كيف وصلنا إلى هنا؟
لعل هذا هو السؤال الذي سيقف ذات يوم على شفاه جيلٍ من أبنائنا، فينظر إلى ما حوله من أمر مجتمعه، فلا يجد جوابًا يطفئ حيرته، ولا يستطيع أن يحدد اللحظة التي انحرف فيها الطريق، ولا الساعة التي أخذ فيها المصباح يخبو حتى خيّم الظلام على كل شيء.
وسيتساءلون: كيف أصبح ما كان مستنكرًا بالأمس مألوفًا اليوم؟ وكيف أصبح الوصول إلى المكان أغلى من الاستحقاق له؟ وكيف صار المرء يُسأل عن اسم الرجل الذي يعرفه قبل أن يُسأل عن العلم الذي يحمله؟
وليست المصيبة في أن يقع الخطأ؛ فالناس يخطئون، و المجتمعات تتعثر. وإنما المصيبة أن يتكرر الخطأ حتى يألفه القلب، وأن يطول الاعوجاج حتى تظنه العيون استقامة، وأن يكثر القبح حتى يصبح الجمال هو الشيء الغريب.
فماذا يحدث حين يتعلم الطفل من الحياة أن الصراحة قد تجرح صاحبها، وأن المجاملة قد تفتح له الأبواب، وأن رضا الأقوياء أثمن عند بعض الناس من رضا الضمير؟
حينئذ لا ينبغي أن نعجب إذا قلّ الصادقون؛ فالفضائل التي لا تجد من يحمي أصحابها تموت في العلن، وإن بقي اسمها حيًا على الألسنة. ومع الأيام تتحول الأخلاق من حياة تُعاش إلى كلمات تُقال، ومن نور يهدي الطريق إلى لوحة معلقة على جدار مظلم.
وماذا يحدث إذا أصبح الطريق إلى الفرصة لا يمر دائمًا من باب الكفاءة والاستحقاق، وإنما من أبواب لا علاقة لها ب العلم والعمل؟ ماذا يحدث حين يرى المجتهد أن سنوات دراسته وسهره قد تخسر أمام معرفة عابرة، وأن صاحب الموهبة قد يتأخر لا لأنه أقل قدرة، وإنما لأنه لا يعرف مفاتيح الأبواب التي يعرفها غيره؟
إنه لا يفقد فرصة واحدة فحسب؛ بل قد يفقد إيمانه بأن الاجتهاد يستحق أن يُبذل. وهنا لا يخسر المجتمع وظيفة أو ترقية، وإنما يخسر عقلًا كان يمكن أن يبدع، ويدًا كانت يمكن أن تبني.
وحين يفقد الناس هذا الإيمان، تبدأ الكفاءات في الانسحاب. ينسحب الجادون إلى الظل، لا لأنهم أحبوا الظلام، ولكن لأن الضوء لم يعد يصل إليهم. ويصمت المخلصون، لا لأنهم فقدوا الكلام، ولكن لأنهم تعبوا من الكلام الذي لا يجد أذنًا.
وعندها يصبح الفراغ بيتًا واسعًا لكل من يجيد ملأه؛ فيصعد من يجيد رفع صوته أكثر مما يجيد رفع مستواه، ومن يعرف كيف يخطف العين أكثر مما يعرف كيف يخاطب العقل. وهكذا تصعد التفاهة حين يتراجع أهل القيمة.
وليس التافه وحده هو الذي صنع مكانه؛ لقد صنعناه نحن حين منحناه من أعمارنا ما يكفي ليكبر. ويزداد الأمر خطرًا حين نجعل الشهرة مرآة للقيمة، والظهور شاهدًا على النجاح، وكثرة المتابعين ميزانًا للمعرفة.
وليس أخطر من أن يخطئ المجتمع في اختيار قدواته؛ لأن أبناءه لا يتعلمون مما نقوله لهم بقدر ما يتعلمون مما يرونه أمام أعينهم. إن الطفل لا يحتاج إلى محاضرة طويلة ليعرف ما الذي نحترمه؛ يكفيه أن يرى إلى من نرفع رؤوسنا، ولمن نصفق، ومن نفتح له الأبواب.
فإذا رأى المجد يُنال بغير استحقاق، والمال يُجمع بغير جهد، والمكانة تُصنع بغير علم، فلا تسأل بعد ذلك لماذا تغيرت أحلامه.
إنه لن يقول لك: لقد فسد معياري.
ولكنك ستراه غدًا يحلم بما رأى، لا بما سمع.
ثم ماذا يحدث حين تتسع المسافة بين من يملك أسباب الحياة التي تجعل غده مطمئنًا، ومن يقضي يومه كله في محاولة النجاة من يومه؟
قد يحتمل الإنسان الفقر، لكنه يصعب عليه أن يحتمل الإحساس بالظلم. قد يقبل أن يكون الطريق صعبًا، لكنه لا يحتمل أن يكتشف أن الطريق لم يكن متساويًا منذ البداية.
ومن هنا يبدأ شيء خفي في النفوس: فقدان الثقة.
وحين يفقد الإنسان ثقته في عدالة الطريق، لا يعود يمشي فيه بالقلب نفسه. وحين لا يجد في النزاهة وسيلة للنجاح، قد يبدأ في البحث عن وسيلة أخرى.
وهكذا لا يسقط المجتمع فجأة؛ بل يسقط قليلًا قليلًا: كلما اضطر إنسان مستقيم إلى أن يطوي شيئًا من استقامته كي يعيش، وكلما اضطر صاحب كفاءة إلى ابتلاع غصته كي لا يخسر، وكلما تعلم شاب أن الطريق الأقصر ليس دائمًا الطريق الشريف.
ولعل أخطر ما في الأمر أن سرعة الحياة لا تترك لنا فرصة كافية لنلاحظ ما يحدث. نمضي من يوم إلى يوم، ومن صدمة إلى أخرى، حتى تتراكم فوق أرواحنا طبقات من الدهشة، فلا تعود الدهشة تدهشنا. يصبح العجيب عاديًا، والخطأ مشهدًا مألوفًا، ونقول: «هكذا هي الدنيا».
لا، ليست الدنيا هكذا.
ولكنها قد تصبح هكذا إذا تركناها بلا ميزان.
والميزان لا يحفظه القانون وحده، ولا المدرسة وحدها، ولا الأسرة وحدها؛ وإنما يحفظه الإنسان حين يؤمن أن في العالم أشياء لا ينبغي أن تُباع، وأن هناك حدودًا إذا تجاوزناها ربحنا شيئًا من الدنيا، وخسرنا شيئًا من أنفسنا.
فإن أردنا ألا يأتي يوم نسأل فيه: كيف وصلنا إلى هنا؟ فعلينا أن نعيد للعلم قدره، وللكفاءة حقها، وللصدق مكانه، وللعمل احترامه، وأن نجعل الفرصة ثمرة للاستحقاق لا هدية للمحظوظين، وأن نعلّم أبناءنا أن قيمة المرء ليست فيما يلمع منه حين تُسلَّط عليه الأضواء، وإنما فيما يبقى منه حين تنطفئ الأضواء ويعود إلى نفسه وحيدًا.
ولأن السفينة، مهما مالت، تستطيع أن تستعيد توازنها ما دام في أهلها من يمد يده إلى الدفة، فإن الطريق إلى الإصلاح يبدأ من الأشياء التي تبدو صغيرة، لكنها تصنع في آخر الأمر الفارق كله.
فربما كان الفرق بين مجتمع ينهض ومجتمع يسقط شيئًا صغيرًا في أوله، عظيمًا في آخره: معيارًا لم نتساهل فيه، وكفاءة لم نظلمها، وكذبة لم نقبلها، وحقًا لم نتركه يضيع، وإنسانًا لم نطلب منه أن يبيع ضميره كي يشتري مكانًا بين الناس.
أما إذا فرّطنا فيها، فلن يكون الجواب عن سؤالنا بعيدًا.
سننظر حولنا، فنجد أن الخراب لم يأتِ من باب واحد، وأن السقوط لم يبدأ يوم سقط الجدار، بل يوم تركنا أول حجر فيه يتحرك ولم نمد إليه أيدينا.
كان الجواب في صمتنا حين كان ينبغي أن نتكلم، وفي تصفيقنا حين كان ينبغي أن نصمت، وفي باب فتحناه لمن لا يستحق، وباب أغلقناه في وجه من يستحق.
كان في كل تنازل صغير حسبناه لا يضر.
حتى تكاثرت التنازلات، وصارت جدارًا.
وصار الجدار وطنًا.
ثم وقفنا خلفه نسأل:
كيف وصلنا إلى هنا؟