير نمط الغذاء أو اضطراب النوم.

لذلك، لا يُنصح بتناول كميات إضافية من الملح بصورة عشوائية لمجرد ظهور هذه الأعراض.

القلب والضغط

ويُعد الصوديوم ضروريًا بالفعل للحفاظ على توازن السوائل ووظائف الجسم، لكن الإفراط فيه يمثل مشكلة صحية معروفة.

وتوصي منظمة الصحة العالمية بألا يتجاوز استهلاك البالغين 2000 ملليجرام من الصوديوم يوميًا، أي ما يعادل أقل من 5 جرامات من الملح يوميًا. كما تشير إلى أن خفض استهلاك الصوديوم يساعد في خفض ضغط الدم وتقليل مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية والسكتة الدماغية.

وفي الوقت نفسه، تشير إرشادات جمعية القلب الأمريكية إلى أن موضوع كمية الصوديوم المناسبة لبعض مرضى قصور القلب أكثر تعقيدًا، وأن تجنب الإفراط في تناوله يُعد أمرًا معقولًا لتقليل أعراض الاحتقان لدى بعض المرضى، مع اختلاف الاحتياجات حسب الحالة وتحت الإشراف الطبي.

حمض المعدة

ومن المعلومات التي يطرحها البعض في هذا السياق أن الكلوريد الموجود في ملح الطعام يدخل في تكوين حمض الهيدروكلوريك في المعدة.

وهذا صحيح من الناحية الفسيولوجية، لكن لا يعني أن تقليل ملح الطعام بالكمية الموصى بها يؤدي تلقائيًا إلى انخفاض حمض المعدة أو يسبب ارتجاع المريء وعسر الهضم وسوء امتصاص الفيتامينات والمعادن.

فاضطرابات الهضم والارتجاع لها أسباب متعددة، ولا يمكن نسبتها ببساطة إلى تقليل الملح.

الملح والتوتر

كما تنتشر نصائح على وسائل التواصل الاجتماعي تربط الرغبة في تناول الأطعمة المالحة ليلًا أو أثناء التوتر والأرق بانخفاض الصوديوم، وتوصي بتناول الملح قبل النوم.

لكن هذه الرغبة وحدها لا تُعد دليلًا على نقص الصوديوم، ولا يمكن اعتبار تناول الملح قبل النوم وسيلة مثبتة لعلاج الأرق أو خفض هرمونات التوتر.

ويظل تحديد وجود نقص حقيقي في الصوديوم مسألة طبية تعتمد على الأعراض والفحوصات والسياق الصحي للشخص، وليس على الرغبة في تناول الأطعمة المالحة فقط.

التوازن المطلوب

ويؤكد الدكتور عماد سلامة أن الصوديوم عنصر أساسي ولا يمكن للجسم الاستغناء عنه، لكن ذلك لا يعني أن زيادته أفضل للصحة.

وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الصوديوم والبوتاسيوم عنصران أساسيان، وأن الحصول على كمية كافية من البوتاسيوم من الغذاء يمكن أن يساعد في الحد من الآثار السلبية لارتفاع استهلاك الصوديوم على ضغط الدم.

ومن هنا، فإن المشكلة لا ينبغي اختزالها في القول إن « الصوديوم هو المشكلة» أو أن «البوتاسيوم وحده هو المشكلة»، وإنما في طبيعة النظام الغذائي ككل، وكميات الصوديوم والبوتاسيوم، ومدى الاعتماد على الأطعمة المصنعة.

لا إفراط ولا منع

وفي النهاية، لا يعني كون الصوديوم ضروريًا للجسم أن تناول الملح بكميات كبيرة يحمي من مقاومة الإنسولين أو أمراض القلب، كما أن نتائج دراسة واحدة عن نظام منخفض الملح لمدة أسبوع لا تكفي لإلغاء التوصيات الصحية العامة بشأن الحد من استهلاك الصوديوم.

والقاعدة الأكثر أمانًا لمعظم البالغين هي الاعتدال، مع الاعتماد على الطعام الطازج وتقليل المنتجات شديدة التصنيع، والالتزام بالكمية المناسبة من الملح وفق الحالة الصحية، خاصة لدى مرضى ارتفاع ضغط الدم أو أمراض القلب أو الكلى، حيث قد تكون الاحتياجات الغذائية أكثر خصوصية.

وبذلك يصبح الهدف ليس «منع الملح» ولا «الإكثار منه»، وإنما الحفاظ على توازن غذائي يوفر للجسم احتياجاته دون تجاوز الكميات التي قد تضر بالصحة.

أضف تعليق

مصر والسعودية وتحديات الإقليم

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان