من هنا جاء النصر

هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تكون المعركة فيها مواجهة عسكرية على جبهة القتال فقط ، وإنما تصبح معركة وجود تتطلب وعيًا شعبيًا، وتماسكًا اجتماعيًا، وقدرة على تحمل الصعاب، وإدراكًا عميقًا بأن الحفاظ على الدولة ومؤسساتها هو الشرط الأول لحماية الوطن واستعادة قوته.

ولعل تجربتنا المصرية عقب 5 يونيو 1967 تظل واحدة من أهم النماذج التي تؤكد أن الدول لا تُبنى بالقرارات وحدها، وأن الجيوش لا تخوض معاركها منفردة، وإنما يقف خلفها مجتمع كامل يدرك طبيعة الخطر، ويتحمل تبعات المواجهة، ويشارك كلٌ في موقعه في معركة الدفاع عن الوطن.

واجهت الدولة المصرية واحدة من أصعب اللحظات في تاريخها الحديث؛ لكن الهزيمة على قسوتها، لم تتحول إلى هزيمة للإرادة الوطنية، بل تحولت إلى إرادة صلبة لتحقيق النصر .

هنا بدأت معركة أخرى.. معركة استعادة الثقة وإعادة بناء القوات المسلحة والدولة، وتجاوز آثار الانكسار النفسي والعسكري، وصولًا إلى استعادة القدرة على النصرواسترداد الأرض واستعادة الكرامة.

لقد بدأت مصر بالفعل في إعادة بناء قواتها المسلحة فى نفس الشهر وحققت نصرا قويا قبل أقل من شهر فى معركة رأس العش مثبتة للعدو أن ما حدث فى 5 يونيو لم يكن سوى كبوة، سرعان ما سيسترد هذا الجيش ما أُخذ من أرضه ، فخاضت حرب الاستنزاف التي امتدت لسنوات ليدرك العدو أنه لن يهنأ لحظة واحدة على أرض سيناء، وسطرت خلالها القوات المسلحة عمليات ومعارك ساهمت في استعادة الثقة والقدرة القتالية، بالتوازي مع إعادة التنظيم والتسليح والتدريب وبناء منظومات دفاعية جديدة.

لكن اللافت في هذه التجربة أن الدولة لم تكن وحدها في مواجهة التحدي.

كان المجتمع المصري مدركًا أن المعركة طويلة، وأن استعادة الأرض لن تتحقق بالشعارات، وإنما بالعمل والصبر وتحمل المسؤولية، فاصطف الجميع.

كان الجيش يعيد بناء قدراته، وكان المواطن يتحمل أعباء المرحلة، وكانت الدولة تعيد ترتيب أولوياتها، وتحشد إمكاناتها لخدمة الهدف الأكبر: "استعادة الأرض والحفاظ على الدولة وكرامتها الوطنية".

لم يكن هناك طريق سهل، فقد كانت هناك تكلفة اقتصادية واجتماعية ونفسية كبيرة للحرب والاستعداد لها؛ لكن المجتمع أدرك أن هناك فرقًا بين أن يتحمل الموطن أعباء مرحلة صعبة وهو يمتلك دولته ومؤسساته، وبين أن يفقد الدولة ذاتها فتتحول الأزمة إلى انهيار شامل.

وهنا تحديدًا تكمن إحدى أهم دروس التجربة المصرية، فالحروب ليست نزهة لكنها أزمة من الممكن أن تكون أزمة رشيدة، أو تتحول إلى أزمة غير رشيدة.

فبعد يونيو 1967 لم يكن السؤال: كيف نتجنب التكلفة؟

كان السؤال الأهم: "كيف نستعيد قدرتنا؟ وكيف نبني جيشًا قادرًا على خوض معركة التحرير؟ وكيف نحافظ على الدولة حتى نحقق النصر؟"

وبالفعل، لم يكن السادس من أكتوبر 1973 وليد لحظة واحدة، وإنما كان نتيجة سنوات من الإعداد والتخطيط وإعادة بناء القوات المسلحة والاستعداد السياسي والعسكري، إلى جانب صمود المجتمع ودعمه للمجهود الحربى.

الجميع يعمل من أجل لحظة إعلان الحرب ومعها النصر ، التكلفة كانت باهظة لكن الهدف كان غاليا وهو استرداد الأرض والكرامة.

وهكذا فإن نصر أكتوبر73 لم يكن انتصار جيش فقط، وإنما كان انتصار "إرادة أمة ".

الجيش خطط بدقة شديدة وتدرب باحترافية واستعد وقاتل فقد كانت تجارب الاستنزاف بمثابة بروفة للعبور، حيث عبر العديد من أبناء الصاعقة والمظلات والمشاة والاستطلاع قناة السويس عدة مرات خلال السنوات الست وقاموا بعمليات خلف خطوط العدو، وكبدوا العدو خسائر فادحة فى الأرواح والمعدات.

ومنها ما جاء ردا على ما قام به العدو فى بحر البقر فسطر أبطال الصاعقة المصرية ملحمة أبكت إسرائيل وتصدرت صحفها عناوين السبت الحزين فى 30 مايو 1970 وغيرها من العمليات القتالية خلف خطوط العدو.

كما تحمل الشعب وساند وعمل فلا ننسا ما قام به الأبطال من عمال المصانع بالمحلة وغيرها من زيادة ساعات الإنتاج لصالح المجهود الحربى، وحشدت الدولة إمكاناتها.. الجميع تحركوا في اتجاه هدف واحد.

من هنا جاء النصر قبل أن تبدأ المعركة الكبرى؛ بدأ النصر يوم أدرك المصريون أن استعادة الأرض تحتاج إلى استعادة الدولة لقوتها، وأن بناء القوات المسلحة يحتاج إلى دولة قادرة على توفير الإمكانات، وأن الدولة نفسها تحتاج إلى مجتمع يعرف قيمة مؤسساته ويحافظ عليها ويلتف خلف قيادته، ويتوحد قرار الأمة لأن الهدف واحد.

وهذه هي الرسالة الأهم التي ينبغي أن نستعيدها اليوم.

بعد أكثر من خمسين عامًا على تلك التجربة، تغير العالم، وتغيرت أدوات الصراع، وتغيرت طبيعة التهديدات.

لم تعد الحروب تبدأ دائمًا بالدبابات والطائرات (الحروب التقليدية)، ولم تعد الجبهات محددة بخطوط النار.

بل أصبحت الحروب تستهدف الوعي والسيطرة على عقول الشعوب مستهدفة ضرب الثقة بين الشعب والنظام، فتستخدم الشائعات والمعلومات المضللة لإرباك المجتمع، وزرع الشك، وإحداث حالة من الاستقطاب والانقسام، ودفع المواطن إلى فقدان ثقته في مؤسسات دولته، وهو ما يعرف بسيناريو صناعة الدولة الفاشلة.. والذى يعد أحد نماذج حروب الجيل الرابع.

هنا يصبح المواطن نفسه جزءًا أساسيًا من أسلحة المعركة.

فالدول تحتاج إلى مجتمع أكثر وعيا يستطيع أن يميز بين النقد الذي يستهدف الإصلاح، والمعلومات المضللة التي تستهدف الفوضى، وبين الاختلاف الطبيعي داخل المجتمع ومحاولات تحويل الاختلاف إلى صراع يهدم الدولة ومؤسساتها.

فليس المطلوب من المواطن أن يتخلى عن حقه في النقد أو الاختلاف، فالدولة القوية لا تخشى النقد المسؤول.

إن الحفاظ على الدولة لا يعني أن نتجاهل مشكلاتها، وإنما يعني أن نواجه مشكلاتها بعقل الدولة، وأن نبحث عن حلولها من داخل مؤسساتها، وأن ندرك أن إصلاح الخطأ يختلف تمامًا عن هدم المؤسسات التي تقوم عليها الدولة.

وهنا يصبح "الوعي سلاحًا".

فالمواطن الواعي لا يصدق كل ما يقرأ، ولا يشارك كل ما يصله، ولا يسمح بتحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات لنشر الخوف أو الشائعات أو المعلومات غير الموثقة.

والمواطن الواعي يعرف أن الكلمة يمكن أن تبني دولة ويمكن أن تهدمها؛ وأن مشاركة معلومة غير صحيحة قد تكون في بعض الظروف أكثر تأثيرًا من رصاصة، لأنها تصل إلى آلاف الأشخاص في لحظات.

ولذلك فإن معركة الوعي ليست مسؤولية مؤسسة واحدة.

إنها مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، والمؤسسات الدينية، والمثقفين، والنخب، والأحزاب، والمجتمع المدني، وكل مواطن يمتلك هاتفًا ومنصة يستطيع من خلالها التأثير في الآخرين.

وإذا كانت مصر قد استطاعت بعد 1967 أن تعيد بناء جيشها، وأن تخوض حرب الاستنزاف ، وأن تصل إلى السادس من أكتوبر1973 وتحقق النصر وتسترد الأرض والكرامة.. فإن أحد أهم الدروس التي يجب ألا تضيع من الذاكرة الوطنية هو أن "المعركة الكبرى لا يكسبها طرف واحد بمفرده". الجميع يعمل معًا من أجل هدف واحد الحفاظ على الدولة وأمنها القومي.

لقد كان الجيش جزءًا من معركة وطنية شاملة، وكان المجتمع جزءًا منها، وكانت الدولة هي الإطار الذي جمع الجميع.

واليوم تواجه مصر تحديات مختلفة في طبيعتها، لكنها تتطلب المبدأ نفسه: الحفاظ على الدولة، وحماية مؤسساتها، والعمل على تقوية اقتصادها، وزيادة قدرتها الإنتاجية، وحماية مقدراتها، وبناء الإنسان، وترسيخ الوعي الوطني.

فالاقتصاد القوي جزء من الأمن القومي .

والتعليم القوي جزء من الأمن القومي .

والإعلام المهني جزء من الأمن القومي .

والوعي الرقمي جزء من الأمن القومي .

والمؤسسات القوية جزء من الأمن القومي .

والعمل والإنتاج وتحمل المسؤولية جزء من الأمن القومي .

ولهذا فإن معركة بناء الدولة هي في جوهرها معركة عمل، كل ساعة عمل منتجة تساهم في بناء الاقتصاد.

كل طالب يتعلم جيدًا يضيف إلى مستقبل البلاد.

كل مصنع يعمل بكفاءة يمثل جزءًا من قوة الدولة.

كل مزارع يحقق إنتاجًا أفضل يساهم في الأمن الغذائي.

كل طبيب أو مهندس أو مدرس يؤدي عمله بإخلاص يضيف لبنة في بناء المجتمع.

وبالمقابل، فإن انتشار اللامبالاة والاعتماد على الشائعات ورفض العمل وتحويل كل مشكلة إلى حالة من اليأس، كلها عوامل تضعف قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات.

ولهذا كان درس أكتوبر واضحًا: "الدول تنتصر عندما تتحول إرادة شعوبها إلى عمل".

ولا يمكن أن تكون الدولة قوية إذا كان المجتمع منقسمًا أو غير مدرك لقيمة مؤسساتها.

لقد أثبتت تجربة أكتوبر1973 أن الطريق إلى النصر لا يبدأ دائمًا من ميدان المعركة، وإنما قد يبدأ من مصنع يعمل، ومزارع ينتج، وطالب يتعلم، وطبيب يؤدي رسالته، وإعلامي يتحرى الحقيقة، ومواطن يرفض الشائعة، ومؤسسة تقوم بدورها، وجيش يستعد، ودولة تعرف أهدافها.

وهذا هو الاصطفاف الحقيقي ، ليس اصطفافًا يلغي الاختلاف؛ وإنما اصطفاف حول "الوطن".

ليس اتفاقًا على كل شيء؛ وإنما اتفاق على أن الدولة المصرية ليست ساحة مفتوحة للتجارب والمغامرات، وأن أمنها واستقرارها ووحدة أراضيها ومؤسساتها قضية تتجاوز الخلافات السياسية والاجتماعية اليومية.

فالدول التي تفقد مؤسساتها لا تبدأ خسارتها عندما تسقط عواصمها، وإنما تبدأ عندما يفقد المواطن ثقته في دولته، وعندما تتحول الخلافات إلى كراهية، وعندما تصبح الشائعة أقوى من الحقيقة، وعندما يعتقد البعض أن هدم المؤسسة أسهل من إصلاحها.

وهنا يجب أن نستعيد درس يونيو67.

لم يكن الطريق من الهزيمة إلى نصر أكتوبر طريقًا قصيرًا، ولم يكن خاليًا من الألم والتحديات، لكنه كان طريقًا بدأ باستيعاب حجم الخطر، وإعادة تنظيم الصفوف، وبناء القوات المسلحة ، وتحمل المجتمع لمسؤولياته، والإصرار على استعادة القدرة قبل استعادة الأرض. ومن هنا جاء النصر .

اليوم، ونحن ننظر إلى عالم يموج بالصراعات والأزمات، وتتحرك فيه مشاريع متعددة لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، وإعادة رسم خرائط حدودها؛ لذا فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نسمح لأنفسنا بأن نكون مجرد متلقين لما يحدث من حولنا.

علينا أن نفهم.

أن نقرأ.

أن نتحقق.

أن نعمل.

وأن ندرك أن الحفاظ على الوطن ليس مسؤولية الجيش وحده، ولا الحكومة وحدها، ولا مؤسسة بعينها.

إنه مسؤولية مجتمع كامل.

قد تختلف الآراء حول السياسات والقرارات، وقد يختلف المواطنون في تقييم أداء الحكومات، وهذا طبيعي في أي مجتمع حي، لكن هناك مساحة أوسع يجب أن يلتقي عندها الجميع: " مصر الدولة، ومؤسساتها، وأمنها القومي، ووحدة أراضيها، وقدرتها على حماية مصالحها".

لقد كان وعي المصريين أحد عناصر الصمود في أصعب مراحل تاريخنا الحديث، وكان إدراكهم لطبيعة المعركة جزءًا من القدرة على تحمل تكلفتها.

واليوم، ربما تكون معركتنا مختلفة، لكنها تحتاج إلى السلاح نفسه: وعي لا يُخدع، وعقل لا يُستدرج، ومواطن لا يهدم وطنه بيده، ومجتمع يعرف قيمة دولته، ودولة تعمل على بناء الثقة بالإنجاز والشفافية، ومؤسسات قوية وقادرة على أداء دورها.

فإذا كان الجيش المصري قد حمل السلاح في أكتوبر دفاعًا عن الأرض، فإن المواطن المصري اليوم يحمل سلاحًا آخر لا يقل أهمية: الوعي.

والوعي عندما يتحول إلى مسؤولية وعمل وإنتاج وحفاظ على الدولة، يصبح أحد أقوى حوائط الصد في مواجهة الفوضى والتفكك.

لقد بدأ طريق أكتوبر يوم أدرك المصريون أن الوطن أكبر من الهزيمة.

واليوم يجب أن ندرك أن مصر أكبر من كل أزمة، وأن الحفاظ عليها وبناء قوتها مسؤولية مشتركة، وأن معركة بناء الدولة لا تقل أهمية عن معركة الدفاع عنها.

فالأوطان لا يحميها السلاح وحده.. وإنما يحميها أيضًا وعي أبنائها، وتماسك مجتمعها، وقوة مؤسساتها، وإيمان أهلها بأن مستقبلها لا يُترك للآخرين، بل يُصنع بأيدي أبنائها.

أضف تعليق

معجزة النصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان