لم تكن الحروب فى ذروة تحولاتها التاريخية مجرد صدام عسكرى بالمدافع والعتاد؛ بل كانت دائمًا صراعًا على "إرادة الشعوب" وهويتها الجمعية، واليوم، وبعد أن فشلت المواجهات المباشرة والعمليات الإرهابية الميدانية فى دحر أركان الدولة المصرية، تحولت الاستراتيجيات العدائية المعقدة بالكامل نحو جبهة أكثر شراسة وتخفيًا وهى جبهة « الفضاء السيبرانى » حيث تُدار الحروب النفسية فى صمت، وتُخاض معارك احتلال العقول عبر تقنيات الجيلين الرابع والخامس، للتسلل إلى الوعى العام واستنساخ سيناريوهات " الفوضى الخلاقة" مجددًا لكن هذه المرة بنسخة رقمية محدثة.
تنطلق هذه المحاولات اعتمادًا على شبكات ممتدة وممولة تُديرها لجان إلكترونية وأبواق من الخارج، وعلى رأسها المنصات التابعة لتنظيم الإخوان الإرهابى، مستعينة بكتائب البوتات (BOTS اختصار لكلمة ROBOTS وهى برامج كمبيوتر مصممة لتنفيذ مهام محددة وتلقائية أوتوماتيكية عبر شبكة الإنترنت بسرعة ودقة تتجاوز قدرة الإنسان العادى) وتعتمد كذلك على الحسابات الدمية (من الدمية وهى حسابات وهمية يُنشئها ويُديرها شخص حقيقى (أو جهة محددة) تحت أسماء وهويات مستعارة وزائفة)، وتعتمد هذه الشبكات تكتيكًا خبيثًا يقوم على "الأكاذيب المغلفة"، حيث لا تُبتكر الشائعة من الفراغ، بل يُقتطع جزء حقيقى من قرار رسمى أو خبر خدمى يمس حياة المواطن اليومية - كالكهرباء أو أسعار السلع أو التعليم - ثم يُحاط بكم هائل من التزييف والتهويل الممنهج عبر تقنيات الخداع الجماعى المصنوع (ASTROTURFING)، لإحداث حالة من الفجوة والاحتقان بين المواطن ومؤسساته الوطنية.
ولم تعد هذه اللجان تعمل بالأساليب القديمة التى كانت تحمل مسميات سياسية صريحة؛ لكن صارت تتخفى فى عباءة أو ما اصطلح على تسميته بـ "القمصان البديلة"، صفحات ساخرة، وخدمية، ورياضية، بل وحتى صفحات للطبخ والمواعظ، حتى إذا جمعت الملايين من المتابعين البسطاء، بدأت فى بث السموم الفكرية والرسائل التضامنية المضللة، لتوجيه الرأى العام نحو "تريندات" معادية وموجهة.
يعتمد هذا المخطط - أيضًا - على تضخيم القضايا الجنائية والفردية وإخراجها من سياقها القانونى الطبيعى لإشاعة الفزع الاجتماعى والشعور بالخوف، إلى جانب محاولات دس الوقيعة بين مصر وأشقائها من الدول العربية عبر حسابات وهمية مزدوجة تخلق استقطابًا إقليميًا زائفًا عبر خوارزميات المنصات.
وهذه المحاولات المستميتة لإعادة إنتاج الفوضى تصطدم يوميًا باستراتيجية مواجهة متماسكة تقودها الدولة المصرية، وترتكز هذه الاستراتيجية على محورين رئيسيين؛ الأول: "حرب الوعى" باعتبارها خط الدفاع الأول والصخرة التى تتحطم عليها الشائعات، من خلال سرعة تفنيد الأكاذيب وتدفق المعلومات المؤكدة عبر وسائل الإعلام الرسمية والوطنية.
أما المحور الثانى، فيعتمد على "الردع التقنى والسيبرانى"، حيث ترصد الأجهزة المتخصصة البصمات الرقمية وتفكك الشبكات الموجهة لحماية البنية التحتية المعلوماتية والأمن المجتمعى.
ويظل الهدف النهائى لنسخة " الفوضى الرقمية" هو دفع المجتمع نحو التشكك فى ذاته وتدمير مقدراته بيديه، غير أن الوعى الميدانى والتكنولوجى، وقراءة آليات هذه الكتائب وتفكيك أدواتها، يظل الضمانة الحقيقية لإحباط المخطط وتأمين استقرار الوطن وصون مقدراته.