تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي نصائح غذائية كثيرة تُقدم في صورة وصفات سريعة لـ"تنظيف الجسم" أو تقوية المناعة، ومن بينها تناول فصين من الثوم النيء على معدة فارغة فور الاستيقاظ، مع ادعاءات بأنه يعمل كمضاد حيوي طبيعي ويخلص الجسم من السموم.
ورغم شهرة هذه النصيحة، فإن السؤال الأهم هو: هل تناول الثوم على الريق يمنحه فائدة إضافية مقارنة بتناوله ضمن الطعام؟ وهل يمكن أن يسبب أضرارًا لدى بعض الأشخاص؟ وما الطريقة الأفضل للاستفادة من المركبات النشطة الموجودة فيه؟
يوضح الدكتور محمد خلف، أخصائي التغذية العلاجية، أن تناول الثوم على معدة فارغة ليس شرطًا للاستفادة من فوائده، كما أن ابتلاع فصوص الثوم كاملة لا يمثل الطريقة الأفضل للاستفادة من المركبات النشطة الموجودة به.
لا ميزة إضافية
يقول الدكتور محمد خلف، أخصائي التغذية العلاجية، إن فكرة تناول فصين من الثوم على الريق باعتبارهما "مضادًا حيويًا طبيعيًا" أو وسيلة لـ"تخليص الجسم من السموم" من المعلومات الشائعة التي يتم تداولها بكثرة، لكنها تحتاج إلى تصحيح.
فتناول الثوم على معدة فارغة لا يعني أنه سيعمل بطريقة مختلفة أو يمنح الجسم فائدة إضافية مقارنة بتناوله مع الطعام.
وبالتالي، يمكن إضافة الثوم إلى أطباق السلطة أو الطعام، أو خلطه مع الزبادي، والاستفادة من قيمته الغذائية دون الحاجة إلى تناوله فور الاستيقاظ أو على معدة فارغة.
والأهم من توقيت تناول الثوم هو طريقة تحضيره، خاصة إذا كان الهدف هو الاستفادة من بعض المركبات النشطة الموجودة فيه.
قاعدة العشر دقائق
ومن النقاط التي تستحق الانتباه عند تناول الثوم، بحسب أخصائي التغذية العلاجية، عدم ابتلاع الفص كاملًا إذا كان الهدف الاستفادة من مركباته النشطة.
فعندما يتم تقطيع أو هرس الثوم، تبدأ تفاعلات إنزيمية تؤدي إلى تكوين مركب الأليسين (Allicin)، وهو من أبرز المركبات الكبريتية النشطة المرتبطة بالثوم.
ولهذا يمكن تقطيع أو هرس الثوم وتركه فترة قصيرة قبل تناوله أو إضافته إلى الطعام، بدلًا من ابتلاعه كاملًا.
وتُعرف هذه النصيحة أحيانًا باسم "قاعدة العشر دقائق"، لكن الأهم علميًا هو فهم السبب وراءها: التقطيع أو الهرس يساعد على تكوين الأليسين، بينما قد تؤثر الحرارة الشديدة في كمية بعض المركبات النشطة.
المعدة الحساسة
لكن تناول الثوم النيء، وخاصة بكميات كبيرة وعلى معدة فارغة، ليس مناسبًا للجميع.
ف الثوم النيء قد يسبب لدى بعض الأشخاص تهيجًا في الجهاز الهضمي، مثل حرقة المعدة، والانتفاخ، والغازات، والشعور بعدم الراحة أو زيادة أعراض الارتجاع.
وقد تكون هذه الأعراض أكثر وضوحًا لدى الأشخاص الذين يعانون بالفعل من مشكلات في الجهاز الهضمي أو لديهم معدة حساسة.
كما قد يلاحظ بعض الأشخاص زيادة الأعراض الهضمية المرتبطة بالقولون عند تناول كميات كبيرة من الثوم النيء، لذلك لا توجد قاعدة تقول إن « الثوم على الريق» أفضل للجميع.
وفي المقابل، قد يكون تناول الثوم ضمن الطعام أو بعد طهيه أكثر تحملًا لدى بعض الأشخاص، مع اختلاف التأثير من شخص إلى آخر.
النيء والمطهو
وهنا يجب التفريق بين فوائد الثوم كغذاء وبين الاعتقاد بأن تناوله نيئًا على الريق هو الطريقة الوحيدة أو الأفضل للحصول على فوائده.
الثوم النيء يحتفظ بقدر أكبر من بعض المركبات التي تتأثر بالحرارة، ومن بينها الأليسين الذي يتكون بعد تقطيع أو هرس الثوم، بينما يؤدي الطهي إلى تغيير تركيب بعض المركبات.
لكن هذا لا يعني أن الثوم المطهو "بلا فائدة"، بل يظل جزءًا مفيدًا من النظام الغذائي، كما أن طريقة الطهي ودرجة الحرارة ومدة التعرض للحرارة كلها عوامل تؤثر في المركبات الموجودة فيه.
لذلك، إذا كان الثوم النيء يسبب لك حموضة أو انتفاخًا أو ارتجاعًا، فلا داعي لإجبار نفسك على تناوله على الريق بحجة الحصول على فوائد أكبر.
فوائد محتملة
أما عن فوائد الثوم، فيحتوي على عدد من المركبات الكبريتية النشطة، ويُعد الأليسين من أشهرها.
وتشير الأبحاث إلى أن مركبات الثوم لها خصائص مضادة للأكسدة والالتهاب، كما أظهرت بعض الدراسات تأثيرات محتملة للثوم في عدد من عوامل صحة القلب والأوعية الدموية.
وقد ارتبط تناول الثوم في بعض الدراسات بتأثيرات إيجابية على ضغط الدم ومستويات الكوليسترول، إلا أن حجم التأثير يختلف بحسب طريقة تناول الثوم وكميته والشكل المستخدم، ولا ينبغي اعتباره بديلًا عن الأدوية أو العلاج الطبي.
كما أظهرت دراسات مخبرية أن بعض مركبات الثوم تمتلك نشاطًا ضد أنواع من البكتيريا والفطريات، لكن نتائج المختبر لا تعني تلقائيًا أن تناول فصوص الثوم يمكن أن يحل محل المضادات الحيوية أو الأدوية التي يصفها الطبيب.
ليس مضادًا حيويًا
ومن أهم النقاط التي يجب توضيحها أن وصف الثوم بأنه «مضاد حيوي طبيعي» قد يعطي انطباعًا خاطئًا.
فوجود مركبات في الثوم لها نشاط مضاد لبعض الميكروبات في الدراسات المعملية لا يعني أن تناول الثوم يعالج العدوى البكتيرية بالطريقة نفسها التي تعمل بها المضادات الحيوية الطبية.
لذلك، لا ينبغي استخدام الثوم بدلًا من العلاج الموصوف عند الإصابة بعدوى تحتاج إلى تقييم وعلاج طبي.
وبالمثل، لا توجد حاجة لتناول فصوص الثوم على الريق بهدف " تنظيف الجسم من السموم"، فالجسم لديه أعضاء وأنظمة مسؤولة عن التعامل مع الفضلات والمواد المختلفة، ولا توجد وصفة بسيطة من فصين من الثوم تقوم بهذه المهمة بدلًا منها.
سيولة الدم
وهناك نقطة أخرى مهمة يجب الانتباه إليها، خاصة لدى بعض المرضى، وهي تأثير الثوم في عملية تجلط الدم.
فقد يكون للثوم تأثير في الصفائح الدموية والتجلط، ولذلك يجب الحذر من تناول كميات كبيرة أو استخدام مكملات الثوم لدى الأشخاص الذين يتناولون أدوية تؤثر في سيولة الدم.
ويشمل ذلك أدوية مثل الوارفارين والكلوبيدوجريل، وكذلك الأشخاص الذين لديهم قابلية للنزيف أو يستعدون لإجراء عملية جراحية.
أما بالنسبة للأسبرين، فلا يعني ذلك أن كل شخص يتناوله يجب أن يمتنع عن الثوم في الطعام، وإنما المقصود هو ضرورة الانتباه إلى الكميات الكبيرة ومكملات الثوم، واستشارة الطبيب عند وجود علاج يؤثر في التجلط أو مشكلة نزيف.
الاعتدال أفضل
وفي النهاية، لا يحتاج الشخص إلى بدء يومه بفصين من الثوم النيء حتى يحصل على فوائده، كما أن تناوله على معدة فارغة لا يمنحه ميزة سحرية أو يجعله وسيلة لإزالة السموم من الجسم.
الأفضل أن يكون الثوم جزءًا طبيعيًا من النظام الغذائي، ويمكن تناوله مع السلطة أو الزبادي أو ضمن الوجبات، مع مراعاة تحضيره بطريقة مناسبة، وعدم الإفراط في تناوله، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من حساسية المعدة أو الارتجاع أو مشكلات الجهاز الهضمي.
فالقاعدة الأهم ليست " الثوم على الريق"، وإنما تناوله باعتدال وبالطريقة التي تناسب الجسم، مع عدم استخدامه بديلًا عن العلاج الطبي عند الحاجة.